مسلمو كامبوديا 'المهاجرون'
إن الحمد لله ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد ..
تبلغ مساحة كامبوديا 182 ألف كيلو متر مربع وعدد سكانها صغير لا يتجاوز العشرة ملايين ولكن مع ذلك فإن تعداد المسلمين بها يصل إلى 15% من إجمالي السكان , فكيف وصل الإسلام إلى تلك البقعة النائية من المعمورة وما هي أحوالها وما هي التحديات التي تواجههم هناك وسط مجتمع بوذي وثني .
وصول الإسلام :
وصل الإسلام إلى سواحل البلاد ولكن بأعداد قليلة لأن السواحل متقعرة حيث خليج تايلاند الذي تشرف عليه البلاد فهي بلاد داخلية ليس لها موانئ تأتيها السفن , ثم أخذ الإسلام في التوسع داخلياً خلال القرن الثامن والتاسع الهجري ولكن بنسبة ضعيفة واستمر على ما هو عليه حتى سنة 1238هـ عندما سقطت إمارة تشامبا الإسلامية بيد الفيتناميين فهاجرت جماعات كثيرة من المسلمين إلى كامبوديا مما رفع نسبة المسلمين بصورة كبيرة حيث بلغ تعداد من نزح من تشامبا إلى كامبوديا قرابة المليون مسلم , وعمد هؤلاء المهاجرون على التواطن في قرى خاصة بهم جعلوا شعارها الإسلام وأوجدت هذه القرى فيما بينهم نوعاً من الارتباط العقدي لوحدة الدين واللغة والمصير وأوجدوا نوعاً من التمدن والحضارة بالبلاد نتيجة لكونهم أكثر تنظيماً من البوذيين .
أوضاع المسلمين المهاجرين :
منذ اللحظات الأولى لدخول الإسلام لمنطقة الهند الصينية 'فيتنام – كامبوديا – لاووس' أدرك المسلمون التمايز الذي يحمله الإسلام في الجوهر والمظهر والحياة والسلوك مما جعل المسلمون دائماً يقيمون في تجمعات سكنية خاصة بهام لا يخالطهم فيها أحد من البوذيين وهذه التجمعات السكنية أو قرى 'فهوم التشام' وتحتفظ هذه القرى بأصالتها على مدى السنين والتمايز الإسلامي وكان يشرف على كل قرية حاكم عالم بأحكام الدين 'وهي منحصرة عندهم في العبادات والمواريث والأحوال الشخصية' وهذا الحاكم يشرف على أوضاع المسلمين وشئونهم الدينية ويعين أئمة الصلاة والخطبة ,و يجمع تنظيم هذه القرى كلها قيادة اللجنة لشئون المسلمين .
يعاني المسلمون هناك من الجهل الشديد والتخلف الثقافي في نظراً لإحجامهم عن الالتحاق بالمدارس الحكومية التي تتعمد طمس هوية المسلمين وسلخهم عن دينهم فهم مثل باقي إخوانهم بمنطقة جنوب وشرق آسيا يؤثرون الجهل الذي يبقى على دينهم على العلم الذي لا يبقي ولا يذر , وهذا الجهل أثر بدوره على الوضع الاقتصادي للمسلمين والذي تدهور بشدة وعمد المسلمون إلى امتهان صيد الأسماك وزراعة الأرز بصورة بدائية وبعض الحرف اليدوية البسيطة وقليل منهم من يعمل بالتجارة .
المسلمون والشيوعيون :
العداوة المزمنة بين الإسلام والشيوعية جعلت كلا الطرفين يدرك قيمة الآخر الحقيقية ويعرف كيف يواجهه لذلك عندما قامت الثورة الشيوعية بفيتنام بإحكام قبضتها على البلاد خاصة في الأجزاء الشمالية قرر الشيوعيون الهجوم على كامبوديا واحتلالها وفرض الشيوعية على منطقة الهند الصينية , ونظراً لأن معظم مسلمي كامبوديا أصلاً من فيتنام وعرفوا الشيوعية من قبل وذاقوا ويلاتها فلقد شارك المسلمون وبقوة في الدفاع عن كامبوديا ضد فيتنام سنة 1395هـ عقب هزيمة أمريكا المخرية بفيتنام وشكل المسلمون فرقة قتالية تسمى فرقة 'بي أي' تميزت في القتال ضد الشيوعيين ولكن الشيوعيين في النهاية وبحبل من الصين وروسيا انتصرت ودخلت كامبوديا وفرضت الشيوعية هناك وكان ذلك بداية عهد جديد مروع من حياة المسلمين هناك لم تنته فصوله حتى الآن .
