شيخ أزهر الهند

شيخ أزهر الهند


لم تحفل ولادته كبير اهتمام، ولم تقم له حفلات الكلام والطعام، وإنما روعي له ما يُراعى لمولود جديد في بيت مسلم، اتبع الشرع، فرح الأحباب وعقّ عنه الأصحاب، ولم يعرف أحد ولا خطر على بال أنه سيكون له شأن عظيم، ويصبح عبقريّ الزمان، وإنما الرجاء كل الرجاء من مسقط رأسه أن ينجب عبقريا للمستقبل كما أنجب للماضي والحال، فتحقّق المرجوّ ووجد تأويل الحلم، أن هذا المولود الجديد هو عبقري المستقبل وفارس الميدان.


ولد في عام 1248 هجري في بيت عُرف أهله بالصلاح وبالكفاح ضدَّ الباطل، وفي أسرة انحدرت سلالته من سيّدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه أول الخليفة، وفي بيئة تولى زمامها العلم والثقافة، فهذه العوامل إن دلّت على شيء فإنها تدل على ترغيبه إلى التعلم والتثقيف، فبدأ مسيرته العلمية من قريته "نانوته" ومنه انتقل إلى قرية "ديوبند" حين لم تنشأ مدرسة "ديوبند"، ولم يطب المقام حيث ارتحل منها إلى "سهارنبور" عند جده من الأم، وطاب المكان فدرس المبادئ من النحو والصرف واللغة العربية على الشيخ نواز رحمه الله، ولم تزل لواعج العلم وعواطف التعلم حية في قلبه، شابّة في وجدانه، قوية في شعوره، إلى أن حل العام 1259 هجري على ربوع الهند، فأنتجت العواطف رحلة إلى "دهلي" مدينة العلم والعرفان مع أستاذه (الشيخ مملوك العلى) فأخذ من كل فن نصيببا، درس الفلسفة دراسة تفهُّم وقرأ المنطق قراءة تعمّق، وكتب حواشي بعض أجزاء البخاري حتى شهد الأعداء بنبوغه فضلا عن الأصدقاء.. (والفضل ما شهدت به الأعداء)، وأخذ علوم الحديث من الشيخ عبد الغني المجدّدي، كما أخذ السلوك المستقيم والتصوف الصحيح من الشيخ مظفر حسين والشيخ الحاج إمداد الله المهاجر المدني رحمهما الله.


فتخرّج على هؤلاء العباقرة عبقري الزمان "الشيخ محمد قاسم النانوتوي" رحمه الله متهيّأ للدخول في غمار الحياة، متسلّحا لمعركة الباطل وأهله كجندي مغامر في الثغور أخذ العدّة والحيطة. فقام ضدّ الفتن قيام جبل شامخ لا يتزحزح من مكانه فضلا أن يزول، فكان يرى أول صخرة صمّاء في سيره حكومة الإنكليز التي حكمت الهند وطال زمامها ورسخت أركانها، حاول العلماء إزاحتها وزحزحتها من مكانها، فكانت محاولات تشكر وتوجر؛ ولكن الصخرة صعبة التكسر، شاقة التزحزح، فحاول الشيخ إزاحتها وتكسيرها، فأبت وباؤوا بالفشل، ولم يقشل العزم ولا الحزم، فذهب يفكّر في إنشاء مدرسة تجيّش الجيوش وتجنّد الجنود، وشرح الله صدره في إنشائها، وأنشئت دار العلوم (ديوبند) وهي تخرّج العلماء المجاهدين والخطباء الواعظين والمحدثين العاملين.


ولم يكتف على إنشاء هذه الجامعة بل ورد كل قرية مجاورة مختلفة ورغب أهلها في إنشاء المعاهد، ونصحهم في الله ورسوله، فتكاثرت المدارس الإسلامية وعمّ النفع في ربوع الهند شرقها وغربها، فلو كانت الدنيا تذكر عظماءها وتخلّد ذكراهم بتماثيل تنصب في الشوارع والطرقات لكفتتنا بتخليد عظمائنا هذه المدارس والجامعات.


لا ولن يقوم الرجل بهذه الأمور الضخمة مهما كبر عزمه وقوي جهده إلا أن يتصف بأوصاف يتأسس بها حياته ونشأته، والشيخ منذ صباه تطرّق إلى هذه الصفات، وأسّسها لحياته.


فمن أبرزها حبّه للرسول الأعظم والتمسك بسننه -صلوات الله عليه-، يقول الحكيم منصور علي خان: "كنا مع الشيخ في رحلة الحج، لما اقتربنا من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، خلع نعليه ومشى حافيا احتراما لمدينة الرسول، وتوقيرا لطرقاتها التي طرقها الرسول الأمي والصحابة الكرام.


وكذا كان في نضال الإنكليز كمجاهد بارز مقدام، فأمرت حكومة إنكلترا باعتقاله فاختفى ثلاثة أيام، ثم ظهر، فخاف عليه أصحابه، وأشاروا عليه بالاختفاء، فقال: لم يثبت من السنة أكثر من ثلاثة أيام، وإنما السنة ثلاثة أيام!


توفّي عملاق الهند ومؤسس أزهر الهند يوم الخميس سنة 1297 هـ في أربعة خلت من جمادى الأولى وعمره يناهض 49 سنة، طاب حيا وميتا!
سعادة القارئ! وإذا لم يمكن أن نقتبس من حياته أشياء كثيرة، فلا أقلّ أن نأخذ هذه الصفات الطيّبة، ويجب علينا أن لانطالع سيرتهم مطالعة، فلا نتحصل على فائدة، ويضيع بذلك وقتنا!

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016