نحو منهج أحسن لتـعلم اللغة العربية
إن اللغة العربية لغة القرآن والسنة ولغة أهل الجنة ولغة النبي الحبيب صلى الله عليه وسلّم، ومن أجل هذه الخصائص الشريفة والميزات الظاهرة تحتل مكانة سامقة من بين اللغات، وحقّ لها أن تكون محل عناية للعلماء والباحثين والمولِّفين.
إن هذه اللغة الشريفة قد اعتنى بها العرب والعجم والفارس والترك والغربي والشرقي درساً وكتابة وتعلماً، وقد ألّف العلماء القدامى من جميع الأقوام كتباً حافلةً بالأمجاد وزاخرة بعلوم الكتاب والسنة، وتكونت مكتبة ذات قامة وقيمة، ونرى في المكتبة الإسلامية كتباً رائعةً باللغة العربية المتقنة من كُتّاب أحدُهم أفريقي والآخر فارسي والثالث تركي والرابع هندي و....وهذا دليل واضح على أن هذه اللغة كانت محل عناية فائقة من جانب الدارسين والمحقِّقين والعلماء.
ولكن نرى في القرون الأخيرة أن العناية بهذه اللغة قد انحصرت في كثير من المدارس في قراءة القواعد والضوابط والصرف والنحو، ويبذل العلماء والطلاب قصارى جهدهم لحفظ القواعد وإتقان الضوابط التي وضعها علماء النحو والصرف، وبعد حفظها وتعلّمها لا يحصل لهم شيء كبير من اللغة العربية إلا تحسين الملكة لفهم العبارات المعقَّدة لبعض كتب الفقه والأصول والمنطق وما إلى ذلك، ولا يستطيع الطالب بعد قراءة عشرة كتب من الصرف والنحو أن يفهم من العربية شيئاً كثيراً. وهذا الأمر يقتضي رويّةً وتفكيراً جادّاً، ولكن نحدِّد المصير الذي تذهب إليه المدارس الإسلامية والدينية، فقلّما نرى في هذه المدارس من اشتهر بلغته الفصيحة في العالم العربي، أو كانت له كتابات أدبية على المستوى العالي الذي يقبلها أهل العربية.
ولا شك أن الأدباء والشعراء والبلغاء الذين نستشهد من كتاباتهم وأقوالهم وأشعارهم ما عرفوا الصرف والنحو، وما كانت لهم حاجة إلى القواعد والضوابط، بل المحاورة وتتبع العربية من أفواه الرجال وأهل البادية والممارسة الكثيرة في التكلم والتفكر جعلتهم أئمة في هذا المضمار، وكتبهم في أعلى المستوى من الأدب والبلاغة والفصاحة.

المنهج الحسن في تعلم العربي:
لا بد أن نعرف أولاً أن تعلّم الأدب العربي لا يمكن إلا بعد تعلّم اللسان العربي، مثلما نرى الطفل في بداية أمره يتكلم بكلام كثيرة الأخطاء وغير مفهومة في بعض الأحيان، ولكن الأبوان أولاً يتكلمان بلسان الطفل، وبعد مدة مديدة يساعدانه على التكلم الصحيح فيعرف لغة قومه بلا قاعدة وضابطة، وحينما ذهب إلى المدرسة فيتعلم القواعد والضوابط شيئاً فشيئاً.
وهكذا لا بد أن تراعى مرتبة كل واحد من اللغة العربية واللسان العربي وقواعد الصرف والنحو والأدب العربي.
فالمرحلة الأولى مرحلة تعلم اللسان العربي، وبالتالي مرحلة الصرف والنحو، وبعدهما تأتي مرحلة الأدب العربي وإتقانه.
يقول العلاّمة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله: "سعدت بأن أقرأ كتب الأدب والشعر من الشيخ تقي الدين الهلالي، ولكن رأيت مرافقته وصحبته في المجالس والسفر مفيدة جداً، وببركته وأقواله وضحت لي حقيقتان لأول مرة: الأولى: هي أن الأدب واللسان العربي يفترقان. اللسان هو الذي يكون أساساً للأدب، والأدب يكون بناء هذا الأساس وقصره، ويكون كالنقوش لهذا الجدار، والأدب هو وسيلة رفيعة وفنية وراقية لإظهار العواطف والفِكَر التي ينتجها رقى المدنية والخيال.
