لماذا هذا الانحطاط على المسلمين؟

ﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺍﻻﻧﺘﺸﺎﺭ ﺍﻟﻮﺍﺳﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﻋﺮﻓﻪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺣﻮﻝ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺗﺄﺧﺮ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﻭﺗﻘﺪﻡ ﻏﻴﺮﻫﻢ ﻣﻨﺬ ﺃﻥ ﺟﻌﻠﻪ ﺷﻜﻴﺐ ﺃﺭﺳﻼﻥ ﻋﻨﻮﺍﻧﺎً ﻷﺣﺪ ﻛﺘﺒﻪ، ﻓﻬﻮ ﻳﻈﻞ ﺳﺆﺍﻻ ﻏﻴﺮ ﺻﺎﻟﺢ ﻟﻄﺮﺡ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﻣﺼﻴﺮ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﺃﻭ ﻣﺼﻴﺮ ﻏﻴﺮﻫﻢ .

ﻭﻟﻌﻠﻲ ﻻ ﺃﺑﺎﻟﻎ ﺇﺫﺍ ﻗﻠﺖ ﺃﻥ ﻣﻦ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺗﺄﺧﺮ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺍﻻﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ﻓﻲ ﻃﺮﺡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻔﺘﻘﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺪﻗﺔ ، ﺑﻘﺪﺭ ﺍﻓﺘﻘﺎﺭﻩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ . ﻓﻬﻮ ﻳﻨﻄﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﻣﻐﺎﻟﻄﺔ ﺟﻮﻫﺮﻳﺔ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﻠﻂ ﺍﻟﻼﻭﺍﻋﻲ ﺑﻴﻦ ﻣﺴﺄﻟﺘﻴﻦ ﻣﺘﻤﻴﺰﺗﻴﻦ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻭﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻹﺣﺪﺍﻫﻤﺎ ﺑﺎﻷﺧﺮﻯ .

ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻣﺤﻀﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻨﻈﺮﻱ ﻟﺘﻮﻗﻒ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻋﻦ ﺍﻹﺑﺪﺍﻉ ﻭﺍﻟﺘﺠﺪﺩ ، ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻭﺻﻮﻟﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻜﺮﺍﺭ ﻭﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪ ﻭﺍﻟﺠﻤﻮﺩ . ﻭﻫﻲ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻛﺒﺮﻯ ﻻ ﺗﺘﻌـﻠﻖ ﺑﺎﻟﻤﺪﻧﻴﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﺣﺪﻫﺎ ، ﻭﻟﻜﻦ ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﺎﺕ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻇﻬﺮﺕ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﺍﻷﺭﺽ ، ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺼﻴﻨﻴﺔ ﻭﺍﻻﻏﺮﻳﻘﻴـﺔ ﻭﺍﻟﻬﻨﺪﻳﺔ ﻭﺍﻵﺷﻮﺭﻳﺔ ﻭﺍﻟﻔﺮﻋﻮﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻔﺎﺭﺳﻴﺔ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ ، ﻭﻣﻦ ﻭﺭﺍﺋﻬﺎ ﺑﻈﺎﻫﺮﺓ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻭﻣﻨﻄﻘﻬﺎ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ . ﻭﻫﻲ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺗﺤﺘﻤﻞ ﻓﺮﺿﻴﺎﺕ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ ﻭﺇﺟﺎﺑﺎﺕ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ ﺃﻳﻀﺎ ﻫﻲ ﻣﺎ ﻧﺠﻤﻠﻪ ﺗﺤﺖ ﺍﺳﻢ " ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﻭﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ." ﻭﻗﺪ ﻛﺘﺐ ﻋﻨﻬﺎ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﻭﻥ ، ﺑﺪﺀﺍ ﺑـﻌﺒـﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺍﺑﻦ ﺧﻠﺪﻭﻥ ، ﻣﺆﺳﺲ ﻋﺎﻡ ﺍﻻﺟﺘـﻤـﺎﻉ، ﻭﺍﻧﺘﻬﺎﺀﺍ ﺑﻔﻮﻛﻮﻳﺎﻣﺎ ، ﺻﺎﺣﺐ ﻧﻈﺮﻳﺔ " ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ " ﻣﺮﻭﺭﺍً ﺑﺂﺭﻧﻮﻟـﺪ ﺗﻮﻳﻨﺒﻲ ﻭﺷﺒﻨﺠﻠﺮ ﻭﻣﺎﺭﻛﺲ ﻭﻓﺮﻧﺎﻧﺪ ﺑﺮﻭﺩﻳﻞ ﻭﻏﻴﺮﻫﻢ ﻛﺜﻴﺮ .

ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻓﻬﻲ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺭﺍﻫﻨﺔ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺼﻌﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﺍﺟﻬﻬﺎ ﻣﺴﻴﺮﺓ ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ . ﻭﻫﻲ ﺻﻌﻮﺑﺎﺕ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ، ﺗﺘﺮﺍﻭﺡ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻜﺴﺎﺕ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺂﺯﻕ ﺍﻟﻤﺆﻗﺘﺔ، ﻭﻳﻘﺘﻀﻲ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﺣﺪﺍً ﺃﺩﻧﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﻣﻔﺎﻫﻴﻢ ﻭﻧﻈﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻭﺗﺤﻮﻝ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ.

ﻭﻟﻴﺴﺖ ﻫﻨﺎﻙ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺎﺩﺕ ﺇﻟﻰ ﺟﻤﻮﺩ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺪﻓﻊ ﺇﻟﻰ ﺗﻌﺜﺮ ﻣﺴﻴﺮﺓ ﺗﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ . ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﻣﺮﻳﻦ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭ ﺳﺆﺍﻻ ﺃﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﻳﺪﻭﺭ ﺣﻮﻝ ﻧﻔﺴﻪ ﻭﻻ ﻳﻔﺘﺢ ﺃﻱ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﻟﻺﺟﺎﺑﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﺍﻟﻤﻄﺮﻭﺣﺔ .

ﻓﺒﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ‏( ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻧﺤﻄﺎﻁ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ‏) ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻤﺼﻄﻠﺢ ﺍﻟﺘﺄﺧﺮ ﻭﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﺃﻥ ﻳﻘﺪﻡ ﺃﻱ ﻓﺮﺻﺔ ﻟﻔﻬﻢ ﺍﻟﺠﺪﻟﻴﺔ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺮﻳﺪ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻓﻴﻬﺎ . ﻓﻠﻢ ﻳﺤﺼﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺃﻱ ﺗﺄﺧﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻃﻼﻕ . ﺇﻥ ﻣﺎ ﺣﺼﻞ ﻫﻮ ﻭﺻﻮﻝ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻭﺣﻀﺮﻱ ﻣﻌﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﻧﻀﺠﻪ ﻭﻏﺎﻳﺘﻪ . ﻭﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﻗﺪ ﻧﻤﺎ ﻓﻲ ﺣﻀﻦ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ، ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻟﻴﺲ ﺛﻤﺮﺓ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﻟﻬﻤﺎ ﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺛﻤﺮﺓ ﻟﻺﻣﻜﺎﻧﻴﺎﺕ ﻭﺍﻟﻌﻮﺍﻣﻞ ﻭﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻭﺍﻟﺠﻴﻮ - ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻟﺘﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﺒﺔ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴـﺔ .

ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻘﻮﻝ " ﻭﺻﻞ ﺇﻟﻰ ﻧﻀﺠﻪ " ، ﻓﻬﺬﺍ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻧﻪ ﺍﺳﺘﻨﻔـﺬ ﻃﺎﻗﺘﻪ ﺍﻟﺨﻼﻗﺔ ، ﻭﻟﻢ ﻳﻌـﺪ ﻗﺎﺩﺭﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﻫﺎﺏ ﺇﻟﻰ ﺃﺑﻌـﺪ ﻣﻤﺎ ﺫﻫﺐ . ﻓﻠﻜﻞ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﺣﻀﺎﺭﻱ ﺣﺪﻭﺩﻩ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ، ﻷﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻫﻮ ﻧﻔﺴﻪ ﺇﻻ ﺛﻤﺮﺓ ﺍﻟﻌﻮﺍﻣﻞ ﻭﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻛﻤﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎ .

