نظرة على شبهات حول التقليد والتمسك بالحديث (5)

الكاتب: محفوظ أحمد
البريد الإلكتروني: mahfujahmed783@gmail.com
عن الكاتب:

نظرة على شبهات حول التقليد والتمسك بالحديث (5)

 

الشبهة الرابعة:

 

هناك قام بعض الناس يقول: إن أبي حنيفة إنما كثر القياس في مذهبه؛ لكونه في زمان قبل تدوين الحديث، ولو عاش حتى دونت أحاديث الشريعة ورحيل الحفاظ في جمعها من البلاد والثغور، وظهر بها لأخذ بها، وترك كل قياس كان قاسه.

 

فالجواب ما قاله العلامة ظفر أحمد العثماني –رحمه الله تعالى- في كتابه القيم ((قواعد في علوم الحديث، صـ 280-281)): لو ظفر الإمام بها لم يأخذ منها إلا ما ظهر في عصر الخلفاء الأربعة، وكل ما ظهر من الحديث في زمنهم لم يفته منه شيئ لكونه محيطا على علم الحجاز والمدينة والعراقين، يدل على ذلك كثرة شيوخه وكونه أعلم الناس في زمانه بشهادة الأئمة، وماعداه فشاذ، أو ليس مما يجب العلم به.

 

وإن سلمنا أن الإمام قد خفي عليه بعض الأحاديث التي يجب بها العلم شرعاً، فنقول: إن محمدا وأبا يوسف وزفر بن الهذيل وابن المبارك والحسن بن زياد وغيرهم من أصحابه قد تأخروا إلى زمن تدوين الحديث. ثم الطحاوي والكرخي والزيلعي وغيرهم من حفاظ الحنفية ونقاد الحديث منهم تأخروا إلى كمال التنقير عن الحديث النبوي، واطلعوا على صحيحه وسقيمه ومشهوره وآحاده. فكل قياس من قياسات أبي حنيفة رأوه خلاف الحديث، وتركه أصحابه كمحمد وأبي يوسف وزفر والحسن، وخالفوا شيخهم في شطر مذهبه. ومذهب الحنفية هو مجموع أقوال الإمام وأصحابه هؤلاء.

 

ثم المحدثون من الحنفية من بعدهم رجحوا في بعض المسائل قول الشافعي، وفي بعضها قول مالك، وفي بعضها قول أحمد، وأفتوا بما ترجح عندهم بالدليل. وهذا كله هو مذهب أبي حنيفة؛ لكونه جارياً على منواله وأصوله التي بنى عليها مذهبه، منها: تقديمه النص ولو ضعيفاً على القياس. فلم يبق –والحمد لله- في مذهبنا قول خلاف حديث إلا وعندنا حديث آخر يؤيدنا. والذي خالفناه ظاهراً فله عندنا تأويل لا نخالفه وكذلك الأئمة كلهم وأصحابهم يفعلون.

 

فلا يستطيع أحد أن يدعي العمل بكل الأحاديث بجملتها، وإنما كل يعمل ببعضها، ويترك بعضها؛ إما لكونه ضعيفاً عنده أو مخالفاً للنص أو الخبر المشهور أو المتواتر أو لكونه شاذاً أو معللاً أو منسوخاً أو مؤولاً بمعنى لا يدركه العامة ونحو ذلك.

 

الشبهة الخامسة:

 

قال الحافظ ابن القيم الجوزية – رحمه الله – في إعلام الموقعين في رد دلائل المقلدين: الوجه الثاني والسبعون قولكم: إن أصاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم فتحوا البلاد وكان الناس حديثي العهد بالإسلام وكانوا يفتونهم و لم يقولوا الأحد منهم: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل جوابه أنهم لا يفتوهم بارائهم وإنها بلغوهم ما قاله نبيهم وفعله وأمربه ، فكان ما أفتوهم به هو الحكم و هو الحجة. قالوا لهم: هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم فكان ما يخبرونهم به وهو نفس الدليل وهو الحكم، فإن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحكم وهو دليل الحكم وكذلك القرآن. وكان الناس إذا ذلك إنما يحرصون على معرفة ما قال نبيهم وفعله وأمربه وإنما تبغلهم الصحابة. اه

 

قلت – القائل ظفر أحمد العماني -: ولا يخفي ما في هذا الإطلاق من الحزازة والتحكم الباردة.

 

ولئن سلمنا ذلك فمقتضاه أن أقوال الصحابة وفتاواهم كلها أحاديث مرفوعة، لقولكم: إن ما أفتوهم به هو الحكم وهو الحجة، فلالوم على الحنفية إذا أخذوا في مسئلة بقول ابن مسعود وفتواه، وتركوا الحديث المرفوع، لاعترافكم بأن فتوى الصحابي هو الحكم وهو الحجة – وإذا تعارض الحديثان يعمل بالترجيح، فإن رجح القياس أو مرجح آخر سواه قول الصحابي على الخبر المرفوع، فينبغي أن يجوز عندكم الأخذ بقول الصحابي، ولا يجوز لكم ذم من فعل ذلك، فافهموا معاشي من اكثر التقليد.

 

وأيضا فإذا كانت الصحابة – رضي الله عنهم – لم يفتوا الناس بآرائهم، وإنما بلغوا ما قاله نبيهم وفعله وأمربه، من أخبركم بأن التابعين أفتوا الناس بآرائهم؟ لم لا يجوز مثل هذه الدعوى في فتواهم أيضا؟ إنهم بلغواهم ما قاله الصحابة وفعلوه وأمر وابه؟ وهلم جرًّا.

