من سار على الدرب وصل

 

 "مجلة الإنجاز" وُلدتْ منذ وقت قليل، وُلدت لإنجاز ما تحمِل من غايات أسمى، وهي توعية طلاب العلم في اللغة العربية وتنشئة نهضة عربية في أوساط الطلاب ، لأن هذه اللغة كما أكَّد على تعلُّمها واحتضانها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قائلا: "تعلَّموا العربية فإنها من دينكم". (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية، 1/470). فمجلة الإنجاز تشُقّ طريقها بإنجازاتها الإبداعية بكل نجاح ويُسر وسُهولة –حسْبما نشاهد عن طريق التواصل الاجتماعي من خلال منشورات رئيس التحرير الأخ نجم الحسن- وفَّقه الله وفتح عليه وسدَّد خُطاه فيما يرمي إليه من أهداف عالية وغايات راقية، وحقَّق حُلمه الغالي.

ثم إن هذا الأخ الحبيب نجم الحسن يُصرّ عليّ منذ فترة غير قصيرة أن أشارك في "الإنجاز" بكتابة قصيرة، فانقبضتُ في أول وهلة وخفتُ كذلك؛ لأني منذ مدة تستغرق حوالي سنة كاملة لا أكتب مقالا سوى تصحيح ومراجعة كتابات ومقالات الطلاب، مع بعض أعمال تأليفية متواضعة (إعداد وترجمة الكتب العربية التربوية بالبنغالية، بلغ عددها –والحمد لله- اثني عشر كتابا)، فإدارة التحرير لم تكتف بالإلحاح، بل أرسلتْ لي ملفّ الإنجاز بصيغة بي دي إف ((PDF على الخصوص، فصفَحتُها وقرأت عناوينها مع إمرار النظَر السريع على بعض مقالها، فوجدتها –ولله الحمد، وللقائمين عليها الشكر والتوفيق والسَّداد-مجلة تستحق أن تُنال بالرَّوَاج والانتشار، فأرجو الله أن يُضفي عليها مسحةَ القبول. ثم تشجَّعت للمشاركة بكتابتي الصغيرة، ولكن لما جاء دَور تعيين الموضوع فتوقَّف قلمي لمرة أخرى، فها أن منَّ الله تعالى عليَّ بموضوع ما ترونه.

*****

كل شيء على وجه الأرض يحمِل وراءه غاية، ويهدِف إلى غَرَض، فهذا الإنسان والجن يخلقهما الله تعالى لغاية عُظمى، وهي كما تحدَّث عنها سبحانه في محكم تنـزيله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وهكذا كل الناس، صغير أو كبير، غني أو فقير، دارس أو مدرِّس، أب أو أم، عالم أو جاهل، كلٌّ يحمِل في داخِله غايتَه، ويحلُم شيئا أو أشياء على قدْر عقله ومكانته. وهذه هي طبيعة الإنسان وفِطرته.

فنحن طلبة العلوم الشرعية، أجدر وأحقّ من يحمل هدفاً أو أمنية، ويحلُم لغايات أسمى. وعلى هذا، نرى بعضنا يحلم ويتمنّى، ويهدِف إلى غاية سامية، ثم يكسِل ويُهمل غايته، ويَغفل عن هدفه، ولا يسعى وراء تحقيق ما يتمنّاه، ولكنه لا يدري أنّ الحُلم الفارغ، والأُمنية الجوفاء، لا يتأتى بشيء يُذكر بدون عمل وكدٍّ وسعي. فهذا يتمنى أن يكون أديبا قديراً  أمثال الشيخ أبي الحسن الندوي وعلى الطنطاوي والمنفلوطي والعقاد والرافعي، فيجلس غافلا عن مؤلفاتهم وإنجازاتهم ومثابرتهم، فضلا عن تحمل التعب في مطالعة كتبهم، وسَبر حياتهم الحافلة بالمغامرات والمكابدات، وذاك يحلُم أن يكون عالما كبيرا أمثال الإمام الذهبي وابن حجر وغيرهما، والثالث يطمَح إلى أن يصِل شَأو القِمَّة، ثم ينسى دَرْبه، أو يتغافل عن هدفه،  فيتقاعس عن تراثهم العلمي الذي تركوا لنا، ولا يريد أن يتحمل المشاق في دَرْب الوصول إلى غايته المنشودة. لقد صدق الشاعر وأجاد:    

دبَبتُ للمَجْد والسَّاعون قد بلغُوا *جُهْدَ النفوس وألقَوْا دُوْنَه الأُرْزَا

وكابَدُوا المجدَ حتى مـلّ أكثرهم * وعانق المجد مَنْ أوفَى ومَنْ صَبَرا

لا تحسَبِ المجد تمراً أنت آكِلُـه * لن تبلُغ المجدَ حتى تلعَق الصَّبِرا 

(صفحات من صبر العلماء للشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ص 130)

 

