يومَ زُفَّتْ إلى عَرِيسِها...!

كان أمراً مكنوناً بين جنبَات القلب، ولم يكن ليطلعّ عليه أحد غير الله، خالقه وخالقها، ولكن الكيل قد طفحَ! والأمر عن التحمل قد فاض! فلا مفرّ من بيانه وتبيانه ليخفِّف عن مكنونات صدره وأثقال فؤاده.

في إحدى ربيع السنوات الماضية، قبل 15 سنة تقريباً، بدأ بشعور غريب تجاهها، شعورٌ لم تتسنَّ له تجارب الحياة وأعمار السنّ أن يفهم مراميه، ولم يكن لأعجميٍّ مثله أن يشعر بمثله، ولا كان لشبَهه أن يقع في فخه، ولكن الله تعالى قدَّر ،وما شاء فعل، وحدثَ ما لم يكن في الحسبان! ونزل به ما كان بعيداً في الخيال.

شعر بحب عارم لا يملك دفعه تجاهها، وهذا ليس بغريب على فتى يافع بدأ يرى الحياة في صورتها الحقيقيَّة بعد أن كان يراها مثاليَّة كعالَم مثال أفلاطون، ولكن الغريب في الموضوع أنه لم ير هذه التي وقع في حبها قط، ولم يقترب يوماً منها، ولم يتحدث وقتاً إليها، بل الحقيقة أنه لا يفهم لغتها، ولم يتربَّ على منابتها، ولم يرتع في مراتعها، وكل ما في الأمر أنه سمعُ الناس يكثِرون عليها من المدائح، ولا يبخلون في بيان المحاسن والفضائل، فوقع فيما وقع! ولا رادَّ للقضاء ...

منذاك الوقت يصبِح على حبها، ويمسِي على وجْدها، وأضحَى على نوالها، ويغدو على تذكارها، فيكبُر مع مرور الأيام وكرور الأعوام على ودادها وهواها... فيا له من فتىً أعجميّ عجيب الأمر! غريب الطور!

فلا يقولنَّ قائل: كيف يصحّ لطالب علمٍ شرعيٍّ أن يقع في شيء رزيئ كهذا؟

لأن الإنسان، يا أخي القائل السائل! ليس بآلات ومعدات وأجهزة تتحكم فيها كما تريد، تجلس من بعيد بالمِحكَم وتغلق الجهاز متى أردت، وأين شئت!! ليس أمر الإنسان بهذا يا صديقه! وإنْ كنتَ تظنّ أنك تستطيع أن تُحكِم قبضاتك في شريان الحب فكبِّر على هذا الظن أربعاً، ووارِه التراب في جنح الليل الحالك؛ كي لا يتبيَّن ضياعك في أنظار الآخرين، فتسقط من أعينهم!

زِدْ إلى ذلك أن الذي وقع فيه قبل أن يدرك منكونات الحب وأسرار الصبابة وآلامهما! فهل يصحّ لك أن تقول ، بعد كلِّ هذا، أن تقول ما قلتَ؟ إنه سائلك فأجبْه أيها المخنَّث!

وهل أغلِق باب الحب على من يطلب علم الشريعة!!

أليس للحب مذاهب غير ما ذهبتَ إليه!!

نعم، قد قال فيما قال: إنه وقع في جرعات الحب قبل أن يدرك شدّتها وصرامتها ومآلاتها وتنائجها، وما يودي به هذا الأمر من المصائب والشدائد التي يكابدها وحده دون أن يتمكن من بوحها وكشفها لأحد إلا الله تعالى...

تملَّك الحب كِيانه، وملَك زمامه، وسدَّ بابه، وصدَّ طريقه، فماذا يفعل!!

الغريب في الأمر أنه ليس هو الوحيد في حبها وصبابتها، بل مسيرات ومسيرات من العشاق الذين يتجرّعون ويلاتها! فتأكّد لديه أنه لم يضع الحب الشريف في غير موضعه، وأنه لم يسكِب الماء في الرمال، بل وضع سر قلبه وأعجوبة أمره في مكانه المناسب وفي موضعه اللائق، فأغرِم على المضي في طريقه إلى ما هو فيه.

فذهب في البحث عنها كل المذاهب، ورام في نشدان الطريق إليها كل المرامي، وطرقَ في العثور عليها كل الأبواب...

ولكن المشكلة التي واجهها في طريقه أن هذه الحبيبة التي يتجرَّع في حبها ليلَ نهارَ لا تَبين بأمرٍ تجاه هؤلاء المجانين من محبيها!

فيا ليتها فعلتْ! حتى تستريح ويستراح منهم! ولكنَّها لم تفعل، ويبدو أن مذهبها في ذلك مذهب الملاح اللاتي تعجبهن كثرة العاشقين...!

وهذا جرَّأ بعض الضعاف من العشّاق أن يتمردوا على حبها ويقلبهم الحب إلى عدوٍ لا يعرف أناةً ولا حلماً.

ولا تنسَ، أيها الأخ، أولئك الآلاف المؤلفة من أعدائها الذين يعدّون ثواني الزمن لمحاربتها وإشاعة التُهم المزوَّرة عن هذه العفيفة الطاهرة النبيلة، وعلى رأسهم: القاضي عبد الجبار والمتكلم أبو إسحاق النظَّام!