 

فإن قلتم: فما بال قنواهم تخالف أحاديث رواها المحدثون؟ قلنا: فما بال فتوى الصحابة تخالف الأحاديث المرفوعة التي رواها هؤلاء أيضا؟ ولا ينكر ذالك إلا من جادل بالباطل، وأعمى عينيه عن الحق، فما هو جوابكم فهو جوابنا.

 

وعندي أن كلام ابن القيم هذا وإن لم يكن صحيحا بإطلاقه لقيام الدلائل على خلافة وأن الصحابة أفتوا في بعض المسائل باجتهادهم ولم يطالبهم الناس بالدليل وهذا هو التقليد بعينه ولكنه صحيح بالسنة إلى الغالب، فإن غالب أقوال الصحانة وفتاواهم كان على سبيل التبليغ عن قول النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله أو أمره، و إذا كان كذالك فيجوز للمجتهد أن يرجح فتوى الصحابي على المرفوع الصريح أحيانا، إذا ترجح عنده كون فتوى الصحابي مبنية على جهة التبليغ رون الرأى.

 

هذا، ولم أرد بهذا الكلام الرد على ابن القيم – رحمه الله – حاشا لله وهو أجل واعظم من ان يتكلم فيه أحد من أمثالنا، فوالله لأن نصبر تراب نعليه أرفع لمرتبتنا، بل إنما أردت به الرد على الذين يحتجون بأجوبته على ذم التقليد، فليفتحوا أعينهم، ولينظر و اما ذا يفيد كلام زعيمهم، الله و المستعان.

 

     هذا، و من تدبر في كلامنا المراننا، وطالع كتابنا ((إعلاء السنن))[1] علم إن شاء الله تعالى أنا لسانا من المقلدين الذين ذمهم ابن القيم. بل نحن إنما نقلد إمامنا أبا حنيفة، وأصحابه، لعلمنا بأنهم |أتبع الناس للقرآن والسنة، وأن لهم في الحديث أصولاً، كما أن للمحدثين أصولاً، فلا لوم علينا وإن خالفناهم في قبول بعض الأحاديث والعمل به وترك العمل بغيره؛ لأن مبنى أصول الفريقين على الاجتهاد، ولا مشاحة في الاجتهادات. وعلماؤنا قد يتركون أقوال إمامهم إلى أقوال أصحابه إذا خالفت النصوص، -ومثل ذلك كثير في المذاهب يعرفه كل من له نظر فيها- وربما أفتوا بقول الأئمة الذين فيهم نظير إمامنا أو نظراء أصحابه إذا رأوا قوة الدليل عندهم ونحوها. ولسنا –بحمد الله- جامدين على قول صاحب المذهب بمحض العصبية، بل نقلده على بصيرة نحن ومن اتبعنا، وسبحان الله وما نحن من المشركين.

 

ومثل هذا التقليد لا يمكن أن يحيد عنه ابن القيم، بل لا بد منه لكل أحد، بل ولا سلامة للدين إلا بدونه، وهذا هو الذي سماه ابن القيم متابعة وامتثالاً للأمر، فالألفاظ مختلفة والمعنى واحد...

 

عباراتنا شتى وحسنك واحد * وكل إلى ذلك الجمال يشير

 

ومن ترك هذا التقليد، وأنكر اتباع السلف، وجعل نفسه مجتهدا أو محدثا واستشعر من نفسه أنه يصلح لاستنباط الأحكام وأجوبة المسائل من القرآ ن والحديث في هذا الزمان، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، أو كاد أن يخلع، فأيم الله، لم نر طائفة يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية إلا هذه الفرقة الطائفة المنكرة لتقليد السلف الذامة لأهلها، ولقد صدق أحد زعمائهم حيث قال بعد تجربة طويلة: إن ترك التقليد أصل الإلحاد والزنادقة في حق العامة. [2]

 

قلتُ –القائل هو العثماني-: وفي حق العلماء أيضاً؛ فإن الورع التقي  الخائف من الله، المحب لرسوله، الباذل وسعه في طلب الحق من العلماء كالكبريت الأحمر اليوم، لا يوجد إلا نادراً، غالبهم إذا ترك التقليد جعل يتبع الرخص، ويطيع هوى نفسه، ويتخذ إلهه هواه، وأكثرهم لا يترك التقليد إلا ليجادل المقلدين، ويوقع الفساد بين المسلمين،[3] ويجعل العامة زنادقة ملحدين، فقد علم أن ترك التقليد في حقهم أصل الزندقة والإلحاد. ولقد صدق قول بعض أكابرنا: إن هؤلاء عاملون بالحديث، ولكن بحديث النفس، لا بحديث الرسول –صلى الله عليه وسلم- ما هبت الدبور والقبول. انتهى كلام العثماني بطوله.

 

 

 

[1] وغيره من الكتب الحديثية للأحناف، مثل عمدة القاري، وفيض الباري، وأوجز المسالك، ومعارف السنن، وفتح الملهم مع تكملته وأمثالها.

 

[2]  للشيخ الإمام زاهد الكوثري رحمه الله تعالى مقالة عظيمة نادرة في شرح هذا الموضوع. انظرها في كتابه ((مقالات الكوثري)) صـ 106-11 بطبع دار السلام تحت عنوان ((اللامذهبية قنطرة اللادينية)).

 

[3] بعد اتفاقهم على التمسك بمذهب من المذاهب الأربعة.

 

 

 

محفوظ أحمد: كاتب إسلامي، خطيب في لندن.

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016