من الرابح في حروب سوريا والعراق؟

تشهد كل من سوريا والعراق أحداثا دموية ساخنة مروعة ليس لها مثيل في تاريخنا المعاصر، حروب طاحنة بين الشعوب والحكام بدعم دولي وإقليمي، أذرع تتفرج من الأحداث تدعم الحكومة وأخرى تدعم الشعوب المنكوبة، ومن طرف آخر وسائل إعلام عملية مشبوهة تبذل جهودها لتسخين الأوضاع وتشعيلها وتصعيد العنصرية والطائفية بإثارة الخلافات المذهبية والتمييز العنصري حتى تبذر بذور الحقد والشحناء بين المكون السني والشيعي.

إن الذين يقتلون ويُقتلون هم من المسلمين ليس فيهم يهودي ولا مسيحي ولا أي من ينتمي إلى أي ديانة أخرى، فالمسلم يقتل المسلم، والمسلم يهدم بيت المسلم على رأسه دون أي محاسبة وإدانة، إنه جهاد في غير جهاد، نضال في غير عدوّه كما عبرّ الإمام أبو الحسن الندوي رحمه الله قبل أن تسخن الأحداث.

إن الذين يُقتلون لا يُقتلون لأنهم إرهابيون كما يصوّر الإعلام الغربي العميل، بل لأجل دفاعهم عن وطنهم المحتل، إنهم لا يقتلون إلا لأنهم قالوا ربنا الله ثم استقاموا وأبوا إلا أن يكونوا مسلمين، إن الحرب ليست على الإرهاب كما يدعيها الحكومات العميلة والغرب الصهيوني إنها حرب صليبية محضة لاستئصال شأفة المسلمين، واحتلال أراضيهم وغصب ممتلكاتهم وزهق أرواحهم، إنهم معارضون يعارضون الحكومة ويطالبونها لحقوقهم المهضومة.  والمعارض ليس إرهابيا في قاموس الغربيين، بل له حق المعارضة، ولكن في بلاد المسلمين المعارض إرهابي يجب دحره وقتله. فالحكومة لها الحق لدحر الشعوب المعارضة والشعوب المعارضة لها الحق لرفع السلاح ضد الحكومة، فحرب في غير حرب، الحكومة تقتل الشعب والشعب يقتل الحكوميين دون أن يخرج أي منهما رابحا، والحرب سجال يوما لهذا ويوما لذاك. فمن الرابح إذن يا ترى؟ّ!

إن المتتبع لما يجري في هذه الدول يدرك تماما أن الرابح الوحيد لهذه الأحداث ليس المكون الشيعي ولا المكون السني، بل هما ضحية هذه الأحداث تزهق أرواحهم، وتهدم بيوتهم، وتهدر أموالهم، لا السني يغلب الشيعي ولا الشيعي يغلب السني، بل قتل ودمار وانتهاك من كلا الطرفين، بلادهما تدمر والحرب بينهما سجال. إن الذي يربح من هذه الحرب الطاحنة الشرسة ليس إلا الغرب الصهيوني وأوربا وإسرائيل، إنهم قد تكافئوا على محاربة الإسلام وقطع دابر المسلمين، وكفاهم المسلمون مؤونة ذلك.

 لا نذهب بعيدا ولا ندرس تاريخهم الأسود المليء بالأحداث الدموية بل يكفينا خطاب بوش العنصري إن الحرب على العراق  صليبية، ويكفينا خطاب الكنيسة الروسية عندما أجلبت بخيلها ورجلها لدحض الشعب السوري ومحوها من الوجود إن الحرب على سوريا حرب مقدسة. إن معنى هذه التصريحات المفتوحة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، فكلتا الإمبراطوريتين العظيمتين الصليبيتين تريد القضاء على الإسلام وترى هذه الحرب مقدسة، لأنها حرب ليست على المسيحية ولا على اليهودية ولا على الإرهاب؛ إنها حرب حقيقية ضد الإسلام، إنها حرب صليبية بمعنى الكلمة، ليس الإرهاب إلا ذريعة، ليس الإرهاب إلا ستارا على الجرائم والمجازر التي ترتكبها هذه القوى بمساندة من عملاءها الصهيون والذين تستروا بالإسلام لاستدامة ملكهم ودحر شعوبهم، وإكمال مشاريع أسيادهم الصهيون.

