الإمام محمد قاسم النانوتوي وأسانيده السماعية في الحديث

الإمام محمد قاسم النانوتوي وأسانيده السماعية في الحديث

     الحمد للهِ وكفَى، وَالصَّلاة والسَّلام على عباده الَّذين اصطفَى، لا سِيَّمَا النَّبيِّ المصطفَى، وعلى آله وصحبه الذين بهم زهق الباطل واختفَى، ومن تبعهم بإحسان وآثارَهم اقتفَى.

     أما بعد: فلطالما كنت أكثر من مطالعة تراجم علماء ديوبند وأعتني بأسانيدهم.. ولم يكن يدور في خَلَدي أن أكتب مقالة حول أسانيدهم.. لكني لقلة ما لدي من الكتب والمراجع الأساسية كنت أتعب في التنقيب عن خبايا زوايا تراجمهم وأسانيدهم.. ولا زالت كتب مشايخ ديوبند تظهر في عالم المطبوعات حول سيرة الإمام الهمام.. حجة الإسلام، العلامة الألمعي.. مولانا محمد قاسم بن أسد علي، النانوتوي ثم الديوبندي.. وكتبت حولها رسائل ومقالات.. وألِّفت صفحاتٌ.. ما بين كتيِّبٍ صغيرٍ إلى كتبٍ ذات مجلداتٍ..

     بيد أنهم أغفلوا تفاصيل أسانيده السَّماعيَّة وشيوخه الحديثية، فتراهم يقتصرون عند ذكر مشايخه في الحديث على الشَّاه عبد الغني المجدِّدي والشيخ أحمد علي السهارنفوري، ومنهم من اقتصر على الأول دون الثاني، فلا يغني ذلك من تفصيل للسماعات.

     وقد يخطر على بال أحدنا.. لماذا أغفلوا أسانيده السماعية؟ فالجواب من وجوه:

الأول: أنه درس أكثر الكتب الحديثية لدى أستاذ واحد، فالتفصيل في ذلك إطناب بلا ضرورة.

الثاني:  استفاضة دراسته الكتب الحديثية بين الناس تغني عن ذكره.

الثالث: التنصيص على أمر بديهي[1] يحط من شأن الكاتب.

الرابع: تقديم سند الإجازة على سند القراءة والسماع للاحتياط في ذلك[2].

الخامس: وهو أهمه؛ ما قاله الشيخ أشرف عليه التهانوي[3]:

     اعلم أن هذه الأسانيد المتصلة من أساتذتنا إلى جامعي هذه الكتب ليس بشرط لإثبات أحاديثه؛ فإن نسبتها إلى أصحابه ثابت بالاستفاضة والتواتر، وأسانيدهم إلى رواة هذه الأحاديث الشريفة مذكورة في تصانيفهم، وذلك كافٍ في ثبوت تلك الأحاديث.انتهى كلامه، فذاك الذي حملهم على ألا يتعمقوا في تفصيل أسانيدهم.

     وأنا أعتقد أن الأسانيد من خصائص أمة محمد ﷺ وأستدل لذلك أولًا: بما قال الإمام محمد بن أحمد الأصفهاني: «بلغني أن الله، خص هذه الأمة بثلاثة أشياء، لم يعطها من قبلها الإسناد والأنساب والإعراب»[4]. وثانيا: بما قال الإمام محمد بن حاتم بن المظفر: «إن الله أكرم هذه الأمة وشرَّفها وفضَّلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها، قديمهم وحديثهم إسناد.انتهى.

     ألا، وإن عدم خوض أقران الإمام النانوتوي في أسانيده حمل بعض الناس على الطعن في سماعاته، وإنكار أمر بديهي لدى أهله، وإنه لهو الجذر الأساسي للفكرة الديوبندية التي هي نموذج صالح للاعتدال والطريق الوسط بين الإفراط والتفريط، والحق الذي كان ينبغي أن يعتني أهله بأسانيده عناية تامة فقد كان له سماع للكتب الستة وموطأ مالك بروايتي يحيى بن يحيى الليثي ومحمد بن الحسن الشيباني، وشمائل الترمذي، وذاك الذي حملني على الكتابة في هذا الموضوع.

     وها أنا شمرت عن ساعدي الجد في ذلك،  لعل الله ينفع به قارئًا فيدعوَ لي ويكون لي ذخرًا في ميزان حسناتي يوم القيامة، وإن العلم الذي ينتفع به مما لا ينقطع أجره بعد موت صاحبه.

      وكنت أقرأ "ثبت الكويت" الذي جمعه محمد زياد تكلة، فلفتت نظري عبارة في حاشيتها، وهي قوله: "وللتنبيه: فقد رأيتهم يروون البخاري من طريق محمود حسن [الديوبندي] عن شيخيه: محمد قاسم النانوتوي ورشيد الكنكوهي، كلاهما عن الشاه عبد الغني الدهلوي، عن الشاه محمد إسحاق. وعلى نزوله فـ[ثبوت] في جلاء اتصاله سماعًا محل بحث عندي، لأن أخذ محمود حسن عن النانوتوي: مجمل بالقراءة والسماع والإجازة، ولم أقف- في ضوء مراجعي- على تفصيل في المسموعات بينهما.

     وأما رواية محمود حسن عن الكنكوهي فهي بالإجازة كما في الازدياد السني، وقرأ الكنكوهي ثلث البخاري فقط على عبد الغني، وجميع أبي داود، وباقي الكتب يرويها بالإجازة؛ كما في إجازته من عبد الغني المذكورة في مقدمة لامع الدراري(1/ 218). وقرأ النانوتوي شيئًا من الصحاح على الشاه محمد إسحاق (كما هي عبارة المصدر السابق)، وظاهرها قراءة الأطراف، وذكر هناك أن النانوتوي أيضًا قرأ الستة على مملوك العلي النانوتوي، وهو على رشيد الدين الكشميري، وهو على عبد العزيز الدهلوي، وظاهر العبارة السماع في كل الطبقات".اهـ.