ﺗﻤﻴﻴﺰ ﻣﻬﻢ

ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻤﺆﻛﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻟﻢ ﻳﻜﻮﻧﻮﺍ ﻳﺸﻌﺮﻭﻥ ﺃﺑﺪﺍً ، ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ ﻋﺸﺮ ﻣﺜﻼ ، ﺑﺄﻧﻬﻢ ﻣﺘﺄﺧﺮﻭﻥ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﺮﺏ، ﺑﻞ ﺭﺑﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻌﻜﺲ ﻫﻮ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ؛ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﺍﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ﺳﻴﻄﺮﺗﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﻣﺼﺎﺋﺮﻫﻢ ﻭﻧﺠﺎﺣﻬﻢ ﻓﻲ ﺗﺄﻣﻴﻦ ﺣﺎﺟﺎﺗﻬﻢ ، ﻛﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺠﺴﺪﺓ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ، ﻛﺎﻥ ﻣﺼﺪﺭﺍ ﻟﻠﺜﻘﺔ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺍﻷﺧﻼﻗﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﺳﺎﺋﺪﺍ ﺑﻴﻨﻬﻢ .

ﻭﻟﻦ ﻳﻈﻬﺮ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ ﺑﺎﻟﻨﻘﺺ ﻭﺍﻟﺘﺄﺧﺮ ﺇﻻ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺳﻴﻔﻘﺪ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻮﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺜﻘﺔ ، ﻧﺘﻴﺠﺔ ﻟﺘﺪﻫﻮﺭ ﺳﻴﻄﺮﺗﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﻣﺼﺎﺋﺮﻫﻢ ﻭﺗﻀﺎﺅﻝ ﻗﺪﺭﺓ ﺃﻧﻈﻤﺘﻬﻢ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﻠﺒﻴﺔ ﺣﺎﺟﺎﺗﻬﻢ ﺍﻟﻤﺘﺠﺪﺩﺓ . ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺗﺼﻮﺭ ﺛﻮﺭﺓ ﺩﺍﺧﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻟﻮ ﺃﻣﻜﻦ ﻟﻠﻔﻜﺮ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﺃﻥ ﻳﻤﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺛﻤﺮﺓ ﻟﻠﻌﻮﺍﻣﻞ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ، ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻦ ﻛﻤﺼﺪﺭ ﻟﻘﻴﻢ ﻣﻠﻬﻤﺔ ﺗﺘﺠﺎﻭﺯ ﺗﺠﺴﺪﺍﺗﻬﺎ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ .

ﻭﻟﻜﻦ ﻫﺬﺍ ﻣﺴﺘﺤﻴﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺣﻴﺔ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ . ﻓﺎﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺠﺤﺖ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺩﺭﺟﺔ ﻣﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﻭﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﺣﻀﺎﺭﻱ ﻣﺎ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﺘﺼﻮﺭ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻦ ﺑﻤﻌﺰﻝ ﻋﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻭﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ .

ﻭﻳﻜﻔﻲ ﻟﻠﺒﺮﻫﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﻧﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻧﻮﺍﺟﻬﻪ ﻧﺤﻦ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻣﻦ ﻣﺸﻘﺔ ﻟﻠﻔﺼﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻱ ﻟﻠﻨﻈﺎﻡ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻋﺮﻓﺘﻪ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﻤﺎﺿﻴﺔ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﻭﺍﻟﺸﺮﺍﺋﻊ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ . ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﻣﻦ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﺨﻠﻂ ﺑﻴﻦ ﺗﻘﺎﻟﻴﺪﻫﺎ ﻭﻧﻤﺎﺫﺝ ﺗﻨﻈﻴﻤﻬﺎ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻋﺘﻘﺎﺩﺍﺗﻬﺎ ، ﺑﻞ ﺇﻧﻬﺎ ﻛﺜﻴﺮﺍ ﻣﺎ ﺗﻨﺰﻉ ﺇﻟﻰ ﺟﻌﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﻘﺎﻟﻴﺪ ﻭﺍﻟﻨﻈﻢ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻣﻮﺿﻮﻋﺎﺕ ﺍﻋﺘﻤﺎﺩ ﻭﺇﻳﻤﺎﻥ .