لا غرو أن تعليم اللسان واللغة مقدَّم على تعليم الأدب، ولا يمكن تعليم الأدب إلا بتعليم اللسان، ولنعرف أن أن تعليم الأدب قبله ضياع للوقت، ولكن في الهند يعلِّمون أعلى كتب الأدب العربي باسم اللسان العربي، وهذا المنهج على الأغلب لا طائل تحته، ولا يحصلون على نتيجة ملموسة.
كان العلامة الهلالي يقول: إن كتب الحريري والمتنبي والحماسة في أعلى المستوى من الأدب العربي، وهي تُدرَّس في البلاد العربية بعد تعليم اللسان العربي بمدة مديدة متتابعة وبعد طول المران، ويدرسها المنتهيون في الأدب، ولكن في الهند تعتبر هذه الكتب جميع رأس مال للأدب العربي.
ومن اللازم أن يتعلم اللسان العربي كلغة حيّة من لغات العالم قبل كتب الأدب هذه، وكان يقول مراراً: ينبغي أن يُقرأ اللسان العربي مباشرة بلا استمداد من اللغات الأخرى.
والحقيقة الثانية التي وضحت لي هي أن الصرف والنحو أصول وقواعد لتأسيس اللغة واللسان، وهي في المرتبة الثانية وبعد اللغة، وما لم توجد ذخيرة من اللغة فقواعد الصرف والنحو بلا جدوى، والمفردات والألفاظ والجمل كلبنات لهذا البناء، وعلم النحو هو أصول وقواعد لتعمير البناء وفن الهندسة له، فلو لم تكن اللبنات فالهندسة وعلم أصول التعمير تذهب سدىً ولا توجد فائدة ملموسة".
إن التركيز على قراءة الصرف والنحو لا سيما للناشئة بالنسبة إلى اللغة العربية الذين ليست لديهم معرفة ولو قليلة بالعربية منهج غير حسن في تعلّم اللغة العربية، فإن الناشيء الذي لا يعرف مفردات العربية أنّى يستطيع أن يعمل القواعد التي يقرأها في نحومير أو شرح مأة عامل، والأستاذ يجبره على حفظ القواعد، وهو يرى نفسه أمام علم صعب يجري في عالم الخيال، ويقتنع بأن حصول هذا العلم شاق عليه، فيتبلّد ويجهل العربية ولو حفظ القواعد.
يقول الشيخ موسى العراقي: ولعل أحداً يسأل ما لنا لا نقوى على التكلم بالعربية؟ لماذا لا يتكلم العلماء والطلاب بالعربية؟ فالجواب هو أننا دخلنا على العربية من غير أبوابها. دخلنا عليها بالنحو الصرف، والنحو والصرف لا يعلمان العربية، دخلنا من ضرب يضرب ضرباً فهو ضارب، فالصغير ليلاً ونهاراً يردِّد هذه الكلمات، وعندما يريد أن يتكلم ولا يجد نفسه قادراً على التكلم يشمئز ويتشاؤم من العربية حيث يرى نفسه قد بذل جهداً كافياً لتعلم هذه اللغة، ولكنه لم يصل بغيته في العربية، فيصل في صميم نفسه أن أن العربية صعبة المرتقى ولا يبلغها أحد.
ومما يلفت النظر أن الطالب للأسف الشديد يدرس أربع سنين النحو والصرف للعربية ولكن لا عربية؛ وذلك لأن الغاية من النحو هو صيانة الذهن من الخطأ اللفظي في كلام العرب، ولا تكون الصيانة إلا عند وجود الألفاظ العربية لما يتكلم، أما وهو يتكلم بغير العربية فأنى له الصيانة؟ فإن عدمت الصيانة انعدمت الغاية، ومن لا غاية فيه كالمعدوم، ولا زلنا نكرِّر أن النحو في الكلام كالملح في الطعام وهنا نأخذ الملح ونذر الطعام، ولا شك أن الملح لا يستساغ وحده فتركناه أيضاً وفقدنا الأمرين.
والأسهل في تعلم العربية هو حفظ المفردات والمحاورات العربية وإمعان النظر في كلام العرب كي ينطلق اللسان بالعربية، وبعدها يمكن له أن يعرف القواعد والضوابط في ضوء ما عرفها من اللغة العربية ومفرداتها وكلام العرب.
قال ابن خلدون في مقدمته: إن حصول ملكة اللسان العربي إنما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عباراتهم في كلامهم حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم.