     وفيه نظر؛ كما سيأتي، وقوله: "وقرأ النانوتوي..." ليس هو الشيخ محمد قاسم النانوتوي بل هو الشيخ محمد مظهر النانوتوي شيخ العلامة خليل أحمد الأنصاري رحمه الله، وقد التبس عليه بكونه نانوتويًّا. ولم يقرأ الشيخ محمد قاسم النانوتوي شيئًا على الشاه محمد إسحاق الدهلوي، نعم، قد صرحوا بأن الشيخ محمد قاسم النانوتوي قرأ على الشيخ مملوك العلي جميع الكتب المتداولة غير الحديث.

     فأرجو أن يوفقني الله للقيام بجلاء اتصال سماعات مشايخ ديوبند.. ولا سيَّما العلامة الفهامة الدرَّاكة حجَّة الإسلام العلَّامة الهمام، مولانا محمد قاسم النانوتوي - رحمه الله- وليس مقصودي استيعاب ترجمته من جميع النَّواحي؛ فقد خُدم هذا الميدان؛ بل المقصود من مقالتي هذه استيعاب أسانيده السَّماعية من شيوخه الحديثية، ولكن قد يكون بعض الأمور بدهيًّا لبعض ونظريًّا لآخرين، فأذكر ترجمته مختصرة من نزهة الخواطر[5]، ثم أثني بذكر شيوخه وما درسه على كل واحد منهم، وبالله التوفيق.

الإمام محمد قاسم النانوتوي

     هو الشيخ الإمام العالم الكبير محمد قاسم بن أسد علي بن غلام شاه بن محمد بخش الصديقي النانوتوي، أحد العلماء الربانيين، ولد بنانوته سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف [1248هـ]، ودخل سهارنبور في صغر سنه، وقرأ المختصرات على الشيخ محمد نواز السهارنبوري.

     ثم سافر إلى دهلي، واشتغل على الشيخ مملوك العلي النانوتوي، وقرأ عليه سائر الكتب الدرسية، ثم أخذ الحديث عن الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد الدهلوي، ولازمه مدة، وأخذ الطريقة عن الشيخ إمداد الله العمري التهانوي وصحبه واستفاض منه فيوضًا كثيرة.

      واشتغل في المطبعة الأحمدية بدهلي للشيخ أحمد علي بن لطف الله السهارنبوري، وكان الشيخ في ذلك الزمان مجتهداً في تصحيح صحيح البخاري وتحشيته، ففوَّض إليه خمسة أجزاء من آخر ذلك الكتاب، وكانت تلك الأجزاء عسيرة سيما في مقامات أورد فيها البخاري على أبي حنيفة، فبذل جهده في تصحيح الكتاب وتحشيته، وبالغ في تأييد المذهب حتى استوفى حقه.

     وكان أزهد الناس وأعبدهم، وأكثرهم ذكراً ومراقبة، وأبعدهم عن زيِّ العلماء ولبس المتفقهة؛ من العمامة والطيلسان وغيرهما، وكان في ذلك الزمان لا يفتي ولا يذكر بل يشتغل في ذكر الله سبحانه ومراقبته، حتى فتحت عليه أبواب الحقائق والمعارف، فاستخلفه الشيخ إمداد الله المذكور ومدحه بأن مثل القاسم لا يوجد إلا في العصر السالف، ثم تزوج بأمره الشريف وصعد المنبر بتكليف الشيخ مظفر [حسين] بن محمود الكاندهلوي فذكَّر أحسن تذكير.

     ولما ثارت الفتنة العظيمة بالهند سنة ثلاث وسبعين [1273هـ /1857م] اتهموه بالبغي والخروج على الحكومة الإنكليزية، فاختفى عن الناس برهة من الزمان ثم ظهر فأنجاه الله سبحانه، وبرَّأه مما قالوا، فسافر إلى الحجاز، ومعه [الشيخ محمد] يعقوب بن مملوك العلي النانوتوي، وجمع من رهطه سنة سبع وسبعين، فحج وزار وحفظ القرآن في ذلك السفر.

     وعاد إلى الهند، وأقام ببلدة "ميرته" برهة من الدهر، وكان يسترزق بتصحيح الكتب في المطبعة المجتبائية لممتاز علي خان، وكان ببلدة "ميرته"، إذ أسس الشيخ الحاج عابد حسين الديوبندي[6] المدرسة الإسلاميَّة بديوبند، فاستحسنها وصار من أعضاء المدرسة وأيَّدها حقَّ التَّأييد، ثم سافر إلى الحرمين الشريفين سنة خمس وثمانين [1258هـ] فحج وزار ورجع إلى الهند وسكن بميرته.

     وله مشاهد عظيمة في المباحثة بالنصارى والآرية، أشهرها المباحث التي وقعت ببلدة شاهجهانبور سنة ثلاث وتسعين وأربع وتسعين فناظر أحبارَ النصارى وعلماء [أي رهبان] الهنادك غير مرة، فغلبهم وأقام الحجة وظهر فضله في المناظرة، فصلها الشيخ فخر الحسن الكنكوهي في كتابه "انتصار الإسلام" وفي "گفتگوئے مذهبی" وفي "مباحثة شاهجهانبور" وغيرها من الرسائل.

     ومن مصنفاته: رسالة عجيبة في الهندية [أي الأردية] سماها "قبله نما" وله "تقرير دلپذير" و"آب حيات" و"حجة الإسلام" و"الدليل المحكم" و"هدية الشيعة" و"تحذير الناس" و"الحق الصريح في بيان التراويح" و"تصفية العقائد" و"اللطائف القاسمية" و"التحفة اللحمية" و"قاسم العلوم".

     مات يوم الخميس لأربع خلون من جمادى الأولى سنة سبع وتسعين ومائتين وألف بديوبند، كما في رسالة الشيخ [محمد] يعقوب بن مملوك العلي النانوتوي. انتهى كلامه.

     وبما أنه ليس المقصود من مقالتي ذكر الإفاضة في ترجمته بل في شيوخه الحديثية وأسانيدهم السماعية، فأقول وبالله التوفيق.

