أزمة العمل..!
أزمة العمل..!

إن أكثر ما يشغل اليوم حديثَ سوادنا هو الخوض في الأزمات التي قرعت الأمة، بل عمّت البشرية قاطبة، أزمة المأكل، وأزمة المشرب، وأزمة الكهرباء، وما إلى ذلك، فعليه يدور قطب الحديث، وإليه تنتهي مرامي الأفكار، بيد أن ثمة أدهى من ذلك كلِّه، وهو أزمة الإقدام على العمل، وهي الداهية التي فجعت بها الأمة الإسلامية كافّة، ومعشر المنتمين إلى العلم خاصّة، فالعلم جمٌّ، والدراسات والتحقيقات التي نجمت  اليوم لم تكن تعهد من قبل، والمتخرجون من مدارسنا في كثرة هائلة، ولكن أمرنا لا يزال إلى الانحطاط والأمة بأسرها في سرعة فائقة إلى هوّة الردى والضّلال؛ لأن ثروة العمل هي التي فقدناها، وهي أدهى ما نعاني أزمتها.


       وقد سمعت - صغيراً - عن هذه الأزمة، ولكني ما كنت لأومن بوجودها في أرض الواقع، وقد طرقتني كثير من التوعدات التي وردت في عالِمٍ لم يعمل في علمه، فكانت تثير الدهشة في نفسي، وكنت أسائلني: هل يمكن أن يعلم إنسان منفعته ثم يطوي عنه كشحاً، أو ضُرَّه فيقبل عليه؟! وهل يمكن لعالمٍ أن يقدم على ما يجرّه فيكبه على وجهه في نار جهنم، وهو يقدر خطر الطريق ووعورة المسلك؟!!


       كيف؟!! وقد لبث ملياًّ يستقي من معين القرآن والحديث، ويرتوي من مناهل المواعظ الربانية مباشرةً.


       نعم، ما كنت لأومن أن عالماً يبطئ  عن الصلاة وقد علم ما علم من فضلها وعظم شأنها، فضلاً أن تفوته الجماعة.. بل الصلاةُ رأساً.. بل لا يكاد يتصور منه أن تمرّ به ليلة فلم ينتهز من خلواتها، وبات شقياًّ محروماً عن لذّةِ مناجاة ربّه تبارك وتعالى.


       وهل يمكن لقلبه أن يجيش حسَداً وحقداً إذا وجد أخاه حظي بنعمةٍ حُرِمَها؟!


       وطالما ساورني أنه كيف يمكن أن يُريقَ ماءَ وجهه دون حطام الدنيا شأن السفهاء الذين لاخلاقَ لهم في الآخرة، وكيف يستسيغ أن يغُلَّ في أموال المسلمين، أو يسرحَ في أعراضهم، أو يتقلَّبَ متفكِّهاً في سُوح المشتبهات فضلاً أن يداني محرّماً ويقترفه؟! بل وكيف له أن يؤثرَ مصلحةَ نفسه أو بطنِه بل ضرورته على حكم من أحكام  الشريعة، وعلى سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف وكيف، و قد قضى عقرَ حياته في جوِّ كتاب الله تعالى الطلق العبق؟ كيف ولم يستنشق إلا في ذَرا الحديث النبوي المنيف، بل ولم يقعد ولم يرقد ولم يسجد إلا في ظلال روضة من رياض الجنان؟


       فهل يمكن بعد ذلك أن يركب مايَصِمُ جبهةَ الإسلام الغرّاء، أو يصنع ما يخطّ فاصلاً يحجز الناسَ عن هذا الدين الحنيف؟ كلاّ!


       وكيف أومن لمن أنبأني بهلاك ظامئ كان بحافة دجلة، بل في لجّتها، ولم يتمكن ان يرتشف منها ما يروي به غُلَّته.


       ودمت على ذلك اليقين في جزمٍ وقطع، حتى شاء الله أن أغدو إلى تلك الروضة التي تستمد رياها من فراديس الجنان - وفي ذلكم بلاء عظيم - وتوالت الأيام، ومضت الشهور إثرَ الشهور، وظلّت السنون تقفو آثارَ أخواتها، حتى بدت لي تلك الحقيقة التي طالما تراءت لي كشبحٍ مبهم، في أجلى ما يكون، وانتصبت لي شهادة من ذات نفسي على صدق ما قد طال عهدي بإنكارها، فمثلت بين يديَّ عياناً تسخر من تلك العقيدة الزائفة التي عايشتها دهراً في يقين جازم.


       فوقفت برهةً أتردّد في وجود نفسي، ووددت أنه لو كان ذلك في عالم الخيال، ولكن الأمر قد انقلب ظهراً لبطن.


       ألفيتُني قد ألِفْتُ الثانية من حيث لم أشعر، حتى كأن الأولى لم أكن أعهدها قطُّ، فغدوت أجرأَ ما أكون على تخطّي حدود الله تعالى، والاستخفاف وعدم الاكتراث بشرائع الدين وشعائره، والاحتيالات الزائفة التي توشك ان تشيّع المرء من ربقة الإسلام، وقد كنت من قبل أحرص شيءٍ على المبادرة إلى فعل الخيرات وترك المنكرات.


       ولا أزال أمضي في هذا الارتقاء المتدهور، أنساب على وجهي، ولا أدري أ إلى النجاة مسلكي، أم سيكون ثمة مهلكي؟


       نعم، قد فقدنا تلك الثروة التي كانت تعتز بها مدارسنا، وكانت قد امتازت بها من بين سائر العالم، واتسمت بها جدودنا حتى استطاعوا بذلك أن يطأوا الثريّا، وأصبحنا اليوم لا نقف لها على عين ولا رسم. ليت شعري أين غارت ثروتنا؟ آلأرض بلعتْها، أمِ السماءُ رفعتها، أم طارت بها عنقاءُ المغرب؟؟!


       والله! إن الأمة اليوم بحاجة إلى رعيل من علماء يتمثَّل فيهم الإسلام، يفوحون عملاً طيِّباً، ويتفتقون تقوىً وصلاحاً، أعفّاء السيرة والسريرة، يُسرُّون خيراً من الذي يعلنون، يربؤون بأنفسهم عن كل ما يورث في الأمة أدنى تحريشٍ أو فساد، على أنهم هم القطب الذي يدور حوله رحى الأمةِ بأسرها، متى صلحوا صلحت، و متى فسدوا كانت على أفسد شأن.


       فحقيق بكل منا أن تكون له ساعات يخلو فيها بينه وبين ربّه، ولينظر ما أفسد وما أصلح، وساعات يخلو فيها بسيرة من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وسيرة أتباعهم من الذين كانوا بحقّ حملة تراث الأنبياء، وما ذاك بأقلَّ أهمّيّةً من الدّراسات المنهجية التي نمارسها، عسى أن نتطرّقَ بذلك سبيلاً إلى استعادة مجد السالفين، أو نجد مخلصاً من هذه الأزمة التي عمّت البلادَ وغمّتها.


       وما عمدت في هذه السطور إلى معالي العلماء الأفاضل، ولا قصدت أدنى إساءةٍ في جنب ما تقوم به مدارسنا من دورٍ خطيرٍ وما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، وإن كان قد بدر مني شيء من ذلك فالعذر عند كرام الناس مقبول، على أنّ المصدور غيرُ ملومٍ فيما ينفُث.


حارث بن عثمان
من أبناء مدرسة ابن عباس-رضي الله عنهما-


________________


ملاحظة: المقالة سبق أن تم نشرها في مجلة الفاروق الصادرة من كراتشي بواسطة شبكة المدارس الإسلامية


 

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016