الوسطية منهج شرعي للحياة المستقرة

 

 [أولاًأقدِّم إليكم تحية الإسلام الخالدة: السلام عليكم ورحمة الله

ثم أتقدم بالشكر الجزيل لرابطة العالم الإسلامي والجمعيات المشاركة لها في  الفكر والعمل’ حسن رعايتهم للمقاصد الإسلامية ’والمطالب الشرعية، وحفاظهم على الدين وقِيَمه في العالم الإسلامي والأقليات المسلمة، وقيامهم بواجب الأمانة تجاه ملة الاسلام ’ ومن المعلوم  أن الأمة الإسلامية تمرّاليوم بمنعطفات تاريخية خطيرة ’فالواجب  عظيم جداً’ ولاشك ان حماية الإسلام ورعايته تتطلبان منا دائماً النصح والمراجعة ونقد النفس بين حين وآخر ولاسيّما في مجال الوسطية والاعتدال حتى يكون العمل صالحاً صواباً مثمِراً.] 

                          

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على خاتم النبيين , وعلى آله وصحبه أجمعين. أمابعد:

فأعوذبالله من الشيطان الرجيم, بسم الله الرحمن الرحيم, قال الله سبحانه وتعالى : ((وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)).[آل عمران:143].

 والقرآن مملوء من اختيار التوسط للاستقرار في الحياة، مثل: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً} .. { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك, ولا تبسطها كل البسط, فتقعد ملوماً محسوراً} .. {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا, وكان بين ذلك قواماً} .. {واقصد في مشيك واغضض من صوتك} .. وما أحسن  قول سيدنا عيسى في النقد على الآخرين: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} .. {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا, وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} والقصد من كل هذا الاعتدال والتوسط بين الإسراف والتقتير في جميع الأمور . وكماقيل: خير الأمور أوسطها.

 

ماهي الوسطية  لغةً؟

الوسطية تطلق في اللغة على معنيين :

المعنى الأول : بديهي وعام ، يقصد به مجرد التوسط بين شيئين كقولهم :فلان قائم بين اثنين, أو فلان يقوم بدور الوسيط أو الوساطة بين خصمين.

و المعنى الثاني: معنوي,كاالشجاعة وسط بين الجبن والتهور ، والسخاء وسط بين التبذير والتقتير .والإسلام مع أهله وسط بين المسيحية واليهودية,وأهل السنة والجماعة وسط بين الباطنية والخارجية.

وفي الاصطلاح:الوسطية هي الاعتدال في كل أمور الحياة من تصورات ومناهج ومواقف ، وهي تعريف متواصل للصواب في التوجهات والاختيارات ، فالوسطية ليست مجرد موقف بين التشدد والانحلال بل هي منهج فكري وموقف أخلاقي وسلوكي ،ودستور من دساتير الحياة المستقرة, كما ذكر القرآن :” وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ” حيث تشير تلك الآية إلى أهمية الوسطية وتحقيق التوازن في الحياة . ومرجع الوسطية إلى الشرع فما وافق الشرع فهو الوسط فالتشدد في محله وسطية والرفق في محله وسطية كذلك.  فالعقلانية الإسلامية تجمع بين العقل والنقل، والإيمانُ الإسلامي يجمع بين الإيمان بعالم الغيب والإيمان بعالم الشهادة، والوسطية الإسلامية تعني ضرورة وضوح الرؤية باعتبار ذلك خصيصة مهمة من خصائص الأمة الإسلامية والفكرِ الإسلامي ، بل هي منظار للرؤية وبدونه لا يمكن أن نُبصر حقيقة الإسلام، وكأنها العدسة اللامعة للنظام الإسلامي والفكرالإسلامي.

 

والدكتور وهبة الزحيلي يعرّف الوسطية في كتاب له بعنوان ( الوسطية مطلباً شرعياً وحضارياً ) : الوسطية في العرف الشائع تعني الاعتدال في الاعتقاد والموقف والسلوك والنظام والمعاملة والأخلاق، وهذا يعني أن الإسلام بالذات دين معتدل غير جانح ولا مفرط في شيء من الحقائق، فليس فيه مغالاة في الدين، ولا تطرف أو شذوذ في الاعتقاد، ولا تهاون ولا تقصير، ولا استكبار ولا خنوع أو ذل أو استسلام وخضوع وعبودية لغير الله تعالى، ولا تشدد أو إحراج، ولا تساهل أو تفريط في حق من حقوق الله تعالى ولا حقوق الناس، وهو معنى الصلاح والاستقامة .