*****

فأنا أعمل كمدرِّس في مدرسة المنهل (بأترا، داكا) منذ تأسيسها (عام 1432هـ-2011م)، فأنا أشاهد بأمِّ رأسي أحوال الطلاب، أرى أساتذتهم يُشجِّعونهم كلما يَجدون الفرصة على سُموِّ الأخلاق، ومطالعة الكتب، والاضطلاع في اللغة العربية، فيتشجَّعون فورًا، وتتوقَّد فيهم العاطفة، ويتوهَّج فيهم الشغَف، فينشغلون فيما هم مُقبِلون عليه، ولكن سَرْعان ما يفتُرون، وتتضاءل تلك القوة التي حَملتْهم على المطالعة والطلب؛ فروَّيت في الأمر طويلا، فبَدَا لي أن الأمر ليس ذاك، بل الأمر كما قال الشيخ الأديب الأريب المحنَّك/ نور عالم خليل الأميني- أطال الله بقاءه في طاعته ونفعنا بعلومه-: الحبُّ يجعل الْمُحِبَّ يَتَرَامَى على مُحاكاة الحبيب واستحلاء كلِّ عذاب الوصول إليه. إن أقوى الدواعي إلى تعلُّم شيء والتمكُّن منه هو حبُّه الصادق النابع من إدراك قيمته الحقيقية. إذا ثار هذا الحبُّ في رجل نحو شيء لا تبقى هنالك حاجةٌ إلى إعمال أساليب أخرى لدفعه وترغيبه فيه وتحريضه على تبنِّيه. أمّا إذا لم يَثُرْ-هذا الحبُّ- فيه نحوه، فإنه لا يُقبِل عليه إلا كارهًا له ناقِمًا عليه، فلا تَتِمُّ عمليَّةُ تعلُّمه واحتضانه؛ لأنه سيعود ثِقلاً عليه كبيرًا وعبئًا عليه لا يُحتمل، وسيكون مَثَله مثل الطفل يُجَرُّ إلى الكُتَّاب جَرًّا وهو يكرهه الكراهيةَ كلَّها، فلا ينتفع بالكُتَّاب ما لم تتحوَّل الكراهيةُ إلى الحبّ، والوحشةُ إلى الأُنْس. إنك لن تُقبِل على شيءٍ وتحتضنه فضلاً عن أن تتعلمه وتتضلَّع منه إلا إذا أحببتَه مُدرِكاً قيمتَه وغَنَاءَه وإفاديّتَه في الدين أو الدنيا أو فيهما معًا. وأحبُّ الحبّ وأقدسُه وأزكاه هو حبُّ شيءٍ صادرًا عن إدراك قيمته الدينية. (تعلموا العربية فإنها من دينكم،  ص 11-12) قال الإمام ابن حزم الظاهري رحمه الله تعالى (ت 456هـ):

مـن لم يَـرَ العــــلمَ أغلَى * مِن كُـلِّ شيءٍ يُصـــابُ

فــليسَ يُفــلِحُ حــتى    * يُـحثى علــيهِ التُّــرابُ

 

أخيراً، أخي الطالب! ينبغي لنا ولك أن نُدرك دَرْبنا وهدفنا، ونُحب غَرضنا الأسمى ونحتضن غايتنا الأغلى، تعال نسير على دَرْبنا كما سار عليه سَلفنا، نسعى وندْأب ونُثابِر كما دَأب وثابر آباؤنا الذين جعلناهم قدوتَنا. فأدَعُك لبعض الوقت مع الشيخ المحدث الْجِهبِذ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى يحدثِّك عن صدَدِنا نحن، وأختم مقالي القصير بفقرته الذهبية؛ فيقول –رحمه الله- في كتابه الماتع الفريد"صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل": إن طالب العلم إذا بذَلَ جهدَه في الطلب والتحصيل، وتحمَّل المشاقّ والمتاعب، وغالَب الصِّعابَ والعَقَبات، لا يُخيِّبُ الله مَسْعاه، ولا يَهضِم الناسُ حقَّه، ولا يَتخلَّف عنه التفوُّقُ والنُّبوغُ، فالنبوغُ صبرٌ طويل... أما من ترجَّى الأماني، وصاحَبَ التَّواني، واستروَحَ الراحة، واستَحْلَى الرَّفاهِيَة، واستلَذَّ المطاعم، واستَجْمَل الملابس، واستَحبَّ النومَ الطويل، وشَغَلَتْه تقلُّباتُ الفصول عن الأخذ والتحصيل، فما أبْعَدَ العلمَ منه، وما أنفَرَهُ عنه! قال الإمام ابنُ فارس اللّغويُّ-رحمه الله تعالى:

 

إذا كان يؤذيك حَرُّ المَصِيفِ * ويُبْسُ الخريف وبَرْدُ الشِّتَا

ويُلْهِيكَ حُسْنُ زمانُ الرَّبيعِ * فأخذُك للعلم قل لي: متى؟!

 

 

*مدرِّس اللغة العربية

بمدرسة المنهل القومية النموذجية، أترا، داكا، بنغلاديش .

    30/صفر الخير/ 1439هـ- 20/11/2017م

      بعد الفجر   

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016