ﻭﺍﻟﻘﺼﺪ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﻟﻠﺘﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻱ ﺃﺛﺒﺖ ﺟـﺪﺍﺭﺗﻪ ﻭﺗﻔﻮﻗﻪ ﻓﻲ ﺣﻘﺒﺔ ﻣﺎ ﻣﻦ ﺩﺍﺧﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ . ﻭﻛﻞ ﺍﻟﻨﻤﺎﺫﺝ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻳﺔ ﻭﺍﻟﻤﺪﻧﻴﺔ ﺗﻢ ﺗﺠﺎﻭﺯﻫﺎ ﻣﻦ ﺧﺎﺭﺟﻬﺎ ، ﻭﺑﺎﻟﻀﺒﻂ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﺍﺋﺮ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺨﻀﻊ ﻟﻬﺎ ﻭﺗﻌﺎﻧﻲ ﻣﻨﻬﺎ ﻭﻣﻦ ﺳﻄﻮﺗﻬﺎ . ﻓﺎﻟﻤﺴﻠﻤﻮﻥ ﻟﻢ ﻳﺘﺄﺧﺮﻭﺍ ﻭﻟﻜﻦ ﻏﻴﺮﻫﻢ ﺗﻘـﺪﻡ . ﻭﻟﻴﺲ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ ﻫﻨﺎ ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﺍﻷﺧﻼﻗﻲ ، ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻟﻨﺠﺎﺡ ﻓﻲ ﺗﺸﻴﻴﺪ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﻟﻠﺘﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻱ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻭﺍﻟﻌﻤﻠﻲ ﻭﺍﻟﺘﻘﻨﻲ ، ﺃﻛﺜﺮ ﻗﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺗﻮﻟﻴﺪ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻭﺍﻟﻄﺎﻗﺔ ، ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺗﺠﺪﻳﺪ ﺍﻟﺤﺎﺟﺎﺕ ﻭﺍﻟﻘﻴﻢ ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ .

ﻭﻛﻤﺜﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﻛﺎﻥ ﺗﺪﺟﻴﻦ ﺍﻟﺠﻤﻞ ﻣﺼﺪﺭ ﺗﻘﺪﻡ ﻫﺎﺋﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﺼﺤﺮﺍﻭﻳﺔ ، ﻷﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻳﺴﺎﻭﻱ، ﺑﺎﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ ﻣﻊ ﻣﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﻌﺼﺮ ، ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺮﻋﺔ ﻭﻗﻄﻊ ﺍﻟﻤﺴﺎﻓﺎﺕ ﺍﻟﺼﻌـﺒﺔ . ﻭﻟﻜﻦ ﺗﻘﺪﻡ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻤﻮﺍﺻﻼﺕ ﻣﻊ ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻟﻤﺤﺮﻛﺎﺕ ﺍﻟﺒﺨﺎﺭﻳﺔ ﺃﻟﻐﻰ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻣﻴﺰﺓ ﺍﻟﻤﻮﺍﺻﻼﺕ ﺑﻮﺍﺳﻄﺔ ﺍﻟﻘﻮﺍﻓﻞ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻳﺔ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﻌﻨﻲ ﻫﺬﺍ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺠﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺴﺘﻌﻤﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻮﺍﺻﻼﺕ ﻗﺪ ﺗﺄﺧﺮﺕ .

ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﻛﺒﺮﻯ ﻷﻧﻪ ﺷﺮﻁ ﻟﻔﻬﻢ ﺍﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﻌﺎﻧﻲ ﻣﻨﻬﺎ ﻭﺗﺠﻨﺐ ﺍﻟﻮﻗﻮﻉ ﻓﻴﻤﺎ ﺗﻘﻊ ﻓﻴﻪ ﺍﻷﺩﺑﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺸﺄﺕ ﻣﻦ ﺣﻮﻝ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭ ﻣﻦ ﻣﺘﺎﻫﺎﺕ ﺃﺧﻼﻗﻴﺔ ﺗﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﺍﻧﺤﻄﺎﻁ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ ﻭﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺗﻐﻴﻴﺮ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻳﺔ ﻣﺼﺪﺭﺍ ﻟﻔﻬﻢ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ .

