خصائص الفقه الحنفي (2)

- الترجيح بين الأحاديث المتعارضة ظاهراً:

كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى يعمل بالترجيح بين الأحاديث المتعارضة إذا لم يمكن التطبيق وأمكن الترجيح. وللترجيح وجوه متعددة، ليس هذا موضع تفصيلها. وكان الإمام رحمه الله تعالى ربما يرجّح أحد الأحاديث بحفظ راويه وفقهه.

مثال ذلك: اختلفت الروايات في رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه. فقد رجّح الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى روايات عدم الرفع على أصوله. وقد جرى بينه وبين الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى في ذلك محادثة لطيفة، يتضح منها منهج الإمام أبي حنيفة في الاجتهاد والأخذ بالحديث. اجتمع أبو حنيفة والأوزاعي في دار الحناطين بمكة. فقال الأوزاعي لأبي حنيفة: ما بالكم – وفي رواية: ما بالكم يا أهل العراق – لا ترفعون أيديكم في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيء، قال: كيف لا يصح؟ وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه. فقال له أبو حنيفة: وحدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ولا يعود لشيء من ذلك. فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري عن سالم عن أبيه، وتقول: حدثني حماد عن إبراهيم؟! فقال له أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر في الفقه، وإن كانت لابن عمر صحبة وله فضل، فالأسود له فضل كثير، وعبد هو عبد الله. فسكت الأوزاعي رحمه الله تعالى. (فتح القدير؛ ابن الهمام، 1/219، المكتبة الرشيدية، كوئته، باكستان، وعقود الجواهر المنيفة؛ الزبيدي، 1/58، إيج إيم سعيد كمبني، كراتشي، باكستان)

قال السرخسي بعد حكايتها وتبعه ابن الهمام في "الفتح" : إن أبا حنيفة رحمه الله تعالى رجّح روايته بفقه الرواة، كما رجّح الأوزاعي رحمه الله تعالى بعلوّ الإسناد، وهو المذهب المنصور عندنا؛ لأن الترجيح بفقه الرواة، لا بعلوّ الإسناد.

وهذا هو مذهب الفقهاء المحدثين، ويتضح ذلك من قول الإمام الأعمش رحمه الله تعالى: حديث يتداوله الفقهاء خير من حديث يتداوله الشيوخ. وقال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: الفقهاء أعلم بمعاني الحديث.

5- حمل الأحاديث المتعارضة ظاهراً على محامل متعددة:

وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ربما يحمل الأحاديث المتعارضة على محامل متنوعة إذا لم يمكن التطبيق والترجيح؛ ليعمل بجميع الأحاديث الواردة في في المسألة في الجملة. مثال ذلك: اختلفت الروايات في الوقت المستحب للفجر. فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى الفجر بالأسفار، وقال: إنه أعظم للأجر، وروي أنه صلى الله عليه وسلم صلّى الفجر بالغلس. وكل ذلك مروي بسند صحيح. فقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: يعتبر في الوقت المستحب للفجر حال المصلين. فلو كان في أداءه بالغلس مصلحة للمصلين – مثل إذا كان أهل قرية المسجد كلهم متهجدين أو متسحرين كما في رمضان وفي أداء الفجر في أول وقته يسر لهم – فالأفضل هو التغليس، ولو كانت المصلحة في أداءه بالأسفار – كتكثير المصلين إذا لم يكونوا من المتهجدين – فالأفضل هو الإسفار. ولذلك وردت السنة في ذلك متنوعة.

قال الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله: يبدو للباحث أن الانصراف من صلاة الفجر في الغلس لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم دائماً، بل كان ينوع، فتارةً ينصرف في الغلس، وتارةً ينصرف حين تتميز الوجوه وتتعارف. (إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل؛ الألباني، 1/279-280)

وراجع للتفصيل: سيرة النعمان للشيخ شبلي النعماني رحمه الله، صـ 160-205، وسفر در سفر لشيخ الإسلام تقي العثماني حفظه الله تعالى، صـ 181-182، ومقدمة تنظيم الدراية للعلامة جنيد البابونغري حفظه الله تعالى، صـ 22-23، وما إلى ذلك من الكتب الممتعة المتعلقة بهذا البحث.  

______

محفوظ أحمد: كاتب إسلامي، خطيب في لندن.

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

مقالات متعلقة بالموضوع
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016