وقال الدكتور إبراهيم مدكورـ الرئيس السابق لمجمع اللغة العربية بالقاهرة ـ : ملكة اللغة تكتسب بالضابط والقاعدة، هذا يعني أن المعوَّل عليه في المقام الأول هو الحفظ والسماع، وبعد ذلك يأتي دور كتاب القواعد، ولهذا السبب كان الأوائل يرسلون أبنائهم صغاراً إلى البادية ليسمعوا اللغة الصافية ويحفظوها فتنشأ لديهم السليقة.
والطالب إذا تربّى على التكلم والمحاورة وحفظ اللغات والمفردات العربية والتعابير البليغة والعبارات الرائقة الموجودة في ثنايا كتب الأدباء المتقدمين والمعاصرين فيلتذ بها وينشأ له ذوق وسليقة، ويجد نفسه تميل إلى استعمال هذه اللغات الجديدة والضرورية في حياته والتعبيرات الرائقة، فيتقدم شيئاً فشيئاً، يجدها سهلاً ميسوراً بالنسبة إليه، وبعده لا بد أن يعرف القواعد والضوابط التي تصحِّح أخطائه، وتقيم عوجه، فيتعرف على القواعد في عالم الواقع لا في عالم الخيال، وفي أمثلة متكررة في كثير من الكتب.
وهكذا لا بد أن نهتم باللغة العربية والأدب العربي كلغة لها مآثرها وميزاتها في تاريخ الإسلام بحيث نجد كنوزاً وذخائر موفورة وذات قيمة كبيرة للمسلمين في هذه اللغة، ولا بد أن نعرف أن الإنسان إذا عاش مع هذه اللغة فسيكون مؤهَّلاً لكي يعرف الكثير من العلوم الإسلامية، وهذا يمكن بنظرة واعية ورويّة جديدة إلى كيفية تعلم هذه اللغة في المدارس والمعاهد الدينية. يقول العلامة محمد إعزاز علي الديوبندي رحمه الله:
"والعلوم الأدبية العربية قد رثاها الراثون وبكاها الباكون، ولم يبق في أيدي مسلمي الهند إلا اسمها كما لم يبق من بلاد عاد وثمود إلا رسمها، وإن شئت ترى أكثرهم ضيّعوا أعز أعمارهم في تحصيل الكتب الدرسية من المعقولات والمنقولات، وتمكنوا على مسند التدريس وأنى لهم النفع من ذلك، فإنهم يصرفون أفضل أوقاتهم في تحصيل علمي الصرف والنحو مثلاً، ويتحملون في تحصيلهما من المشاق ما لا يتحمل، ويحفظون أكثر الكتب من الصرف والنحو كأنهم حفظة القرآن، ولم يحصل لهم شيء من غايتهما، فإن غايتهما أن يسلك الطالب بهما طرق اشتقاق الكلمات وتراكيب الجملات، ويصون نفسه عن الخطأ في التكلم، ويقدر على التعبير عما في جنانه، ولما لم يحصل لهم غاية العلم، لم يحصل العلم حقيقة؛ فإن حصول كل شيء بغايته....ومنهم من خدعتهم أنفسهم فظنوا أنهم قادرون على استخراج ما في بطون الدفاتر من العلوم....فثبت أن العلوم الدينية كلها موقوفة على حصول الأدب، ومن ليس له نصيب من الأدب لا يكون له نصيب منها ".
فالأدب العربي باب عظيم ينقشع به السحب القاتمة من الجهل والضلالة إذا استعمل استعمالاً صحيحاً، وإذا كان هذا السلاح في يد العالم الناصح فستكون له ولكتاباته القيِّمة جولة وصولة في رد شبه أعداء الإسلام ورد الدعايات الباطلة ضد الإسلام من الكُتّاب المارقين والماجنين والمنحرفين، ويكون الأدب عوناً للأديب المسلم في ساحة الدعوة الإسلامية، ويستطيع به أن يبلِّغ الإسلام إلى كافة الناس عبر الكتب والمؤلفات والوسائل الإعلامية، وهذه مهمة عظيمة لا بد أن يعتني به كل من يهمه شأن الإسلام والمسلمين في جميع العصور لا سيما في العصر الراهن المليء بالفتن والأحداث.
وصلّى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
________________
بقلم/ الشيخ عبد اللطيف الناروئي، أستاذ بجامعة دار العلوم زاهدان
المصدر: مجلة الصحوة الإسلامية (مجلة شهرية باللغة العربية تصدرها جامعة دار العلوم بمدينة زاهدان – إيران)
التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016