فصول مأساة المسلمين :
عند احتلال الشيوعيين بكامبوديا أعلن المسلمون في شتى البقاع بالبلاد الجهاد المقدس دفاعاً عن دينهم وأعراضهم ولكن أنا لهم بمواجهة القوات النظامية المسلحة جيداً والمدعومة خارجياً وشعر الشيوعيون بأنهم لن يستطيعوا أن يثنوا المسلمين عن دينهم فلجؤا إلى أبشع الجنايات بحق المسلمين واتبعوا أسلوب الإبادة التامة لكثير من قرى المسلمين وأحرقوا الكتب الدينية وحظروا جميع أنواع العبادات وحولوا المساجد لمخازن الحبوب ومستودعات للآلات الزراعية وحظائر للخنازير وتكليف أئمة المساجد برعايتها وقتلهم إذا مات خنزير منها وعملوا على إلقاء القبض على حكام القرى المسلمة والمعلمين وأئمة المساجد وقدموهم للمنظمة العليا للشيوعية لمحاكمتهم وقتلوهم جميعاً هذا غير المذابح المروعة التي قاموا بها بحق بعض القرى المسلمة التي قررت المقاومة مثل قرية كامبونج تريس حيث ذبح الشيوعيون أكثر من ثلاثة آلاف مسلم من بينهم النساء والأطفال والشيوخ , وفي قرية كامبودنج تشام أعدموا ثلاثة آلاف وخمسمائة مسلم سنة 1394هـ .
وكان الشيوعيون الملاحدة يجبرون الفتيات المسلمات على خدمة الجيش الشيوعي في الغابات حتى إذا أصبحن حبالى ردوهن إلىأهليهن ليجللوهم بالعار , وأخذ الملاحدة أولاد المسلمين الصغار إلى معاهد ليلقنوهم الفكر الشيوعي وساقوا القادرين من الشباب والرجال والنساء إلى الأعمال الإجبارية ليؤدوا خمس عشر ساعة عمل مقبل تقديم وجبة صغيرة من الرز والملح مما أدى لسقوط عدد كبير من القتلى وإصابة الكثير بالعجر البدني الكامل وعندها يقوم الملاحدة بقتل من لم تعد له منفعة , قام الملاحدة بهدم المدارس الدينية والكتاتيب ونبشوا قبور المسلمين ومحيت معالمها في منتهى الحقد والحسد للإسلام والمسلمين .
خطة الإخراج والتفريق :
وهذا الفصل يمثل قمة المأساة المروعة التي تعرض لها المسلمون على يد الملاحدة الشيوعيين حيث قرروا تنفيذ خطة الإخراج والتفريق والتبديل والتي تقوم على ما يلي :
أصدر الشيوعيون قراراً في 6 ربيع ثاني 1395 هـ للمسلمين بالخروج من ديارهم بحجة أن الطائرات الأمريكية ستغير عليهم ولابد من الخروج بوجه السرعة ولا يسمح لهم بأخذ أية حاجة وستطلق النار على من يحاول حمل شيء معه فخرج الجميع حتى المرضى من المستشفيات باتجاه الغابات مما أدى لموت الكثير منهم لعدم كفاية الطعام والأدوية , وفي الغابات كانت قمة المأساة حيث فرق الشيوعيون الناس دون مراعاة وحدة الأسر فسار الرجل إلى مكان وزوجته وأولاده إلى مكان وبناته إلى مكان وكلفت كل جماعة بأعمال شاقة دون النظر إلى الجانب الصحي والإمكانات , وبدأ شعب كامبوديا يعيش حياة غريبة فلا بيع بينهم ولا صحف ولا مجلات للأخبار , ولا يعرف الرجل مكان أهل وعياله وليس من عبادة بأي شكل من الأشكال ولا أي أمر من الأخلاق أو حلال أو حرام ولا زواج والمجموعات المكلفة بالأعمال تشتغل بصورة جماعية وتسكن بشكل جماعي ومن رفض أمراً أعدم مباشرة أمام الآخرين ليكون لهم عبرة , وحاول الكثيرون الفرار من تلك الحياة الجهنمية فمنهم من نجا ومنهم من هلك قبل مراده وفي ظل كل هذه الاضطهادات والتنكيل والمذابح اليومية نشأت جماعة جهادية هناك .
جبهة فول رو :
وهو اسم يطلق على الجبهة المتحدة لتحرير الشعوب المضطهدة والتي نشأت نتيجة تسلط الفيتناميين على أراضي إمارة تشامبا المسلمة فالمسلمون لا تنطفئ عندهم حمية الدفاع عن الدين والغيرة أبداً وإن سامهم الأعداء سوء العذاب , فحدثت اتصالات بين التجمعات الإسلامية في منطقة الهند الصينية وفيتنام وكمبوديا ولاووس وكونوا الجبهة المذكورة للدفاع عن المسلمين وإستعادة حرياتهم وذلك ابتداءاً من سنة 1380هـ ولكن هذه الجبهة وقعت في عدة أخطاء منهم السماح لغير المسلمين بالإنضمام إليها بدعوى الدفاع عن المضطهدين وأيضاً تعدد القيادات مما أدى للاختلاف والتنازع ورغم ذلك أقلقت هذه الجبهة مضاجع الشيوعيين فترات طويلة حتى استطاعوا في النهاية القضاء على تلك الجبهة , ولكنها كانت محاولة لا بأس بها ضد العدو الشيوعي الملحد .
وأخيراً :
فإن أوضاع المسلمين بكامبوديا وفيتنام في غاية المأساوية والضياع الكامل الذي حدث لأمة مسلمة كاملة هناك لا مسئول عنه يوم القيامة إلا المسلمون الذين تخاذلوا عن نصرة إخوانهم ورضوا بالشهوات والملذات ولربما يأتي اليوم الذي ينزلنا الله عز وجل منزلة هؤلاء المساكين وعندها نتذكر مقولة لقد أكلت يوم أكل الثور الأبيض .
التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016