فاجتمع ضِعاف العشاق وشِداد الأعداء في حبلة السباق لإخراج عروس الحب عن منصَّة الجمال!

فأشاعوا عنها خرافات وخزعبلات، ولفَّقوا عنها التهم والاتهامات؛ فقال بعضهم: إنها ليستْ جميلة ولا نبيلة، وقال بعضهم: إنها جميلة ولكنها ليستْ بنبيلة ولا شريفة، وقال آخرون: إنها لم تُرزق من جمال اللفظ وصفاء المعنى شيئاً، وإنها سراب في صحراء تهامة التي يراها المسافر العادم أنها بئرَ رومة العذوب!!!

فلا تسأله عن شقائه وبلائه في كلِّ هذا، والشديد في الأمر أن المسكين لا يملك من العلم كفايته، كما لا يملك من الشجاعة ما يلزِم بهما الأعداء عتبة الباب، فلا يدعهم يتجازون، ولا يأذن لهم بالخروج من إطار الشرف والخلُق تجاه هذه الشريفة النبيلة الطاهرة!!

في مثل هذا الزمن القاحل تواردتْ عليه الأبناء بظهور عاشق محبِّ يملك من الأدب ما يؤدِّب به الأرذال، وأُعطِيَ من العلم ما يصفع به الجهال، ومُنِحَ من البلاغة ما يسكِت به السفهاء!! فسرَّه خَبر ، وأسرَّه خُبره، ولم تأخذه الغيرة بالإثم؛ لأنه يحبها حباً صادقاً، لا حباً يخفي النيايا والقصود!! فيرى أن عمله أن يوفي بحبه تجاهها وكفى! ولا يبحث بعد ذلك عن رغباتها تجاهه وتصرفاتها نحوه.

فما زال يتتبَّع آثار العاشق الجديد، ويبحث عن أخباره حتى وصل إلى ما يلي:

إنه رجلُ ذو غيرة على حبيبتها، وذو بصيرة بأمرها، وذو مهارة في فنونها وأساليبها، ذو براعة في أخبارها وتاريخها، وفوق كل ذلك فهو رجل تقيٌّ صادق، وورِع متواضع، يتعبَّد الله تعالى بإخلاص وإيمان، فمن أخباره التي وصل إليها أن: اسمه: عبد القاهر، وكنيته: أبو بكر، وبلدته: جرجان، ومما وصل إليه من خبر ورعه وتقواه: أنه كان يصلِّي ذات ليلة، فدخل لصّ في بيته وأخذ الأشاء الثِمان وهو ينظر إليه ولم يقطع الصلاة!!

وقد أعلن هذا العاشق الشجاع البارع الحرب الضروس على أعدائها وجهَّال عشَّاقها معا، ولم يكتفِ بذلك، بل كتبَ كتابين دحض فيهما شبهات أعدائها، فقذق بالحق على الباطل فدمغَه ... فإذا هو زاهق!!! وإذا بتُهمهم عارية عن الصدق! وإذا بالفجر الجديد والحق المبين يطلع في أفق السماء الصافية غنّاء مشرِقة باسمة!!

فلا تسأله عن جمال ألفاظ هذين الكتابين ولا عن دقَّة معانيهما، بله عن الأدلة النقلية والعقلية، فيبدو أنهما تصَّدعَا أسنانَ أعدائه فلا يتجرَّؤون على الإقبال بمضغ العظام بعد هذا اليوم!

وهنا... وهنا فقط... ولأول مرة... نطقتْ المليحة وكشفتْ عن سرها... وأعلنتْ بهيامها تجاه هذا العاشق المجنون... واعترفتْ به حبيباً، وأقرَّتْ به خليلاً... ومنحتْه شهادة تندى لها جبين الحب: وهي الاعتراف بفرع جديد في عالم الحب اسمه: البلاغة!

فمن أراد أن يعرف مكنونات بنات الشفاه... ومن رام أن يصل إلى أغوار كلمات الصدور فعليه به... وكفى!

واعتراف كهذا ينبئ بهزيمة الأعداء، ويثير حقد الضعاف ... فأجمعوا أمرهم وشركاءهم فاتَّفقوا على أن يخفوا هذين الكتابين بكل ما أوتوا من ذكاء ودهاء! فنجحوا فعلاً !!!

يا للحسرة! ويا للضياع!

وبدأ العشاق يبحثون عن وثائق الشرف ودلائل العفة في كل مكان حتى عثرَ عليها رجل يُدعى محمّد عبده، فأظهرهما للعيان بعد أن كانا في خبر كان.

ولعلي بك الآن، أيها الأخ، عرفتَهما! وإن كان غير ذلك فإنه ذاكرٌ لك ما قد يفيدك في حياتك، فحاول أن تعضَّ عليهما بالنواجذ، وأمسك بهما في الحضون، وهما:

#دلائل_الإعجاز و#أسرار_البلاغة!!

حمِّل دلائل الإعجاز من هنا

حمل أسرار البلاغة من هنا

واليوم وقد تقرَّر أن تُزفَّ إلى عريسها ... فلا يملك المسكين إلا أن يدعو لها ولعشاقها بالنجاح والصلاح والفلاح والتمكين والنصر كي تعود إلى سابق عهدها من النضارة والملاحة والقوة والنصاعة.

آميين.


 

#اليوم_العالمي_للغة_العربيَّة.

18 ديسمبر 2016م

19 ربيع الأول 1438هـ

 

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016