ألا أين المروءة والسماحة..!!

كانت ليلة من الليالي الباردة،وكنا نقطع الطرق تلو الطرق،إذا بالسيارة تقف بنا على محطة البنزين،وصُبَّ البترول في السيارة،فلما انتهينا منه شغّلنا المحرِّك فإذا به يختنق ولا يتحرك ،واصلنا المحاولة، ولكنها لم تزل تأبى إلا الجمود،فخرجنا نرجو المساعدة، حتى لقينا شابًّا من بعض بيوتات الأغنياء،فعرضنا عليه مسألتنا العويصة، فمشى معنا حتى انتهينا إلى مركبنا السقيم،ورفعنا غطاء المحرك،وطالعناه فوجدناه عطشانا،فسقيناه حتى ارتوى،ثم سعينا جهدنا أن نتمكن من إيقاظه من رقدته التي بدأت تطول، ولكنه صار عاجزا عن  أن يشتغل، فضلا عن أن يساق،ففحصنا بطاريته،وكنا قد علمنا بتعطلها،فأشار علينا ذلك الفتى بشحنها،وأخبرنا بأن ذلك يحتاج إلى سلك يختص بها،ولم يكن السلك لدينا، فجاء بسيارته و ركبناها معه لنشتري السلك ورجعنا،فركّب طرفه ببطارية سيارتنا والطرف الآخر ببطارية سيارته لشحنها،فلما سرى التيار فيه شغلنا السيارة ولكن دون جدوى، وأعدنا ذلك مرارا، لنخيب مرارا في مقصدنا، فأشار الفتى إلى شحنها بسيارة أخرى كبيرة توافق حجم سيارتنا حتى تجد طاقة كافية،فخرجنا نلتمس صاحب مركب كبير،فما هو إلا أن كلمناه حتى رضي،وجاء براحلته يسمونها(وتس)، فجربناها كما جربنا السيارة السابقة من قبلها،ثم شغلنا السيارة ولكنا ألفيناها على  حالها لاتقدم قدما ولا تؤخر، كررنا ذلك فلم ننجح،فلما يئسنا ويئس صاحب السيارة رأينا أن نحركها لآخر مرة،وكانت مصادفة عجيبة ،اشتغلت السيارة،وحييت الآمال الميتة.


هذا ما حدث بنا،ولم أعمد هنا ذكر قصة تحكى وتنسى،بل وددت أن أعرض عليكم إخلاص ذلك الفتى؛ فإنا لم نقل له إلا كلمة غوث،حتى جاء بديوان الكرم والأخوة والتفاني..! لقد مكث معنا ساعتين في زمان يضرب بقلة وفاء ناسه، وعدم مروءة أهله، وفوق هذا.. لقد ساق من أجلنا  سيارته إلى شتى الأماكن؛ لشراء ما احتجنا إليه، وبديهي أن البترول قد غلا، وارتفعت أسعاره، لقد تربى على البذل والإنفاق، قد عظمت عزائمه، وجبل على طبيعة جوادة، فآثر علينا، عالماً أنه لا لقاء بعده، وما نحن بواهبين إياه شيئا،ولكن هو الإيمان والإخلاص، اللذان يقوّمانك على الصعاب،ويرشدانك إلى الصراط، فإن لم يكن لديك منهما ما تعتز به، كنت بالموت أجدر،وبالهلاك أولى! فمن لا أيمان له كمن لا رأس له! فبئست الحياة تعاش في نعمة،ولكن تجهل طريقها إلى الإيمان.


الأمة تتململ لأمثاله من الرجال تململ الغضوب العاجز،فإلى العلماء الربانيين والطلاب المخلصين: أن كونوا سوابق إلى المكارم والمعالي،فما هلك قوم ضربوا إلى طرق الخيرات، فالفقراء على الشوارع، والمارون من الضعفاء،والأعمى،والأعرج،ومن تعطل مركبه،والمرضى،والجرحى المساكين، وكثيرون... يحتاجون إلى إغاثة منك.


فلعل سعيك البسيط يقي جريحا من الهلاك،وسقيما من الداء،وضعيفا من الخطر،وأعمى من الإصابة.

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016