 

- ميزات الوسطية :
هناك ميزات ومميزات للمجتمع الذي يطبق الوسطية في حياته اليومية ويذكّرون بنقاطها  وصفاتها الأساسية ، ويسندون أراءهم بآيات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وسِيَر الأولين’ فبعضهم سطروا عدة معالم للوسطية منها :

1.الفهم الشمولي التكاملي للإسلام.
2.الإيمان بمرجعية القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة للتشريع والتوجيه.
3.ترسيخ المعاني والقيم الربانية.
4.فهم التكاليف والأعمال فهماً متوازناً يضعها في مراتبها الشرعية وينزل كل تكليف منزلته.
5.تأكيد الدعوة إلى تجديد الفقه القرآني والنبوي في النقاشات ومناهج التعليم وطرق الإلقاء والتدريس والخطابة.
6.التركيز على القيم الأخلاقية التي عني بها الإسلام.
7.تجديد الدين من داخله وإحياء مبدأ الاجتهاد.
8.الموازنة بين ثوابت الشرع ومتغيرات العصر.
9.تبني منهج التيسير والتخفيف في الفقه والفتوى والتطبيق والتحكيم.
10.تطوير مناهج الدعوة إلى الإسلام للمسلمين وغيرهم، مع تبني منهج التبشير في الدعوة ليتكامل مع التيسير في الفتوى. ( كلمات في الوسطية الإسلامية ومعالمها ) .

وغيرها من صفات ،، .
إن الحياة الهادئة لا تصلح بغير توسط في الأمور، وإن التوفيق بين متطلبات الدين وشؤون الدنيا والمصالح العامة والخاصة أمر مرهون بتوافر القدرة على إنجاز المهام كلها.

ولقد أرشد القرآن الكريم إلى ظاهرة التوازن في الأشياء والأعمال والقدرات والممارسات القائمة على صحوة الوجدان، وقوة العزيمة، والتمسك بالحق، والتزام العمل الصالح الذي هو سمة المجتمع المتحضر والمتمدن.

ولعل أبرز ما يبين أهمية الوسطية، كونها مفهوم وظيفي أساسي في التفكير والسلوك البشري، بمعنى أنها بمثابة المقدمة والبوابة الرئيسية لغيرها من المفاهيم والواجبات.
وهذا يعني أن الإنسان لن يتمكن من نيل كمال المعرفة أو السلوك إلا بها، وبالتالي فإن إحرازها والتعلق بها فكراً وسلوكاً، هو الطريق المفضي للكمال الإنساني والرقي البشري.

 

الوسطية من خصائص الأمة الإسلامية  :

قال الله سبحانه وتعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ....)إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين ، فلا هم أهل غلو  كغلو النصارى بالترهب ، وقولهم في عيسى ما قالوا فيه ، ولا هم أهل تقصير فيه ، تقصير اليهود الذين بدّلوا كتاب الله ، وقتلوا أنبياءه ، وكذَبوا على ربهم ، وكفروا به ، ولكن المسلمين أهل توسط واعتدال فيه ، فوصفهم الله بذلك ، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها.

 

وقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير الوسط  تحت هذه الآية: " قالوا إن الوسط هو العدل والخيار ، وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط ، والنقص عنه تقصير وتفريط ، وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة ، فهو شر ومذموم ، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر، أي المتوسط بينهما ".

ومن خلال هذا العرض يتبين لنا فهم واضح محدد لمعنى الوسطية المذكورة في صفة هذه الأمة وكونها أمة الوسطية والاعتدال ’ كما قال الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس}.

وكذا أكد معالي وزير الشؤون الاسلامية والاوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ ان الوسطية والاعتدال هي سمة من سمات الشريعة الاسلامية. وهي منهج وسطي موافق للشرع، وموافق للعقل الصحيح، وقال :ان الشرع الصحيح بنصوصه وقواعده واجتهادات العلماء فيه يدعو الى الوسطية والاعتدال وينهى عن الغلو والمبالغة.