شيوخه في الحديث الشريف

1- الشاه عبد الغني المجددي.

     هو الشاه عبد الغني بن أبي سعيد بن صفي القدر الفاروقي المجددي الدهلوي من ذرية المجدد الألف الثاني الشيخ أحمد السرهندي. قال الشيخ عبد الحي الحسني: ولد في شهر شعبان سنة خمس وثلاثين ومائتين وألف بمدينة دهلي، وحفظ القرآن، وقرأ النحو والعربية على مولانا حبيب الله الدهلوي ثم أقبل على الفقه والحديث إقبالاً كلياً.

     وسمع الحديث عن الشيخ إسحاق بن أفضل الدهلوي سبط الشيخ عبد العزيز وقرأ على والده كتاب الموطأ لمحمد بن الحسن الشيباني وقرأ مشكاة المصابيح على مخصوص الله بن رفيع الدين الدهلوي، وأخذ الطريقة عن أبيه، وسافر معه إلى الحرمين الشريفين سنة تسع وأربعين، فحج وزار، وأسند الحديث عن الشيخ محمد عابد السندي وأبي زاهد إسماعيل بن إدريس الرومي، ثم رجع إلى الهند، واشتغل بالحديث، وأخذ عنه خلق كثير من العلماء[7].اهـ.

     وقال الشيخ عاشق إلهي الميرتهي: قرأ الشاه عبد الغني موطأ مالك ومسلمًا وأبا داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بالاستيعاب على والده[8]، بل والبخاري أيضًا على والده أيضًا.اهـ.

     قوله: "وسمع الحديث عن الشيخ إسحاق..."، قال في إجازته للشيخ محمد قاسم النانوتوي: وسمعت على الناسك المهاجر الشيخ محمد إسحاق رحمه الله تعالى البخاري والترمذي وغيرهما.

     وقوله: وغيرهما: الظاهر أن المراد به الكتب الستة كاملًا، لأنه أملى على الشيخ محمد قاسم النانوتوي وغيره عند دراستهم عليه أسانيد الكتب الستة عن طريق الشاه إسحاق[9]، فهو إذن قرأ كتب الحديث كلها أولًا على والده الشيخ أبي سعيد المجددي الدهلوي؛ ثم أعاد قراءة الكتب الستة على الشاه إسحاق وسببه أن والده من تلاميذ الشاه إسحاق كذلك، وقد قرأ عليه الكتب الستة بأكملها كما يدل عليه سند الشيخ المفتي محمد شفيع لابن باز رحمهما الله. [10]

     هذا، ويبرهن على إعادة قراءته على الشاه إسحاق قول الشيخ عبد الحي الحسني آنفا: وسمع الحديث على الشيخ إسحاق.

     وقوله: "وأسند الحديث عن الشيخ محمد عابد السندي"، أي بسماع صحيح البخاري إلى كتاب الغسل وقراءة باقيه كاملًا وإجازة بقية الكتب كما ذكر في إجازته للشيخ محمد قاسم النانوتوي ولفظه: "وكذلك حصل لي الإجازة من محدث دار الهجرة الشيخ عابد السندي فإني قرأت عليه البخاري، وسمعت منه إلى كتاب الغسل، وأجازني ببقية الكتب".اهـ.

     وقد استوعب أسانيده الشيخ عبد الحي الكتاني إجمالًا، فأذكره بطوله لفائدته، قال الكتاني: الشيخ عبد الغني الدهلوي: هو بهجة المحدثين وزينة المسندين، العالم العامل العارف الشيخ عبد الغني، ابن العارف الكبير الشيخ أبي سعيد، نجل العارف الكبير الشيخ صفي القدر، شبل العارف الكبير الشيخ عزيز القدر، فرع العارف الكبير الشيخ محمد عيسى، نتيجة العارف الكبير الإمام محمد معصوم، نجل الإمام المجدد الشهاب أحمد بن عبد الأحد العمري السهرندي الدهلوي المدني المهاجر الحنفي الأثري المذهب النقشبندي الطريقة. حلاه شيخنا أبو الحسن ابن ظاهر بـ" حامل لواء أهل الرواية والأثر، في بلدة سيد البشر"، اهـ.

     ولد بدهلي في شعبان سنة 1235، هاجر إلى المدينة سنة 1272، وبها مات عام 1296، بعد أن صار المحدث بين لابتيها حتى قال عنه تلميذه الترهتي في " اليانع الجني في أسانيد الشيخ عبد الغني ": " هو اليومُ عُذَيْقها المرجَّب والمحدث بين لابتيها، لا تكاد تسمع أذناك عند غيره فيها حدثنا الزهري عن سالم عن أبيه إلاّ قليلاً "، اهـ... إلى أن قال:

     أجاز للمترجم والده بكل ما وصله عن أشياخه وحافظ الحجاز محمد عابد السندي بعد أن سمع عليه مسلسلات ثبته، وذلك سنة 1250هـ. والمترجم إذ ذاك ابن خمس عشرة سنة، وأبو زاهد إسماعيل بن إدريس الاسلامبولي ثم المدني، أخذ عنه أيضاً في التاريخ المذكور، وهما عمدته في الراوية وكتبا له إجازة حافلة، وعندي صورة إجازتهما له، والعجب من عدم إدراجها في "اليانع الجني في أسانيد الشيخ عبد الغني".

ويروي سماعاً وإجازة أيضاً عن محدث الهند الشيخ محمد إسحاق الدهلوي والشيخ مخصوص الله بن رفيع الدين الدهلوي العمري.

     ويروي عن والده الشيخ أبي سعيد عن خاله العالم العارف سراج أحمد عن أبيه محمد مرشد عن أبيه محمد أرشد عن أبيه المولوي محمد فرخشاه عن أبيه خازن الرحمة محمد سعيد محشي " مشكاة المصابيح " عن أبيه مجدد الألف الثاني أحمد بن عبد الأحد السهرندي عن مولانا يعقوب الكشميري عن الشهاب ابن حجر الهيتمي.