إن هذه الحرب الكونية  ـ إن صح التعبير ـ التي لا يباد فيها إلا المسلم ولا تدمر إلا بلاد المسلم ولا تهدم إلا بيوت المسلم، تعود بفائدة كبيرة للغربيين والصهيون وتحقق لهم أهدافا كثيرة، نجمل أهم الأهداف فيما يلي:

  1. تشويه سمعة الإسلام وأنه دين الإرهاب، وأن المسلمين يتقاتلون فيما بينهم فكيف هم بالنسبة للآخرين، وهذا يمنع تدفق سير الإسلام في البلاد الأوربية والأمريكية، وتصور المسلمين وحوشا تأكل بعضها بعضا.
  2. إبادة المسلمين وتدمير القوة الإسلامية الناهضة بسلاحهم أنفسهم، وإنهاكهم.
  3. تمكين أرض إسرائيل وحمايتها، بالطبع فإن المسلمين يقتل بعضهم بعضا ولا يجدون أي فرصة لضرب إسرائيل بل ربما يساندون إسرائيل لضرب عدوهم المسلم.
  4. تضعيف الدول الإسلامية وإشلال قواها، فكم ضعفت سوريا والعراق القويتان الفتيتان وكم ضعفت الدول الإٍسلامية التي دعمت هذه الحكومات أو مخالفيها، وكم هدرت من أموالها؟
  5. إبقاء الدول الإسلامية الناهضة التي بدأت بوارق القوة فيها بادية كدول على تبعيتها للغرب.
  6. تدمير البنى التحتية للاقتصاد لهذه الدول، لئلا تنهض من جديد وتتخلف سنونا بل قرونا إلى الوراء.
  7. إدخال الدول الإسلامية في هذه الحروب، بجعل الحرب طائفية فالدول السنية تتدخل لدعم أهل السنة والدول الشيعية تتدخل لدعم الشيعة، وبالتالي تدخل معظم الدول الإسلامية في الحرب وتضعف بعضها بعضا وتكفي الغرب والصهيونية مؤونة الحرب والإبادة واجتياح المسلمين.
  8. وقف المد الإسلامي في البلاد الأوربية، حيث بدأ الناس يدخلون في دين الله وهذا ما جعل الغرب يضطرب ويتململ ويخاف على مستقبله من دخول المسلمين في الإسلام، فيمثل المسلمين إرهابيين حتى لا يدخل الناس في دين الله.

يبدو أن هذه الحرب تتواصل حتى تأكل الأخضر واليابس، وتجتاح نفوسا أكثر إن لم يبادر عقلاء العالم لوقفها،  وقد بدأت بوادر الحرب تدق معاقل الغربيين أنفسهم، مما زاد في تعقد الأوضاع وجعل قادة الغرب في اضطراب على مستقبلهم.

إنه لا مستقبل للغرب ما دام العالم الإسلامي يعيش في حروب ونزاعات، وإن من يصفهم الغرب بالإرهابيين يهددون الآن حصونهم المنيعة. إن عقلاء الغرب إن لم يقدموا على وقف العمليات الإرهابية في البلاد الإسلامية، ولم يدرسوا علل الإرهاب والتطرف دراسة منصفة، وركّزوا على طبول الحرب، فإن الإرهاب سيتحول إلى كابوس لا يترك صغيرا ولا كبيرا، يقول فضيلة الشيخ عبد الحميد ـ إمام وخطيب أهل السنة في إيران ـ مخاطبا الغربيين: "إن تركيزكم على طبول الحرب بدل دراسة أساب علل الإرهاب والتطرف، في الحقيقة يزيد من التطرف والإرهاب في العالم. أقول بصراحة، إن السياسات التي اتبعتموها حتى الآن لمواجهة التطرّف كانت خاطئة وفاشلة".

إن الحل الحقيقي لما يجري في سوريا والعراق ليس الركض وراء القوى الدولية، والتخطيط بالتنسيق مع القوى المعادية وأذرع الشر على حساب المخالف، وضربه في الصميم، فإذا كانت أمريكا تساند قوى معارضة فإن روسيا هي الأخرى تساند قوى مخالفة أخرى على حساب الآخر، فالحرب تبقى على قدمها وساقها، والرابح روسيا أو أمريكا ليس إلا.

إذن ليس الحل في تصعيد الصراع، بل الحل يكمن في أن يجلس عقلاء العالم الإسلامي وعلماءه على طاولة التفاوض، ويتحمل بعضهم بعضا ويتحدوا على القواسم المشتركة، ويتكافئوا تجاه عدو واحد. بالنسبة لنا هذه الحرب هي هجوم غير إنساني على الإسلام. ولا شك أن انتشار فوضى والبلبلة في سوريا والعراق ليس اعتداءً على سوريا والعراق وغيرها من البلدان فحسب بل اعتداء على كل مسلم يعيش في شرق العالم أو غربه. إذن قضية سوريا والعراق قضية كل مسلم، فليتحد المسلمون، ولا يتنازعوا فيفشلوا وتذهب ريحهم. الآيات القرآنية والأحاديث النبوية كلها تؤكد على ضرورة الوحدة وتنهى عن التفرق واختلاف الكلمة.  وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال46). وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (الأنعام153) كما نهى الله الأمة عن التفرق واختلاف الكلمة ؛ لأن ذلك من أعظم أسباب الفشل وتسلط العدو كما في قوله جل وعلا : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (آل عمران103) وقوله تعالى : ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ (شورى 13).

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016