كما قال معاليه: أن الوقت الراهن يتطلب منا الشعور بالمسؤولية، والوقوف بحزم مع متطلبات منهج السلف الصالح، حاملين للأمانة، وحاملين للمنهج الصحيح وعقيدة أئمة السنة والجماعة بحق، وأن نكون خير مؤتمن على ذلك.جاء ذلك في المحاضرة التي ألقاها معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ مؤخرا بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية في الرياض تحت عنوان : (الوسطية والاعتدال وأثرهما على حياة المسلمين).

وملخّص ما قاله أخيراً: نحتاج الى وسط ما بين الغلاة الذين يحكمون دائما بالأسوأ من الاحكام على الاشياء وعلى الاشخاص ويحكمون بالظن ويسيئون النظر ويسيئون الظن ويحكمون على كلمة قالها شخص أو أمر تبنته جهة على الحكم على الجهة كلها، واجب ان يكون المرء متوسطا موازنا بين الايجابيات والسلبيات، موازنا بين المصالح والمفاسد، موازنا في الحكم على الاشياء ما بين الغالي فيها والجاف عنها، فالذي يروم الحكم بدون توسط فإنه يذهب الى الخروج عن اعتدال الشريعة وعن الاعتدال في الأمور، الشخص المسلم الأصل فيه السلامة، الاصل في المسلم السلامة، الاصل في المسلم ولو كان عنده ما لاينبغي من الاعمال والاقوال لكن الاصل فيه السلامة ما ليس الاصل فيه الشك والاصل فيه انه يقول سوءا او يذهب الى سوء، الاصل في الافكار التي يطرحها مسلم ان يكون ديدنه فيها حب الخير وليس ديدنه فيها حب الشر او حب المخالفة او الوقيعة او الافساد ولكن ديدنه في ذلك الخير من حيث الافكار الا ان ثبت خلاف ذلك من قول صريح او عمل صريح فانه حينئذ يكون خلاف ذلك، النوايا والمقاصد يجب اعتبار الظاهر فيها وان لا نحكم على نوايا ومقاصد الناس باعتبار ظاهر سلوكي او ظاهر قولي لان النوايا والمقاصد علمها عند الله - جل وعلا - ويجب علينا الحذر من ان نظن سوءا بالناس والله - جل وعلا - يقول:(اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم)، وقال عليه الصلاة والسلام فيما جاء في الحديث لما جاءت الشهادة قال:(هل رأيت الشمس) قال نعم، قال(على مثلها فاشهد أو فدع)، الوسطية في التفكير مطلوبة، تفكير الشباب اليوم بل تفكير الناس بل حتى تفكير بعض الخاصة نراه متفرقا متشعبا بين عقل جامد او عاطفة جامحة العقل والادراك والعقل والاتزان مطلوب لكن مع عدم الغاء العاطفة، والعاطفة مطلوبة العاطفة الجياشة مطلوبة، التعاطف مطلوب، الحماس للدين مطلوب لكن مع العقل السليم ورعاية النص فمن جعل عاطفته حكما عليه في كل تصرفاته دون رجوع الى علم ودون رجوع الى اهل العلم الراسخين فيه ودون رجوع الى توجيهات من ولي الامر او على قواعد شرعية مبنية فانه حينئذ يروم عاطفة كما رامها الخوارج، او كما رامها المعتزلة، او كما رامها اهل الأهواء، فأهل الأهواء ما الذي اوقعهم في اهوائهم الا العاطفة التي لم تنضبط بنص، ولم تنضبط بمنهج، خالف الخوارج الصحابة فقتلوا خير الناس في زمنهم وهو علي رضي الله عنه، من قتل عليا، ماقتله أعداء الاسلام، إنما قتله رجل يقوم الليل، ويصوم النهار، هو عبدالرحمن ابن ملجم الخارجي.

وهنا نستطيع أن نُقدم ملامح ومعالم وخطوط واضحة  للاعتدال والوسطية والاستقرار في جوانب الحياة من القرآن والسنة بالاختصار’مثلاً:

الآيات العامة في الاعتدال والتوسط:

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة:2/143].

وقال تعالى: {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً (2) كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَاعْفُ عَنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا، أَنْتَ مَوْلانَا، فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:2/286].

وقال سبحانه: {وَابْتَغِ (3) فِيمَا ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:28/77].