     ويروي أيضاً عن والده عن القطب عبد الله غلام علي الدهلوي عن شيخه مظهر جانانان عن محمد أفضل السيالكوتي عن سالم بن عبد الله البصري وعبد الأحد ابن خازن الرحمة محمد سعيد الأخير عن أبيه عن جده المجدد [الألف الثاني]، والعجب إهمال صاحب " اليانع الجني" لمثل هذه الأسانيد المسلسلة بالأقارب مع نفاستها وأهميتها، وقد ظفرت بها في إجازة الشيخ عبد الغني لِسَمِيّي محمد عبد الحي اللكنوي.

     ويروي الشيخ عبد الغني أيضاً عن السيد عبد الله الميرغني مفتي الحنفية بمكة، كما ذكر ذلك الشيخ خضر الرضوي في إجازته لي عنه وهو يروي عن عبد الملك بن عبد المنعم القلعي بسنده.

     وأشهر أسانيد الشيخ عبد الغني عن أبيه ومحدث الديار الهندية الشيخ محمد إسحاق، كلاهما عن جد الأخير لأمه الشيخ عبد العزيز الدهلوي عن أبيه ولي الله عن أبي طاهر الكوراني عن أبيه المنلا إبراهيم عالم المدينة ومسندها عن النجم الغزي عن أبيه البدر عن أصحاب الحافظ ابن حجر.

     لا أتقن ولا أوثق في سلاسل المتأخرين من هذه السلسلة، لأنها مع علوها مسلسلة بأئمة الأعصار والأمصار، وأقطاب السنّة ورجال العلم والعمل، ولذلك إذا أردتُ  [الاتصال به، و]رويتُ عن الوالد عن الشيخ عبد الغني بها كأني أقول بالنسبة لزماننا والقرون الأخيرة حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر فأجد لهذا السياق من الحلاوة والقبول [ما لم أجد لغيره].انتهى[11].

     قلت: وما بين المعقوفتين مني، زدته لإيضاح المبهمات، وهو أجل مشايخ علماء ديوبند كالشيخ محمد قاسم النانوتوي والشيخ رشيد أحمد الجنجوهي والشيخ محمد يعقوب النانوتوي والشيخ ملا محمود الديوبندي والسيد أحمد الدهلوي, وغيرهم.

دراسة الشيخ محمد قاسم النانوتوي الحديث عليه:

     درس عليه حجة الإسلام تفسير الجلالي، والموطأين لمالك ولمحمد، والكتب الستة غير أبي داود، وقد ذكر بعضهم الكتب الستة بكمالها لكن الصواب أنه لم يقرأ عليه سنن أبي داود.

     قال الشيخ محمد يعقوب النانوتوي[12]: "وهكذا كان الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي، وقد كان صديقه [أي صديق الشيخ محمد قاسم النانوتوي] وصاحبه وزميله في الدراسة منذ ذاك، حتى درسا كتب الحديث على الشاه عبد الغني - رحمه الله - معًا"... ثم قال بعد أسطر: وقد أكمل [أي الشيخ محمد قاسم النانوتوي] كتب الحديث دراسةً على الشاه عبد الغني المجددي الدهلوي.انتهى.

     قلت: وكتب الحديث التي كانت تدرس هي الكتب الستة والموطآن وغيرها، وهذه العبارة أوثق وثيقة على أنه درس هذه الكتب كلها على الشاه عبد الغني المجددي، لأن الشيخ محمد يعقوبًا النانوتوي كان صاحبه في الدراسة.

     وقال الشيخ محمد عاشق إلهي الميرتهي في تذكرة الرشيد(1/28) عند ذكر الشيخ مملوك العلي النانوتوي: "الأستاذ البارع الذكي يبحث عن التلميذ الذكي، والتلميذ الذكي يبحث عن الأستاذ البارع الذي يشفي غليله، فاجتمعت أسباب الراحة القلبية من كلا الجانبين، وتزامل الشيخان الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي والشيخ محمد قاسم النانوتوي في الدراسة لديه بعد قليل ولم يفترقا حتى في الآخرة"... ثم قال بعد قليل: "أما الحديث فدرسا على قدوة العلماء وزبدة الأصفياء حضرة مولانا المولوي الشاه عبد الغني المجددي الدهلوي.

     وقال أيضًا(1/30): "والمشهور أن أحب تلامذة الشاه عبد الغني المجددي إليه هو الشيخ محمد قاسم النانوتوي والشيخ رشيد أحمد الجنجوهي".

     وقال أيضًا(1/35): الخلاصة أنه [أي الشيخ رشيد الجنجوهي] قرأ أكثر كتب المعقول والمنقول سوى الصحاح الست على الشيخ مملوك العلي النانوتوي، وأما الصحاح الست كلها تقريبًا حرفًا حرفًا درس على الشاه عبد الغني المجددي رحمه الله.انتهى.

     وقال الشيخ مناظر حسن الكيلاني في سوانح قاسمي(1/253) ما ترجمته: "أما علم الحديث فهو وإن قال المصنف الإمام [أي الشيخ محمد يعقوب النانوتوي]: "درسا كتب الحديث في خدمة الشاه عبد الغني المرحوم" إلا أن الظاهر الذي يفهم منه أنهما قرآ كتب الحديث كلها على الشاه عبد الغني المجددي الدهلوي، وخصوصًا ما كتب الشيخ محمد عاشق إلهي المرحوم عن الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي أنه درس الصحاح الست كلها تقريبًا حرفًا حرفًا على الشاه عبد الغني المجددي رحمه الله.

