نظرة على شبهات حول التقليد والتمسك بالحديث (2)

 

الشبهة الأولى: قال الإمام أبو حنيفة وغيره من الأئمة المتبوعين – رضي الله عنهم -: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وها قد صح الحديث، فهو في الصحيحين – مثلا – فإن عملنا به، نكون قد عملنا بسنة ثابتة، وعملنا بمذهب إمام معتبر من أئمة المسلمين، ولا يليق بمنطق العلم أن نقول: مذهب أبي حنيفة هو الذي دون عنه في كتب مذهبه فقط!.

 

والجواب أن نقول: إن كلمة ((إذا صح الحديث فهو مذهبي)) قالها الإمام أبو حنيفة وغيره من الأئمة، بل هي لسان حال كل مسلم عقل معنى قول ((لا إله إلا الله محمد رسول الله)). غير أن مرادهم من قولهم هذا هو: إذا صح الحديث للعمل به فهو مذهبي. وندع توضيح هذا إلى عدد من الأئمة في مذاهبهم الثلاث: الحنفي والشافعي والمالكي، قد بينوا أن هذا هو المراد كما بينوا من يصلح لذلك.

 

أما من الحنفية: فقد قال العلامة ابن الشحنة الكبير الحلبي الحنفي في أوائل شرحه على ((الهداية)) ما نصه: إذا صح الحديث وكان على خلاف المذهب، عمل بالحديث، ويكون ذلك مذهبه، ولا يخرج مقلده عن كونه حنفيا بالعمل به، فقد صح عنه – عن أبي حنيفة – أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وقد حكى ذلك ابنُ عبد البر رحمه الله تعالى عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة. انتهى كلام ابن الشحنة. (حاشية ابن عابدين على در المختار: 1/67)

 

ونقل كلامه هذا العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى وعلق عليه بقوله: ونقله أيضاً الإمام الشعراني رحمه الله تعالى عن الأئمة الأربعة. ولا يخفى أن ذلك لمن كان أهلاً للنظر في النصوص، ومعرفة محكمها من منسوخها، فإذا نظر أهل المذهب في الدليل وعملوا به، صح نسبته إلى المذهب؛ لكونه صادراً بإذن صاحب المذهب، إذ لا شك لو علم بضعف دليله رجع عنه واتبع الدليل الأقوى. (المرجع السابق: 1/68)

 

يقول المحدث الناقد الشيخ محمد عوامة حفظه الله تعالى: نحب هنا أن نلفت النظر إلى أمرين: أحدهما: أن بعض إخواننا من المسلمين نقل كلام ابن الشحنة هذا عن حاشية ابن عابدين، وأوهم الناس أن ابن عابدين سكت عنه، وأفهمهم أن هذا هو رأي علماء المذهب، ولا سيما ابن عابدين رحمه الله تعالى الذي هو من المحققين المتأخرين في المذهب. كما فعلوا مثل ذلك في نقلهم عبارات كهذه عن ((الميزان الكبرى)) للشعراني رحمه الله تعالى، وتستروا وراء كلامه، وقالوا للناس: إنه عالم معتبر صوفي مقبول كلامه عند أتباع أئمة المذهب! وهو كلام حق أريد به الباطل، ولبس ثوب باطل.

 

ثانيهما: أن قول ابن عابدين رحمه الله تعالى في تعليقه على كلام ابن الشحنة: ((ولا يخفى أن ذلك لمن كان أهلا...)) قول له أهميته البالغة؛ إذ إن كلمة ((ولا يخفى)) هي بمنزلة قولنا نحن في مخاطباتنا اليوم: وبديهي. فهو رحمه الله يعتبر هذا التقييد من الأمور البديهيات المسلمات، ومما لا يجوز التغافل عنه أو التوقف في قبوله، فمن البديهيات – مثلاً – قول القائل: الشمس طالعة يفيد أن الوقت نهار لا ليل، فكذلك قول الإمام: إذا صح الحديث فهو مذهبي يفيد إفادة بديهية مسلمة لا توقف في قبولها: أن ذلك لمن كان أهلا للنظر في النصوص ومعرفة ناسخها ومنسوخها وغير ذلك، فلا يجوز للجهلاء أو (أنصاف) المتعلمين المغرورين أن يتجرؤوا على هذا المقام!. وقد أغفل هؤلاء المشوشون هذا القيد الذي لا بد منه، وإنا لله وإنا إليه راجعون!

 

ونقل كلام ابن الشحنة وتقييد ابن عابدين في حاشيته العلامة الشيخ عبد الغفار عيون السود الحمصي (1290-1349) في رسالته النافعة الماتعة ((دفع الأوهام عن مسألة القراءة خلف الإمام)) وقال: هي تقييد حسن؛ لأنا نرى في زماننا كثيراً ممن ينسب إلى العلم مغترا في نفسه، يظن أنه فوق الثريا وهو في الحضيض الأسفل، فربما يطالع كتاباً من الكتب الستة – مثلا – فيرى فيه حديثاً مخالفاً لمذهب أبي حنيفة فيقول: اضربوا مذهب أبي حنيفة على عرض الحائط، وخذوا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يكون الحديث منسوخاً أو معارضاً بما هو أقوى منه سنداً، أو نحو ذلك من موجبات عدم العمل به، وهولا يعلم بذلك، فلو فوض لمثل هؤلاء العمل بالحديث مطلقا: لضلوا في كثير من المسائل، وأضلوا من أتاهم من سائل.

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016