القراءة الهادفة المثمرة!

الكثير منا يقرأ صفحات غير معدودة، وكتبا عديدة في موضوعات مختلفة، إرضاء للنهم الذي يلح عليه في قرارة نفسه بالنسبة للقراءة، وتلبية لرغبة جامحة فيما سمع من الفوائد الجمة لها، ظانا أن المهم هي القراءة المجردة العابرة، والتصفح وتخطي الفصول وإنهاء الكتب، وتضخيم القائمة الحاوية على الكتب المدروسة والمفروغة منها.

نسمع بأن الكتاب الفلاني أدبه رائع، وأسلوبه ماتع، وتعابيره ممتعة أخاذة، فنضعه في دائرة اهتمامنا، ولائحة مطالعاتنا، ناظرين إلى الكتاب من هذه النافذة الضيقة، متعامين عن المعاني الرزينة التي كان المؤلف بصدد إيصالها إلينا، والفكرة الجميلة التي تكمن وراء العبارات والتعابير، نذهب إلى الكتاب بهذه العقلية، فلا نعتدى هذا الحد، حيث ننبهر وتنفغر أفواهنا أمام الأدب المتدفق والأسلوب الإبداعي الجميل، مما يحول بين التفات إلى الأفكار والمعاني والوقفة أمام بعض العبارات وقفة تفكير وإمعان وتذوق وتغيير وتطوير، بل نطالعه بهدف تعلم اللغة العربية والأدب العربي، الكتاب الذي لم يضعه كاتبه بهذا الهدف التافه. ولا يخص هذا قارئي الكتب العربية بل يعم القارئين في جميع اللغات من العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والتركية والفارسية وغيرها، ويشمل بشكل أخص الذين يطالعون كتبا في لغة أخرى قد تعلموها غير اللغة الأم.

ونحن العجم لا نطالع كتابا عربيا إلا بهذا الهدف، يدلنا عليه من هو سحر بأدبه وأسلوبه، فنحن أيضا نبقى مسحورين بإبداعه الأدبي، مأخوذين بجماله اللفظي والتعبيري، لأن الدافع أيضا لم يكن إلا هذا الأمر، ونحرم التلويحات وما هو مطمور ما بين السطور من أفكار وتوجيهات يسديها الكاتب لنا بسخاء.

أتحرق كلما أرى شخصا يطالع "نهج البلاغة" لتعلم اللغة العربية ولا غير، أو كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ، أو "المقدمة" لابن خلدون أو "تاريخ الدولة العثمانية" لأمير البيان شكيب أرسلان، وكذلك "وحي القلم" للرافعي و"ذكريات" للطنطاوي، و"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟!" للعلامة الندوي، و"واقعنا المعاصر" لمحمد قطب، وسلسلة "فجر الإسلام" لأحمد أمين، بل وحتى "الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني، و... فهذه الكتب ليست كتب أدبية صرفة، ولم توضع لأجل هذا الهدف الحقير، ولو جعلناها أدبية محضة، لظلمناها وكتابها ومؤلفيها ظلما عظيما، فهناك أفكار وأهداف ودروس وعبر وحكم ونكات كثيرة كثيرة، تتغلغل في أحشاء هذه الكتب، والأدب فيها أمر ضمني. بل حتى كتب الرواية أيضا، فيها من الدروس والحكم النادرة، يتابعها الكتاب ونحن نتجاهل كلها راكضين إلى أدبها الصرف.