     فلو قبلنا دراسة سيدنا الإمام الكبير [أي العلامة محمد قاسم النانوتوي] كذلك الكتب الستة عليه لدوام تعلقهما ومصاحبتهما لساندنا في ذلك ظاهر اقتضاء الحال؛ لكن الذين ترجموا له وكتبوا حوله هم فصَّلوا في دراسة كتبه للحديث، ومما يعلم من ذاك أنه فاته على الشاه عبد الغني كتاب واحد من الكتب الستة ألا وهو سنن أبي داود، فلم يستطع الإمام أن يدرس عليه، وهذا الكتاب الوحيد الذي لم يكونا [أي النانوتوي والجنجوهي] فيه زميلين لسبب من الأسباب، وما هي تلك الأسباب؟

     لم أعثر له على جواب مع طول البحث عنه، ولم أجد لذلك جوابًا إلا أنه نص على ذلك تلميذه مولانا منصور علي خان الحيدر آبادي - رحمة الله عليه - في كتابه "مذهب منصور"(1/181)، وأن الشاه عبد الغني هاجر من دهلي إلى المدينة المنورة بعده. قال الشيخ منصور علي خان: إن مولانا المرحوم [الشاه عبد الغني] أستاذ حديث للشيخ محمد قاسم، وما درس النانوتوي الصحيحين البخاري ومسلم والسنن الثلاثة: الترمذي والنسائي وابن ماجه ما سوى الصحيحين إلا عليه"اهـ،

     قال الشيخ منصور علي خان(1/182): أما سنن أبي داود التي فاتته [على الشاه عبد الغني] فلم يمنع حياؤه وشهرته القراءة على الشيخ أحمد علي السهارنفوري. وهذا هو التفصيل لدراسة كتب الحديث التي ذكره مصنف "سوانح مخطوطة" [وهو تلميذه الشيخ فخر الحسن الكنكوهي] مجملًا، وقد عبَّر عنها بالألفاظ التالية: "إن الشيخ محمد قاسم النانوتوي  درس كتب الحديث على الشاه عبد الغني الدهلوي قدس الله سره العزيز ومولانا أحمد علي المرحوم السهارنفوري"...

     ثم قال الشيخ مناظر حسن(1/261) والظن أنه قرأ سنن أبي داود على الشيخ أحمد علي السهارنفوري بعد رجوع الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي إلى وطنه.[أي بعد 1265هـ] انتهى كلامه.

     قال العبد الضعيف: لقراءة الحديث في ديار الهند طرق ثلاثة، سماع الطالب من الشيخ، قراءة الطالب على الشيخ، والقراءة على الشيخ وهو يسمع، وكان من عادة مشايخنا - ومنهم الشيخ عبد الغني المجددي الدهلوي- لا يذكرون هذا الثالث إلا مع تقييد اسم القارئ معه إن تذكَّر وإلا أبهم.

وهذا نص إجازة الشاه عبد الغني للشيخ محمد قاسم النانوتوي

     الحمد لله أولًا وآخرًا، والصلاة والسلام على نبيه وصفيه دائمًا وسرمدًا، وعلى آله وأصحابه أبدًا أبدًا.

    أما بعد: فأقول وبعون الله أصول وأحول – وأنا أضعف عباد الله القوي، عبد الغني بن أبي سعيد المجددي الدهلوي-: إن الأخ الصالح الكاظم أصلح الله شأنه وأكمل إيمانه قد قرأ علي الصحيح لأبي الحسين مسلم بن حجاج القشيري النيسابوري، وجامع أبي عيسى الترمذي إلا القليل من الكتابين فإنه سماع غيره، والثلث الآخر من صحيح البخاري بالقراءة والسماع، وموطأ مالك بن أنس سمع بعضه بقراءة ابن أخي المولوي مظهر، وتفسير الجلالين قرأ عليَّ.

     فلما رأيت تأهله لدراسة الحديث لكمال فطانته وتمام ذهانته مع صلاحية الحال في الأعمال والأقوال، والأفعال أجزت له ما تيسر لي من حصول الإجازة من والدي ومرشدي عن الشيخ عبد العزيز المحدث رحمة الله عليهما، وكذلك حصل لي الإجازة من محدث دار الهجرة الشيخ عابد السندي، فإني قرأت عليه البخاري، وسمعت منه إلى كتاب الغسل، وأجازني ببقية الكتب، وسمعت على الناسك المهاجر الشيخ محمد إسحاق رحمه الله تعالى البخاري والترمذي وغيرهما. صورة الخاتم: والله الغني وأنتم الفقراء[13].

وهذا نص إجازة الشاه عبد الغني للشيخ رشيد أحمد الجنجوهي

بسم الله الرحمن الرحيم.

     الحمد لله أولًا وآخرًا، والصلاة والسلام على رسوله دائمًا وسرمدًا، وعلى آله وأصحابه كذلك.

     أمّا بعد: فأقول - وأنا ملتجئ إلى الحرم النبوي، عبدالغني بن أبي سعيد المجددي الدهلوي، سامحه الله تعالى بلطفه الخفي -:

     إنّ الأخ الصالح المولوي رشيد أحمد النعماني أمًّا والأنصاري أبًا توجَّه إلى زيارة شفيع المذنبين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وقد كان قرأ علي الثلث من صحيح أبي عبد الله محمد بن إسمعيل البخاري، وجميع السنن للإمام أبي داود سليمان بن أشعث السجستاني رحمة الله عليهما، وطلب مني الإجازة لبقية الأمهات الستّ وغيرها، فأجزت له بجميع ما يجوز لي الرواية فيه، والذي حصَّلتُ من مشايخ الحرمين الشريفين ومشايخ الهند، فأجزت له، وهو إن شاء الله أھل لذلك، وذلك ظنّي به والله حسيبه.

     وأوصيه أن لا ينساني من صالح دعائه وأنا أدعو له أن يثبته الله تعالى على القول الثابت حيث لا يخاف في الله لومة لائم، وأن ينتفع به المسلمون، ويكون ذاكراً لله تعالى على كلّ حال دائم، وحشرني الله تعالى وإياه في زمرة الصالحين بجاه سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، قاله بفمه وكتبه بقلمه عبدالغني بن أبي سعيد في المسجد النبوي، يوم الجمعة سنة 1270ھ، 9- محرم. انتهى كلامه[14].