 

الآيات التي ذكرت التوسط في أمر العقيدة والفكر:

قال تعالى: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً} [النساء:4/27].

وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ، وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ، إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ؛ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ , انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ، إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} [النساء:4/171].

وقال تعالى: {لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر:40/43].

 

الآيات التي ذكرت التوسط في العبادات:

قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:2/185].

وقال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا} [البقرة:2/286].

وقال تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ، وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، وَلا تُسْرِفُوا، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام:6/141].

قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:64/16].

 يقول الله تعالى:[ ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الأخرة حسنةً ]

 

الآيات التي ذكرت التوسط في المعاملات الاجتماعية:

قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً} [النساء:4/28].

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة:5/8].

وقال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف:7/31].

وقال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف:7/32].

وقال تعالى: {وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ} [الشعراء:26/151].

وقال تعالى: {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ، وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان:31/18].

وقال تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ؛ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان:31/19].

 

 

الآيات التي ذكرت التوسط في المعاملات المالية:

قال تعالى: {وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً(26)إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً} [الإسراء:17/26-27].

وقال تعالى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ، وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ؛ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً} [الإسراء:17/29].

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان:25/29].

وقال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:59/9].

 

وأما الاعتدال والوسطية في أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي واضحة المعالم، جلية المفهوم، وفيما يأتي طائفة منها:

الأحاديث النبوية العامة التي ذكرت التوسط والاعتدال:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ(4) وَالرَّوْحَةِ(5) وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ(6) "(7).

وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ _ أي إلى الله سبحانه وتعالى _ مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ "(8).

وعَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَاماً، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ، ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمْ الآنَ فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " صَدَقَ سَلْمَانُ "(9).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ الْمُزَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " السَّمْتُ الْحَسَنُ، وَالتُّؤَدَةُ، وَالاقْتِصَادُ؛ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً مِنْ النُّبُوَّةِ "(10).

وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعاً، فإنه يبلِّغه إلى الأخرى، ولا تكونوا كلاً على الناس "(11).

وأما الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في العبادات بوجه عام، فإليكم بعضها:

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: مَنْ هَذِهِ قَالَتْ فُلانَةُ تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا، قَالَ: " مَهْ(12)، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ"(13).

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ "، قَالُوا: لِزَيْنَبَ تُصَلِّي، فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ، فَقَالَ: " حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ قَعَدَ "(14).

عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه يَقُولُ: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ!!!، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَداً، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَداً، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: " أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي "(15).

عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ: (كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَكَانَتْ صَلاتُهُ قَصْداً وَخُطْبَتُهُ قَصْداً)"(16).

الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في عبادة الصلاة:

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، فِي قَوْلِهِ سبحانه وتعالى: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ}، قَالَ: (نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ}، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ قِرَاءَتَكَ، {وَلا تُخَافِتْ بِهَا}، عَنْ أَصْحَابِكَ، أَسْمِعْهُمْ الْقُرْآنَ، وَلا تَجْهَرْ ذَلِكَ الْجَهْرَ، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}، يَقُولُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ)(17)، فإذا كان صوت قراءة القرآن يحتاج لاعتدال ووسطية، فما بالك بسائر مناحي الحياة والمناشط الدنيوية.

عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " يَا عَبْدَ اللَّهِ لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ "(18).

الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في عبادة الصوم:

عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟!"، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " فَلا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ "، فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: " فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ سبحانه وتعالى، وَلا تَزِدْ عَلَيْهِ "، قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ الله دَاوُدَ سبحانه وتعالى، قَالَ: " نِصْفَ الدَّهْرِ "، فَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"(19).

عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَضَعُفَ ضَعْفاً شَدِيداً، وَكَادَ الْعَطَشُ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَجَعَلَتْ نَاقَتُهُ تَدْخُلُ تَحْتَ الْعِضَاهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: " ائْتُونِي بِهِ "، فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ: " أَلَسْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَفْطِرْ "، فَأَفْطَرَ(20).

الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في النذر:

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اله عنهما قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلا يَقْعُدَ وَلا يَسْتَظِلَّ وَلا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ "(21).

