نظرة على شبهات حول التقليد والتمسك بالحديث (3)

نظرة على شبهات حول التقليد والتمسك بالحديث (3)

 

وأما من الشافعية: فقد تعرض لهذا القول باختصارٍ الإمامُ النوويُّ –رحمه الله تعالى- في((تهذيب الأسماء واللغات)) (1/51) فقال: "احتاط الشافعي –رحمه الله- فقال ما هو ثابت عنه من أوجه من وصيته بالعمل بالحديث الصحيح، وترك قوله المخالف للنص الثابت الصريح، وقد امتثل أصحابنا –رحمهم الله- وصيته وعملوا بها في مسائل كثيرة مشهورة، كمسألة التثويب في آذان الصبح، واشتراط التحلل في الحج بعذر المرض ونحوه، وغير ذلك مما هو معروف. ولكن لهذا شرط قلَّ من يتصف به في هذه الأزمان، وقد أوضحته في مقدمة شرح المهذب."

 

وإليك ملخص ما قال في مقدمة ((المجموع شرح المهذب)). قال –رحمه الله-: "هذا الذي قاله الشافعي: ليس معناه أن كل أحد رأى حديثاً صحيحاً قال: هذا مذهب الشافعي، وعمل بظاهره، وإنما هذا فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب، وشرطه أن يغلب على ظنه أن الشافعي لم يقف على هذا الحديث، أو لم يعلم صحته. وهذا يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها ونحوه من كتب أصحابه الآخذين عنها وما أشبهها. وهذا شرط قلَّ من يتصف به، وإنما اشترطوا ما ذكرنا لأن الشافعي –رحمه الله- ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها وعَلِمَها، لكن قام الدليل عنده على طعن فيها أو نسخها أو تخصيصها أو تأويلها أو نحو ذلك."

 

وأما من المالكية: فقد بيَّن الإمام الحجة الأصولي شهاب الدين أبو العباس القرافي المالكي –رحمه الله- في كتابه ((شرح التنقيح)) بيان حال المتأهل لهذا المقام، فقال: "كثير من فقهاء الشافعية يعتمدون على هذا ويقولون: مذهب الشافعي كذا؛ لأن الحديث صحَّ فيه، وهو غلط، لأنه لا بد من انتفاء المعارض، والعلم بعدم المعارض يتوقف على من له أهلية استقراء الشريعة حتى يحسن أن يقال: لا معارض لهذا الحديث، أما استقراء غير المجتهد المطلق فلا عبرة به. فهذا القائل من الشافعية ينبغي أن يحصل لنفسه أهلية الاستقراء قبل أن يصرخ بهذا الفتيا." أي إذا أردنا أن ننسب إلى مذهب الشافعي حكماً بناءً على صحة حديث فيه، فلا يجوز لنا أن ننسبه إليه إلا بعد تتبعنا تتبعاً كاملاً، ليحصل لنا علم جازم بعدم وجود دليل آخر يعارضه، ولا يحصل العلم بعدم وجود دليل معارض له إلا لمن له أهلية استقراء الشريعة كاملة، لا الأحاديث فقط، وهذا لا يكون إلا للمجتهد دون سواه.

 

فإن قيل: فما مراد الأئمة من تقرير هذه الكلمة وما شابهها في نفوس أصحابهم فمن بعدهم؟ فالجواب ما قاله الشيخ حبيب أحمد الكيرانوي –رحمه الله- في كتابه الممتع ((قواعد في علوم الحديث)) (صـ 64): "حقيقة هذه الأقوال هو إظهار الحقيقة الواقعة بأن الحجة هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا قولي، فلا تظنوا قولي حجةً مستقلةً، وأنا أبرأ إلى الله مما قلته خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الحقيقة لا تستلزم ما نسب هذا القائل إليه –أي الشافعي- رحمه الله من تجويز نسبة كل قول صح الحديث فيه عند كل قائل، فاعرف ذلك ولا تغتر بأمثال هذه الكلمات...." إلى آخر كلامه المتين الدقيق.

 

خلاصة هذا الجواب عن هذه الشبهة من كلام هؤلاء الأئمة: أنه لا يصل إلى رتبة ادعاء نسبة حكم ما إلى مذهب الإمام بناءً على قوله المذكور، إلا من وصل إلى رتبة الاجتهاد أو قاربها. وبهذا يتبين أنه لا يحقُّ لأمثالنا أن يعمل بمجرد وقوفه على حديث ما –ولو كان صحيحاً- ويدعي أنه مذهب أبي حنيفة أو غيره، وأنه إذا عمل به فقد عمل بمذهب معتبر لإمام معتبر. ويتبين أيضاً أن جماعة من كبار العلماء السابقين عملوا بظاهر هذا القول: فغلطهم من بعدهم، أو اضطر تطبيقهم فما على العاقل إلا الاعتبار، ودين الله –عز وجل- أن يترك ألعوبةً للعابثين، بحجة العمل بالسنة من غير متأهل!. ولكل ميدان رجاله، ولا يجوز لأنسان أن يتعدّى طوره.

 

 

 

 

 

محفوظ أحمد: كاتب إسلامي، خطيب في لندن.

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016