ﻭﻫﻨﺎ ﺃﺭﻳﺪ ﺍﻟﻮﺻﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ . ﻓﻬﻨﺎ ﻟﻴﺲ ﻟﻤﺼﻄﻠﺢ ﺍﻟﺘﺄﺧﺮ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﺃﻱ ﻣﻌـﻨﻰ . ﻭﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻣﻤﺎ ﻻ ﺷﻚ ﻓﻴﻪ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ ﺑﺎﻟﺘﺄﺧﺮ ﻭﺍﻟﺠﻤﻮﺩ ﻳﺸﻜﻞ ﻟﺤﻈﺔ ﺃﺻﻴﻠﺔ ﻭﻣﺘﻜﺮﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻭﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ، ﻓﻠﻢ ﻳﻜﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ ﻫﻮ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺴﻴﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﻓﻲ ﺃﻱ ﻓﺘﺮﺓ ... ﻓﻘﺪ ﺃﺩﻯ ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻣﻨﺬ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻧﺨﺮﺍﻁ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺍﻟﻌﻤﻠﻲ ﻓﻲ ﺩﻭﺭﺓ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ، ﻭﺍﻟﻰ ﺍﻋﺘﻨﺎﻗﻬﻢ ﻗﻴﻤﻬﺎ ﻭﻣﻔﺎﻫﻴﻤﻬﺎ ﺣﺘﻰ ﺍﻧﻄﺒﻊ ﺗﺼﻮﺭﻫﻢ ﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻬﻢ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻛﻠﻪ ﺑﻄﺎﺑﻊ ﺍﻟﺘﺤﻮﻝ ﻭﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ... ﻓﺎﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪﺓ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺘﺐ ﻭﺍﻟﻤﺆﻟﻔﺎﺕ ﻭﺍﻟﻮﻋﻲ ﺍﻟﺸﻌﺒﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻫﻲ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻝ ﻣﻦ ﺍﻻﻧﺤﻄﺎﻁ ‏( ﺍﻟﺬﻱ ﻣﻴﺰ ﺍﻟﻌﺼﻮﺭ ﺍﻟﻄﻮﻳﻠﺔ ﺍﻟﻤﻤﺘﺪﺓ ﺑﻴﻦ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﻌﺒﺎﺳﻴﺔ ﻭﻇﻬﻮﺭ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ‏) ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﻬﻀﺔ ‏( ﻭﻫﻲ ﻛﻠﻤﺔ ﺃﻃﻠﻘﺖ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻧﺒﻌﺎﺙ ﺍﻟﻔﻜﺮﻱ ﻭﺍﻷﺩﺑﻲ ﻭﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ ﺗﻴﻤﻨﺎ ﺑﺎﻟﻨﻬﻀﺔ ﺍﻷﻭﺭﻭﺑﻴﺔ ‏) ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻛﺘﺴﺒﺖ ﻃﺎﺑﻊ ﺣﺮﻛﺔ ﺍﻟﺘﺤﺮﺭ ﺍﻟﻮﻃﻨﻲ ﻣﻦ ﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﺗﺘﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺛﻮﺭﺓ ﺍﻟﺒﻨﻴﺎﺕ ﻭﺍﻟﻬﻴﺎﻛﻞ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻳﺔ ﺍﻹﻗﻄﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻷﺑﻮﻳﺔ ﻭﺍﻟﺮﺟﻌﻴﺔ .

ﻭﻟﻴﺲ ﺛﻤﺔ ﺷﻚ ﻓﻲ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻄﺎﺑﻖ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻣﻊ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﺘﺤﻮﻝ ﺍﻷﻭﺭﻭﺑﻲ، ﺗﺠﺴﺪ ﺭﺅﻳﺔ ﺗﻔﺎﺅﻟﻴﺔ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻤﺎ ﺗﻌﻜﺲ ﻣﺸﺎﻋﺮ ﺍﻟﺘﺸﺎﺅﻡ ﻭﺍﻟﻴﺄﺱ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻨﻢ ﻋﻨﻬﺎ ﺗﺬﻛﺮ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﻤﺆﺭﻕ ﺣﻮﻝ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺗﺄﺧﺮ ﺍﻟﻌـﺮﺏ .

