الإسلام دين الوسطية والاعتدال

عَلَيْكَ بِأَوْسَاطِ الْأُمُورِ فَإِنَّها  ** نَجَاةٌ وَلَا تَرْكَبْ ذَلُولاً وَلَا صَعْبَا

إن قضية الوسطية والاعتدال من أهم القضايا التي شغلت الفكر الإسلامي في القرن الأخير، وكتبت حولها المؤلفات وعقد في تحديد مفهومها المؤتمرات والندوات، وذلك لما أصاب المسلمين أخيرا وبخاصة بعد سقوط الخلافة الإسلامية من انحطاط وتدهور وتخلف في ميدان القيادة، ولما أصاب الشباب المسلم المتحمس من الشعور بمركب النقص أمام الركب الحضاري المادي الجامح. فطفق كل حزب وكثير ممن ينتمي إلى الإسلام يفسّر الإسلام تفسيره الخاص، ويفرض رأيه على غيره حسبما يؤدي إليه اجتهاده، ويرى نفسه وحزبه على الحق وغيره على الباطل والانحراف. وأصبح شعار "أنا ولا غيري" لسان حال كثير من الأحزاب والحركات المنتمية إلى الإسلام وإلى أهل السنة والجماعة. ونتج عن هذا انحراف في الفكر والسلوك أدى إلى تشويه صورة المسلمين والإسلام داخل أرضه وخارجها، ووقعت الأمة بين مُفرط ومفرِّط، غال وجاف، ونزِّلت النصوص الشرعية في غير موضعها، وخرجت على أرض الواقع طوائف متطرفة تحتض فكرة الانحراف بمسميات شتى، تُخضع النصوص الشرعية لأفكارها ومبادئها الخاصة وترى أن حزبها هو الفرقة الناجية التي قيّضها الله تعالى لنفي تحريف الغالين وانتحال المبطلين!.

ولا شك أنّ الإسلام دين التوسط ودين اليسر والسهولة لا حرج فيه ولا عسر ولا يكلف الناس فوق طاقاتهم. والإسلام يوازن بين متطلبات الجسد والروح، ويجمع بين الدنيا والآخرة، بين الدين والدولة، بين الفرد والمجتمع، بين المقاصد والوسائل، بين القديم والجديد، بين الاجتهاد والتقليد، والإسلام يجمع ولا يفرّق، يبشر ولا ينفر، يقرّب ولا يبعد، ويتفاعل مع المجتمع البشري على اختلاف ألوانه وأديانه ومنتمياته، وإن النصوص الشرعية في الكتاب والسنة أكثر من أن تذكر ههنا. وقد وصف الله تعالى الأمة بالوسط، فقال عز من قائل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. البقرة. قال ابن جرير: "إنَّما وصفهم بأنَّهم وسط؛ لتوسُّطهم في الدِّين، فلا هم أهل غلو فيه - غلوَّ النصارى الذين غوا بالتَّرهب، وقيهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هم أهل تقصير فيه - تقصير اليهود، الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم وكفروا به - وكنهم أهل توسط واعتدال فيه". جامع البيان عن تأويل آي القرآن، (2 /8). ويقول النبي صلى الله عليه وسلم(إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا).

إن الاعتدال والتوسط هو الذي يضمن الوحدة الفكرية والثقافية للأمة ويصونها من مزالق التفرق والاختلاف، والفكرة الوسطية هي التي تضمن وحدة الأطراف المتنازعة وجمعهم على صعيد واحد. وإن من خصيصة هذه الأمة أن جعلها الله وسطا في كل شيء؛ في العقيدة والإيمان، في العبادات، في المعاملات، في الأخلاق، في المأكل والمشرب والملبس، في العناية بالروح و الجسد وبالدين والدنيا، في الغزوات والحروب، في كيفية التعامل مع جنس البشر، وقد مثّل المسلمون الأول العدالة والوسطية في جميع مراحل حياتهم حتى مع ألد أعدائهم وخصومهم، وقد شهد الأعداء بعدالة هذه الأمة ووسطيتها وقيامها بالقسط، ـ والفضل ما شهدت به الأعداء ـ وإن كتب التاريخ زاخرة بأمثال السماح والعدالة التي اتسمت بها هذه الأمة واعترف عليها ألد الأعداء، يقول المستشرق توماس آرنولد في كتابه "الدعوة إلى الإسلام"، وهو يتحدث عن اضطهاد الفرس للمسيحيين موازنا بين سلوكهم وسلوك المسلمين: "ولكن مبادئ التسامح الإسلامي حرمت مثل هذه الأعمال ـ التي كان يمارسها الفرس على رعاياهم من المسيحيين التي تنطوي على الظلم ـ بل كان المسلمون على خلاف غيرهم، إذ يظهر لنا أنهم لم يألوا جهدا في أن يعاملوا كل رعاياهم من المسيحيين بالعدل والقسطاس". وقال عن إيثار أهل القدس وفلسطين لحكم المسلمين واغتباطهم به: "من المؤكد أن المسيحيين من أهالي هذه البلاد أي القدس، قد آثروا حكم المسلمين على حكم الصليبيين. (الوسطية في القرآن للصلابي، 130، دار النفائس).

فما أحوج الأحزاب والجماعات والحركات الإسلامية اليوم أن تعود إلى سيرتها الأولى وأن تقوم ما قامت عليه شرعة الإسلام من الالتزام بالمبادئ السامية كالسماحة واليسر، والرحمة والرفق، والعدل والحق ، والأخذ بالتوسط والاعتدال في جميع خطاها. وترفض كل ما يعارض هذه المبادئ والمقاصد النبيلة من العسر والعنف والتشديد والغلو، وتلتزم بمبادئ وضعها الله ورسوله، الآيات والأحاديث الدالة على ذلك أكثر من أن تذكر، وبالمناسبة نذكر جملة منها. (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ، (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ، (وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور الرحيم) ، ، (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) ، و(وقولوا للناس حسنا) . (لا تُشددوا على أنفسكم فيشدَّد عليكم) (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا) ، (إن هذا الدين يسر) ، (إن منكم منفرين) ، (وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) (من أُعطي حظّه من الرفق أُعطي حظّه من الخير) (إن الله يعطي من الرفق ما لا يعطي من العنف).

فعلى كل من يمت إلى الإسلام بصلة أن يتحمس لنشر روح الإسلام وأصله، متجنبا كل ما يؤدي إلى الغلو والانحراف، حتى لا يغيب المفهوم الصحيح للوسطية في غياهب الغلو والتطرف، ولا يكون الإسلام ضحية الأنانية والغلو، فيفقد المسلمون أثرهم الإيجابية على المجتمع، ويبقى في أذهان غير المسلمين صورة شهية من الإسلام.

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016