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ قَالَ حَدَّثَتْنِي مُجِيبَةُ عَجُوزٌ مِنْ بِاهِلَةَ عَنْ أَبِيهَا أَوْ عَنْ عَمِّهَا، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِحَاجَةٍ مَرَّةً، فَقَالَ: " مَنْ أَنْتَ "، قَالَ: أَوَ مَا تَعْرِفُنِي، قَالَ: " وَمَنْ أَنْتَ "، قَالَ: أَنَا الْبَاهِلِيُّ الَّذِي أَتَيْتُكَ عَامَ أَوَّلٍ، قَالَ: " فَإِنَّكَ أَتَيْتَنِي وَجِسْمُكَ وَلَوْنُكَ وَهَيْئَتُك حَسَنَةٌ، فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى ؟! "، فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَفْطَرْتُ بَعْدَكَ إِلا لَيْلاً، قَالَ: " مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ؟! مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ؟! مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ؟! _ ثَلاثَ مَرَّاتٍ _ صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ رَمَضَانَ "، قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي، فَقَالَ: " فَصُمْ يَوْماً مِنْ الشَّهْرِ "، قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي، قَالَ: "فَيَوْمَيْنِ مِنْ الشَّهْرِ"، قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي، قَالَ: "وَمَا تَبْغِي عَنْ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَيَوْمَيْنِ فِي الشَّهْرِ"، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي، قَالَ: " فَثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ الشَّهْرِ "، قَالَ: وَأَلْحَمَ عِنْدَ الثَّالِثَةِ، فَمَا كَادَ قُلْتُ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي، قَالَ: " فَمِنْ الْحُرُمِ وَأَفْطِرْ "(22).

 

الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في الحج:

عن ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: " هَاتِ الْقُطْ لِي(23) "، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: " بِأَمْثَالِ هَؤُلاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ "(24).

 

الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في العقيدة:

عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ _ وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم _ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيراً، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " وَمَا ذَاكَ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيراً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ؛ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً " ثَلاثَ مَرَّاتٍ(25).

 

الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في قراءة القرآن:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بقَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: " اخْتِمْهُ فِي شَهْرٍ "، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " اخْتِمْهُ فِي عِشْرِينَ "، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " اخْتِمْهُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ "، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " اخْتِمْهُ فِي عَشْرٍ "، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " اخْتِمْهُ فِي خَمْسٍ "، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَمَا رَخَّصَ لِي(26).

 

وفي العلاقات الاجتماعية وردت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين التوسط والاعتدال، منها:

عَنْ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " كُلُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَالْبَسُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلا مَخِيلَةٍ "(27).

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلا يُنْفِقُ عَلَيَّ وَوَلَدِي مَا يَكْفِينِي، أَفَآخُذُ مِنْ مَالِهِ وَلا يَشْعُرُ؟ قَالَ: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدِكِ، بِالْمَعْرُوفِ "(28)، أي من غير زيادة وإفراط.

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أَهْلَهُ قُوتاً فِيهِ سَعَةٌ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أَهْلَهُ قُوتاً فِيهِ شِدَّةٌ، فَنَزَلَتْ: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} (29).

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ "(30).

 

وفي الوصاية على اليتيم، ورد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطار الوسطية والاعتدال:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لا أَجِدُ شَيْئاً، وَلَيْسَ لِي مَالٌ وَلِي يَتِيمٌ لَهُ مَالٌ، قَالَ: "كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلا مُتَأَثِّلٍ مَالاً "، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: "وَلا تَقِي مَالَكَ بِمَالِهِ"(31).

 

وفي المحبة والمودة طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤمن أن يكون على حال من الاعتدال والتوسط:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: (أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا) (32).

وفي مقام الموعظة والإرشاد، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المعتدلين والمتوسطين:

عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ _ يعني ابن مسعود رضي الله عنه _ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: (أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا)(33).

 

والدعوة إلى التوسطية والاعتدال لم تقتصر على نصوص القرآن والسنة، بل وردت هذه المعاني في أقوال الصحابة والتابعين وأعمالهم، فمن آثارهم:

قول عبد الله بن عمرو بن العاص: (احرز لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) (34).

وروي عن الإمام الأوزاعي أنه قال: (ما من أمرٍ أَمَر الله به إلا عارضه الشيطان فيه بخصلتين، لا يبالي أيهما أصاب الغلو والتقصير) (35).

 

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016