     وملخص التفصيل هكذا: الشيخان يرويان عن الشيخ عبد الغني المجددي الدهلوي الكتب الستة والموطأ برواية يحيى ومحمد، والجلالين[15]، وأنه حصل للشيخ محمد قاسم النانوتوي القراءة في الثلث الآخر من البخاري ومسلم والترمذي كاملين إلا القليل من الكتابين فإنه سماعٌ لهما من قراءة غيره على الشاه عبد الغني وهما يسمعان. وأنه حصل للشيخ رشيد أحمد الجنجوهي قراءة الثلث الأول من البخاري وسنن أبي داود كاملًا،

     وقد تقدم أن الشيخ محمد قاسم النانوتوي كان غائبًا عند قراءة سنن أبي داود لعارض، وأنه قرأ سنن أبي داود على الشيخ أحمد علي السهارنفوري. وأما الثلث الأوسط من البخاري وسنن النسائي وابن ماجه والموطأ لمحمد فقد قرأه غيرهما وهما يسمعان، وأما الموطأ لمَالك فسمعا بعضه بقراءة الشيخ مظهر بن أحمد سعيد المجددي ابن أخي الشاه عبد الغني، وأما الباقي منه فبقراءة غيره وهم يسمعون.

     وكان الشيخ محمد قاسم النانوتوي يسند كل الكتب عن الشاه عبد الغني، وقد ذكر الشيخ محمد يعقوب النانوتوي إملاءات الشاه عبد الغني المجددي الدهلوي لأسانيده في كتابه "مكتوبات وبياض يعقوبي"(1/177) جمع تلميذه الشيخ أشرف علي التهانوي، ونص عنوانه هكذا: سند الكتب الحديثية بخط الغير، ويعني بالغير الشيخ محمد قاسم النانوتوي كما أشار إليه الشيخ أشرف علي في آخره بعد ذكر الأسانيد كلها قال: هذه (أي التي كتبت قبل) خط شيخنا لشيخنا.اهـ.

     والمراد بشيخنا الأول: هو الشيخ محمد قاسم النانوتوي وشيخنا الثاني الشيخ محمد يعقوب النانوتوي.

     وذكر فيه أسانيده عن طريق الشاه إسحاق للكتب الستة وعن طريق أبي سعيد المجددي الحصن الحصين ودلائل الخيرات، ثم قال الشيخ الأجل مولانا محمد قاسم النانوتوي: إنه قال شيخي وأستاذي قدوة العلماء، مقتدى الفضلاء، صاحب البركات، مولانا عبد الغني بن قطب الوقت الحافظ أبي سعيد النقشبندي: إنه قال الشيخ العلامة وحيد العصر فريد الزمان الشيخ محمد عابد السندي:

"     أروي عن مولانا الإمام الرباني الشيخ يوسف بن محمد بن علاء الدين المزجاجي عن والده الشيخ محمد عن والده الشيخ علاء الدين عن الشيخ عبد الله بن سالم البصري والشيخ أحمد النخلي والشيخ حسن العجيمي والشيخ إبراهيم الكردي، وقال مولانا محمد قاسم: فكل إسناد أذكره سردا فيما بعد فهو من أحد هذه الشيوخ الأربعة هكذا. ثم ذكر أسانيد الكتب الستة وسنن الدارمي والسنن للدارقطني والمسلسل بالأولية والموطأ للإمام مالك ومسند الإمام أبي حنيفة للحارثي. وهذه الكتب غير الدارمي والدارقطني داخل في منهج علماء ديوبند والشاه ولي الله للدراسة العلمية".

     وقال الشيخ نفيس الحسيني في كتابه قاسم العلوم والخيرات(1/86): الشيخ محمد قاسم النانوتوي تخرج في دروة الحديث عند الشاه عبد الغني سنة 1265هـ/1840م وكان عمره 17 عامًا، وهذه نفس السنة التي تخرج فيها الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي، وقد تواتر لدي إكماله الكتب الستة على الشيخ عبد الغني والشيخ أحمد علي السهارنفوري من مصادر متعددة، لكني أعرضت عن ذكرها كلها إيثارًا للاختصار.

2- الشيخ أحمد علي السهارنفوري.

     قال الشيخ عبد الحي الحسني في نزهة الخواطر(7/ 907): الشيخ العالم الفقيه المحدث أحمد علي بن لطف الله الحنفي الماتريدي السهارنبوري أحد كبار الفقهاء الحنفية، ولد ونشأ بمدينة سهارنبور وقرأ شيئاً نزراً على أساتذة بلدته، ثم سافر إلى دهلي وأخذ عن الشيخ مملوك العلي النانوتوي.

     وأسند الحديث عن الشيخ وجيه الدين السهارنبوري عن الشيخ عبد الحي بن هبة الله البرهانوي عن الشيخ عبد القادر بن ولي الله الدهلوي، ثم سافر إلى مكة المباركة فتشرف بالحج وقرأ الأمهات الست على الشيخ إسحاق ابن محمد أفضل الدهلوي المهاجر المكي سبط الشيخ عبد العزيز بن ولي الله، وأخذ عنه الإجازة.

     ورحل إلى المدينة المنورة، وسعد وتبرك بالاقامة في جوار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم رجع إلى الهند، وتصدر بها للتدريس مع استرزاقه بالتجارة، وكان عالماً صدوقاً أميناً ذا عناية تامة بالحديث، صرف عمره في تدريس الصحاح الست وتصحيحها لا سيما صحيح الإمام البخاري، خدمه عشر سنين، فصححه وكتب عليه حاشية مبسوطة. توفي بالفالج لست ليال خلون من جمادى الأولى سنة سبع وتسعين ومائتين وألف بمدينة سهارنبور فدفن بها.انتهى كلامه.

قراءة الشيخ محمد قاسم النانوتوي عليه:

     قد تقدم أنه قرأ عليه سنن أبي داود كاملًا، وذكر الشيخ عارف جميل القاسمي في مقدمة كتاب"الإمام النانوتوي كما رأيته" (1/26) والشيخ آس محمد المظفر نكري في مقالته المسماة: "الإمام محمد قاسم النانوتوي – رحمه الله – شخصية عبقرية قامت بإنشاء حركة المدارس الدينية، وريادة النهضة الإسلامية في شبه القارة الهندية" وطبعت في مجلة الداعي الشهيرة الصادرة عن دار العلوم في جمادى الأولى 1436 هـ = فبراير - مارس 2015م ، العدد : 5 ، السنة : 39 فذكرا أن الشيخ النانوتوي قرأ سنن النسائي وجزءًا من الموطأ أيضًا على الشيخ أحمد علي السهارنفوري.

