رمضان.. ربيع المتقين ومهرجان العبادات والخيرات
رمضان.. ربيع المتقين ومهرجان العبادات والخيرات

سماحة الأستاذ المفتي محمد قاسم القاسمي

لقد أتانا رمضان هذا العام بالخيرات والبركات أتانا شهر نزل فيه الفرقان هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان أتانا رمضان الذي كان ينتظره المتقون منذ شهور ويتمنون حلوله ليجعلوه فرصة لتزكية نفوسهم وتطهير قلوبهم من شوائب المادية الرعناء وغوائل النفس الأمارة ويتخذوه سلما للرقي الروحي والسمو الخلقي، وعُدّة للقاء مولاهم الحق. لقد مات خلال هذه الشهور كثير ممن كانوا يتمنون حلول هذا الشهر ولكن استأثرت بهم رحمة الله فانتقلوا من الدار الفانية ولحقوا بالموتى ففاتهم هذا الشهر في حين أسعدنا الله بحلوله ونحن في قيد الحياة.

إذن علينا أن نغتنم الفرصة ونستفيد من أنوار هذا الشهر وبركاته خير ما استطعنا وهذا من فضل الله على المؤمنين.

إن الله جعل طبيعة هذا الشهر بحيث ترق فيه القلوب وتخشع فيه النفوس وتميل إلى العبادة والطاعة والبرّ ؛ لأن البيئة مهيأة مشجعة للأعمال الصالحة وقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم كما روى أبوهريرة رضي الله عنه: إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وأغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين. ولنعم ما قاله الإمام العارف بالله العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله: " أصبح رمضان موسما عالميا للعبادة والذكر والتلاوة والورع والزهادة يلتقي على صعيده المسلم الشرقي مع المسلم الغربي والجاهل مع العالم والفقير مع الغني والمقصّر مع المجاهد، ففي كل بلد رمضان وفي كل قرية وبادية رمضان وفي كل قصر وكوخ رمضان فكل ذي عينين يستشعر جلاله وجماله أينما حلّ ورحل في العالم الإسلامي المترامي الأطراف تغشى سحابته النورانية المجتمع الإسلامي كله".

ولأجل أهمية رمضان شجّع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حلول الشهر أو بدايته أصحابه قائلا: أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله تعالى فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء وينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم ملائكته فأروا الله من أنفسكم خيرا فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل. رواه الطبراني.

ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على المؤمنين رؤوفا رحيما بهم إنما أوصى أصحابه وأمته كيلا يحرموا نسمات هذا الشهر المبارك ولا يضيعوا لحظة من لحظاته المليئة بالبركات وكان يعلم أن العباد إن عوّدوا أنفسهم الخير وهجروا المعاصي والذنوب في هذا الشهر واهتموا بتزكية نفوسهم وأزالوا عنهم أدران الآثام وتغلبوا على الشهوات وقهروا النفس الأمارة فسوف يوفَّقون للخير والصلاح طول السنة. وهذا هو المعنى الذي عرفه وأدركه العارف الكبير مجدد الألف الثاني الإمام الرباني الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي، فقال في بعض رسائله:

إذا وُفِّق الإنسان للخير، وللأعمال الصالحة في هذا الشهر حالفه التوفيق طول السنة وإذا مضى هذا الشهر في توزع بال وتشتت حال مضى العام كله في تشتت وتشويش.

وقال في رسالة أخرى:

إن لهذا الشهر مناسبة تامة بالقرآن وبهذه المناسبة كان نزوله فيه وكان هذا الشهر جامعا للخيرات والبركات وكل خير وبركة تصل إلى الناس في طول العام قطرة من هذا البحر وإن جمعية هذا الشهر سبب لجمعية العام كله وتشتت البال فيه سبب للتشت في بقية الأيام وفي طول العام، فطوبى لمن مضى عليه هذا الشهر المبارك ورضي عنه وويل لمن سخط عليه فمُنع من البركات وحرم من الخيرات .(كتاب الأركان الأربعة للسيد أبي الحسن الندوي)

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة إذ كان يهتم بهذا الشهر وسيما العشر الأخير منه فيجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره وكان يكثر من تلاوة القرآن والاتصال به في هذا الشهر ، يقول ابن عباس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل، أجود بالخير من الريح المرسلة.

توصيات هامة

نظرا إلى أهمية هذا الشهر المبارك نوصي المسلمين سيما خواص الأمة وهم العلماء وطلبة العلم بما يلي:
1- الإكثار من ذكر الله تعالى ومن التوبة والاستغفار. ومن أركان التوبة الإقلاع عن المعاصي والندم على الماضي والعزم على عدم العود في المستقبل وأداء حقوق الناس.
2- الاهتمام بأداء الصلوات مع الجماعة. والاستعداد للذهاب إلى المساجد بعد الأذان مباشرة.
3- الإكثار من التلاوة مع التدبر والاشتغال بالقرآن قراءة وحفظا وتدبرا وتبليغا لمعانيه ورسالاته وهكذا كان دأب السلف الصالح.
فقد كان الإمام أبوحنيفة رحمه الله يختم القرآن كل يوم وليلة، فإذا كان شهر رمضان ختم فيه مع ليلة الفطر و يوم الفطر اثنتين و ستين ختمة. (رواه الصميري) وكذلك كان الإمام الشافعي رحمه الله يختم في شهر رمضان ستين ختمة؛ في كل يوم ختمة، وفي كل ليلة ختمة، كلها في الصلاة. (رواه ابن عساكر) و كان الزهري إذا دخل رمضان قال: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام.
وكان مالك بن أنس رحمه الله إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم ويقبل على تلاوة القرآن من المصحف. (ذكره ابن رجب) وأخبارهم في هذا المعنى كثيرة.
4- الإكثار من النوافل سيما صلاة الليل (التهجد) لأن العبد يتقرب إلى الله بالنوافل كما في ورد في الحديث: «ما يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل .....إلخ»
5 - الاهتمام بالصدقة وإطعام الفقراء والمساكين وتفطير الصائمين لأنه من فطّر صائما فله مثل أجره.
6 - اعتكاف العشر الأواخر والاجتهاد فيها في العبادة كما روي أنه صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدّ مئزره وأحيى ليله وأيقظ أهله. وقال الزهري: عجبا للمسلمين! تركوا الاعتكاف والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله.
7 - المحافظة على الأوقات حتى الدقائق والثواني كي لا تضيع بدون عبادة. والابتعاد من المسليات ومن كل ما يضيع الوقت والتجنب من البطالة وكثرة النوم والغفلة ومشاهدة الأفلام والاشتغال بالفضائيات وبرامج التواصل وغيره.
8 - قراءة أحوال السلف وتعبدهم وتضرعهم وجهدهم و جهادهم.
9 - الاهتمام البالغ بالدعاء والتضرع، سيما وقت السحر والإفطار ويجب أن لا ننسى مآسي إخواننا المسلمين المضطهدين الذين يئنون تحت وطآت الظالمين في سورية واليمن والعراق وكشمير وميانمار؛ ألا يجدر بِنا ونحن جالسون على الموائد الشهية وهم يقاسون أنواع الشدائد ويتجرعون سوء العذاب ويقصفون من فوقهم أن نخصص لهم من دعواتنا في رمضان لعل الله أن يفرج عنهم وينقذهم من براثن الغاشمين، وهو بالإجابة جدير وعلى نصرهم لقدير.

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016