في بيئتنا نحن الأعاجم ومع الأسف الشديد، قد ترسخت هذه العقلية الزائفة، في أذهان كثير منا، بأن هذه الكتب العربية قد ألفت لتعليم اللغة العربية، مع أن كتابها قد تطلعوا عبر تأليف هذه الكتب القيمة على أداء رسالات كبيرة سامية ضخمة، فلو طوقنا مثلا "ماذا خسر العالم" في الأدب، فنحن قد حططنا من وزن الكتاب وقيمته جدا، ونزلناه من القمة إلى الحضيض، من حيث لا نشعر، لما أن الكتاب فيه الفكر، وفيه التعليم والتربية، وفيه التنشئة المنشودة، وفيه الحث على استعادة سالف المجد والكرامة والخلافة، كما أنه روعي فيه الأدب، والمؤلف بصدد إيصال أفكاره البناءة الثورية ورسالته القيمة التعليمية، بأسلوب أدبي رشيق، ويقبع وراء كل جملة منه فكر ومعنى، وكتبه الأخرى أيضا، وكذلك مؤلفات الكتاب الآخرين.

ومن العجب العاجب أن البعض يطالع كتب السيرة النبوية أيضا بهدف تعلم اللغة العربية!!! لا يستقطب انتباهه سيرة الرسول ولا حياته، وجهاده، ولا سلوكه، وشمائله، فلا يهمه شيء من هذا كما يهمه الأدب!!
يالطيف! ما هذه الظاهرة المنكرة! وما هذا الاستخفاف بالكتب القيمة، والمواضيع المصيرية؟! فهل كتب السيرة النبوية ألفت بهدف تعليم الأدب العربي فعلا ؟!
وبقي فقط أن يأتي البعض ويصنف القرآن أيضا كتابا أدبيا خالصا، يتلوه لأنه يعلم الأدب، وجاء في قمة الأدب، بل والله لقد سمعت بأن البعض يتلونه بهذا الهدف، ويطربون مع انتظامه، وفواصله وسجعه، ويأخذهم التأثر والانفعال من الناحية الأدبية، ولا يرهقون أنفسهم في التفكير في مقتضياته!! ثم يوجهون الآخرين أيضا الى هذا الاتجاه بملء أفواههم! وكأنهم اكتشفوا حقيقة لم يسبقهم إليها أحد! أليس هذا إجحاف يا قوم؟!

لا بأس بأن يكون تعلم الأدب أيضا من الأهداف عند مطالعة هذه الكتب، لكن لو كان هذا هو الهدف الوحيد، والدافع وراء الاندفاع إليها، فهذا مما لا ينبغي بل لا يجوز لما هو منتج عن ارتكاب الظلم وهو حرام ومحرم!
يتحتم علينا مكافحة هذه العقلية السخيفة، والفكرة السافلة، فهذه الفكرة هي التي ساهمت في تخلفنا وانحطاطنا نحن الشرقيين، حيث لا نؤمن بالقراءة عامة، والذين يقرؤون منا فهم أيضا يطبقون هذا المنهج الفاسد الزائف.

نطالع ونفكر، نطالع ونتذوق، نطالع ونتأمل ونتريث، ثم مثل هذه القراءة تنفعنا، وتشحننا، وتغذينا، والكتاب يترك فينا أثره المنشود، سواء كان في الأوضاع الراهنة، أو في التاريخ أو في الأدب، أو في السيرة أو في التفسير أو كان القرآن الكريم نفسه!

نقرأ الكتاب الواحد مرات، نعيد قراءته، ودراسته، حتى نصطاد الفكرة التي يرمي إليها المؤلف، ونحصل على النكتة التي يريد الكاتب إيصالها، وبالتالي تطبيق ما فيه من البنود الهامة والأساسية، ومن المطلوب إعادة مطالعة كتاب نتسم فيه الفائدة، وكما قال عباس محمود العقاد: "كتابا تقرؤه ثلاث مرات أنفع من ثلاثة كتب تقرأ كلا منها مرة واحدة".

لو طالعنا الكتب بما فيها السيرة والتفسير والأدب والتاريخ وغيرها مطالعة معمقة مركزة، لشاهدنا النفع يتضاعف، ولرأينا الرقي والتطور في التفكير والإبداع والسلوك والأخلاق وما إلى ذلك مما لن يتأتى بالقراءة العابرة التي يتلخص الهدف منها في تعلم الأدب ولو كان ذلك الكتاب هو القرآن الكريم أيضا.
فلا خير في قراءة لا تدبر فيها.

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016