     ونقل الشيخ مولانا عبد الحفيظ البلياوي عن شيخه شيخ الهند محمود الحسن الديوبندي في كتابه تقارير شيخ الهند عند تقرير جامع الترمذي(1/23): "حصلت جامع الترمذي على الشيخ محمد قاسم وهو أخذه على الشيخ محمد قاسم النانوتوي، وهو أخذه على أحمد علي السهارنفوري وسنده إلى أبي الفتح مذكور في الترمذي المطبوع من المطبعة الأحمدية"انتهى كلامه. وهذا يدل على أن الشيخ محمد قاسم النانوتوي درس جامع الترمذي على الشيخ أحمد علي السهارنفوري أيضًا.

     وسند الشيخ خير محمد الجالندهري يدل على أنه قرأ عليه البخاري أيضًا فقال ما نصه: "مولانا محمود حسن الديوبندي عن شمس الإسلام قاسم العلوم والحكم مولانا محمد قاسم النانوتوي عن المحدث العارف بالله الغني الشاه عبد الغني المجددي الدهلوي، وعن مظهر الخفي والجلي الشيخ أحمد علي السهارنفوري عن الشيخ المشتهر في الآفاق الشيخ محمد إسحاق الدهلوي"انتهى كلامه[16]. وقد كان يدرس صحيح البخاري وسنن الترمذي.

     والنتيجة التي وصلت إليها: أن الشيخ محمد قاسم النانوتوي قرأ كتب الحديث كلها مرتين، مرة على الشاه عبد الغني المجددي الدهلوي، ثم أعاد ثانيًا على الشيخ أحمد علي السهارنفوري.

     قال الشيخ محمد إسحاق بهتي في كتابه "فقہاء ہند وپاک" في ترجمة الشيخ محمد قاسم النانوتوي (1/239): حصَّل الشيخ النانوتوي علم الحديث على الشيخ أحمد علي السهارنفوري والشاه عبد الغني المجددي.

     وقال: تخرج على الشاه عبد الغني المجددي الدهلوي عام 1265هـ، وصحبه الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي في الدرس أربع سنوات.

     وقال الشيخ المفتي محمد شفيع في الدر المنضود(1/9) في ترجمة الشيخ أحمد علي السهارنفوري: وممن قرأ عليه بعد تكميل الحديث وتدريسه حضرة مولانا محمد قاسم النانوتوي، قدس الله أسرارهما.

3- الشيخ أحمد سعيد المجددي الدهلوي.

     قال الشيخ عبد الحي الحسني في نزهة الخواطر(7/ 906): الشيخ العالم الكبير الفقيه أحمد سعيد بن أبي سعيد بن الصفي العمري الدهلوي، أحد المشايخ المشهورين، ولد غرة ربيع الثاني سنة سبع عشرة ومائتين وألف بمدينة رامبور وانتفع بوالده وخال والده الشيخ سراج أحمد وسمع منه المسلسل بالأولية، وقرأ بعض الكتب الدرسية على المفتي شرف الدين ثم دخل لكهنؤ، وقرأ بعض الكتب على الشيخ محمد أشرف وبعضها على العلامة نور الحق، ثم سافر إلى دهلي وأخذ عن الشيخ فضل إمام الخير آبادي والشيخ رشيد الدين الدهلوي.

     وكان يختلف في أثناء تحصيله إلى الشيخ عبد القادر والشيخ رفيع الدين والشيخ عبد العزيز أبناء الشيخ الأجل ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي تارة لتحقيق المسائل وتارة لسماع الدرس فاستفاد منهم، وحصلت له الإجازة من الشيخ عبد العزيز المذكور للصحاح الست والحصن الحصين ودلائل الخيرات والقول الجميل وغيرها.

     وقرأ على الشيخ غلام علي العلوي الدهلوي الرسائلة القشيرية والعوارف وإحياء العلوم ونفحات الأنس والرشحات عين الحياة والمثنوي المعنوي والمكتوبات لجده الإمام الرباني رحمه الله قراءة وسماعاً، وبايعه، وكان الشيخ المذكور يحبه حباً مفرطاً، ويلاطفه ملاطفة الآباء للأبناء، ويحرضه على تحصيل العلوم، ويأمره بجمع الحال والقال، ويتوجه إليه بالهمة الصادقة القوية، حتى بلغ رتبة الكمال.

     ولما توفي أبوه تولى الشياخة وجلس على سجادة الشيخ غلام علي المذكور، فرزق حسن القبول، واجتمع الناس لديه من كل فج عميق ومرمى سحيق إلى أن بلغ السابعة والخمسين من عمره مفيداً مفيضاً، فبينما هو كذلك إذ ثارت الفتنة العظيمة بدهلي في السادس عشر من رمضان سنة ثلاث وسبعين.

     وعمت البلوى في أقطار الهند، وسفكت الدماء ونهبت الأموال وخربت البلاد وهلك العباد، لا سيما في مدينة دهلي، وهو لم يزل مستقيماً في الخانقاه، الزاوية حتى مضت عليه أربعة أشهر، وغلبت الحكومة الإنكليزية مرة ثانية على الثوار، واتهموه بافتاء الخروج على الحكومة، وأرادوا أن يفعلوا به وبعشيرته ما فعلوا بالمحاربين من قتل ونهب، فشفع فيه رئيس الأفاغنة الذي به غلبت الحكومة على الهند، فكفوا أيديهم عن المؤاخذة.

     حتى خرج الشيخ مع عشيرته كلها من دهلي، وأراد أن يسافر إلى الحرمين الشريفين، فحصل له الرئيس المذكور جواز السفر من الحكومة، وجهز له الزاد والراحلة، حتى بلغ إلى مكة المشرفة، وتشرف بالحج ثم ذهب إلى طابة الطيبة، وسكن بها، وكان خرج من دهلي في آخر محرم سنة أربع وسبعين ودخل مكة المباركة في شوال من تلك السنة.

     وله رسائل في الفقه والسلوك، منها الفوائد الضابطة في إثبات الرابطة ومنها تصحيح المسائل في الرد على مائة مسائل ومنها الأنهار الأربعة في شرح الطرق الجشتية والقادرية والنقشبندية والمجددية، وله غير ذلك.

توفي يوم الثلاثاء بعد صلاة الظهر لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة سبع وسبعين ومائتين وألف بالمدينة المنورة، فدفن بالبقيع عند قبة سيدنا عثمان رضي الله عنه.

ثبوت قراءة الشيخ محمد قاسم النانوتوي عليه:

     لقد ذكر الشيخ حسين أحمد المدني في إجازته للشيخ عبد الحليم النعماني أنه حصلت للشيخ محمد قاسم النانوتوي القراءة والإجازة عن الشيخ أحمد سعيد المجددي الدهلوي، ولم أعثر على تفصيل في ذلك، إلا أن القراءة عليه كانت قليلة جدًّا، والتفصيل في "تذكرة الرشيد".

     وهذا نص الشيخ حسين أحمد المدني في إجازته: "ويروي الشمسان [النانوتوي والكنكوهي] المومأ إليهما سابقًا كتب الحديث والتفسير قراءةً وإجازةً عن أئمة أعلام؛ أجلهم شيخ مشايخ الحديث الإمام الحجة العارف بالله الشيخ عبد الغني المجددي الدهلوي ثم المدني وعن الشيخ أحمد سعيد المجددي الدهلوي ثم المدني ومولانا أحمد علي السهارنفوري، قدس الله أسرارهم، كلهم عن الشهير في الآفاق، مولانا الإمام الحجة محمد إسحاق الدهلوي" انتهى كلامه.

     وهذا ما أردت إيراده، ولله الحمد على ذلك، وقد تتبعت الكتب الكثيرة من أجله، وهذا ما وصل إليه تحقيقي أنه قرأ كتب الحديث التسعة: الصحيحين والسنن الأربعة والموطأين والشمائل على الشاه عبد الغني المجددي الدهلوي ثم أعاد هذه الكتب غالبًا على الشيخ أحمد علي السهارنفوري، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، وما كنت لأتجاسر على مثل هذا إلا لما رأيت من الإبهام وطعون الجاهلين في سماعاته وقلة الخائضين غمار هذه المسألة مع أهميتها، حيث إن العلامة الإمام حجة الإسلام مولانا محمد قاسم النانوتوي عمود الحركة الديوبندية الأساسي وباني جامعة دار العلوم الإسلامية بديوبند ومؤسسها.

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

شمس الدين الصديقي

---

[1] أي دراسته الكتب الحديثية فهو عمود أساسي لعلماء ديوبند، وبجهوده الجبارة حفظ الله دينه في ديار الهند، فكيف بعلم الحديث الذي هو من الأسس التي بني عليها الدين الحنيف؟!.

[2] فإن الطالب قد يغفل أثناء القراءة أو السماع، ولا بد من تقييده، وأما الإجازة فهي الإذن بالرواية وهي جائزة، ولا يبني عليها أحكام شرعية.

[3] في حاشيته على "مكتوبات وبياض يعقوبي" صفحة رقم (1/177) طبعة دار الإشاعت كراتشي.

[4]([4] رواه الخطيب في شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي (1/40).

[5] نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر أو الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام للشيخ عبد الحي الحسني، طبعة دار ابن حزم(7/ 1067).

[6] وهذا غير صحيح بل الإمام محمد قاسم النانوتوي هو الذي أسس هذه المدرسة، ولكنه كان بعيدًا عن المناصب الدنيوية والشهرة، فجعل الحاج محمد عابد مدير المدرسة واختار الشيخ محمد يعقوب النانوتوي رئيسًا للمدرسين. والتفصيل في أنوار قاسمي وتذكار اكابر.

[7] قاله الشيخ عبد الحي الحسني في نزهة الخواطر(7/ 1024)

([8] قاله في تذكرة الرشيد(1/29)، وأثبت سماع البخاري في تذكرة الخليل(1/49) وظاهر عبارة اليانع الجني تدل على ذلك.

[9] وهي في مكتوبات وبياض يعقوبي المطبوعة من دار الإشاعت(1/177).

[10] وهي مطبوعة ضمن رسائل وإجازات الشيخ بن باز رحمه الله الجزء الثاني صفحة (76)

[11] في فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلسلات للشيخ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني المغربي المطبوعة في دار الغرب الإسلامي(2/758).

[12] في كتابه: "سوانح عمري حجة الإسلام مولانا محمد قاسم نانوتوي"، وهي مطبوعة في بداية "سوانح قاسمي" للشيخ مناظر حسن الكيلاني طبعة مكتبة رحمانية لاهور (1/28) وقد ترجمه الشيخ محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري باسم "الإمام محمد بن قاسم النانوتوي كما رأيته" (1/53).

[13] نقله الشيخ محمد يعقوب النانونوتوي في آخر كتابه "مكتوبات وبياض يعقوبي" (1/186).

[14] نقله شيخنا الشيخ عبد الحليم النعماني في كتابه "حضرت مدنى اور ان كى سندات" فأنقلهما برمته، وفي لامع الدراري على صحيح البخاري للشيخ زكريا الكاندهلوي، وقد مر ذكره.

[15] لأن هذه الكتب في منهج الشيخ ولي الله ويقرأه على الأقل كل من قرأ دورة الحديث، انظر صفحة رقم(1/20) من كتاب حيات الشاه محمد إسحاق المحدث الدهلوي لمولانا حكيم سيد محمود أحمد بركاتي.

[16] ذكره الشيخ أنوار الحسن الشيركوتي في مقالته المسماة: "حجة الإسلام حضرة مولانا محمد قاسم النانوتوي وجهوده الأدبية" وقد طبعت ضمن رسائل "ياد گار اکابر"(1/469).

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016