ﺛﻢ ﺇﻥ ﻣﺎ ﺗﻌﻴﺸﻪ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻣﻨﺬ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ ﻟﻴﺲ ﻣﺴﺎﺭ ﺗﺄﺧﺮ ﺑﺄﻱ ﻣﻌﻴﺎﺭ ﻛﺎﻥ . ﻭﻟﻮ ﺗﺄﻣﻠﻨﺎ ﻣﻠﻴـﺎً ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﻟﻮﺟﺪﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻜﺲ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻤﺔ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﻴﺔ ﻟﻨﺸﺎﻃﺎﺗﻨﺎ ﻫﻲ ﺍﻧﺒﻌﺎﺙ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ﻭﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ ، ﻭﺗﺠﺎﻭﺯ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﺘﻘﻮﻗﻊ ﻭﺍﻟﺠﻤﻮﺩ ﻭﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪ ، ﺍﻟﺘﻲ ﺳﻴﻄﺮﺕ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﻭﻥ ﺍﻟﻤﺎﺿﻴﺔ . ﻓﻨﺤﻦ ﻧﻌﻴﺶ ﺣﻘﺒﺔ ﺍﻧﻜﺴﺎﺭ ﺍﻟﺠﻤﻮﺩ ﻭﺍﻟﺘﺄﺧﺮ ‏( ﻭﻫﻮ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺘﺨﻠﻒ ﺑﺎﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﺍﻷﺧﺮﻯ ‏) .

ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺴﺎﺭ ﻭﻣﺎ ﻳﻨﻄﻮﻱ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﺗﻨﺎﻗﻀﺎﺕ ﻭﺻﺮﺍﻋﺎﺕ ﻭﻣﻔﺎﺭﻗﺎﺕ ﻭﺗﺨﺒﻄﺎﺕ ﻭﺁﻻﻡ ﺃﻳﻀﺎ، ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺃﺻﻞ ﺍﻟﻤﺼﺎﻋﺐ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﺍﺟﻬﻨﺎ ﻭﻓﻲ ﻣﻘﺪﻣﺘﻬﺎ ﺍﻟﺘﺨﻠﻒ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ .

ﻭﻓﻲ ﺍﻋﺘﻘﺎﺩﻱ ﺃﻥ ﻃﺮﺡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﻋﻦ ﺍﻟﺘـﺄﺧﺮ ﻻ ﻳﻨﺒﻊ ﻣﻦ ﻃﻠﺐ ﺣﻘﻴﻘﻲ ﻭﻗﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﻓﻬﻢ ﻭﺗﺤﻠﻴﻞ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻟﻠﺠﻤﻮﺩ ﺍﻟﺬﻱ ﻋﺮﻓﺘﻪ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻴﻪ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺑـ " ﻋﺼﻮﺭ ﺍﻻﻧﺤﻄﺎﻁ " ، ﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﻳﻨﺒﻊ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻠﻖ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺎﺭ ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﻭﺍﻟﺘﺤﻮﻝ ﺍﻟﺤﺎﺻﻞ ﻓﻌﻼ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻴﻮﻡ .

ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻧﺤﻦ ﻧﺮﺍﻩ ﻳﺘﺮﺩﺩ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺮﺓ ﻳﺰﺩﺍﺩ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ ﻟﺪﻯ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺑﺄﻧﻬﻢ ﻭﺻﻠﻮﺍ ﻓﻲ ﻣﺴﻴﺮﺗﻬﻢ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﺇﻟﻰ ﻃﺮﻳﻖ ﻣﺴﺪﻭﺩ .

ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﺸﻜﻠﺔ

ﺇﻥ ﺍﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺎﻧﻲ ﻣﻨﻬﺎ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻻ ﺗﻨﺒﻊ ﻣﻦ ﺃﻧﻨﺎ ﻛﻨﺎ ﻣﺘﻘﺪﻣﻴﻦ ﻧﻤﻠﻚ ﻧﺎﺻﻴﺔ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻭﺍﻟﺨﻠﻖ ﻭﺍﻹﺑﺪﺍﻉ ﺛﻢ ﺗﺄﺧﺮﻧﺎ، ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺸﻜﻞ ﺳﻨﺔ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﺗﻨﻄﺒﻖ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻛﻤﺎ ﺗﻨﻄﺒﻖ ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮﻧﺎ .

ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﺗﻨﺒﻊ ﻣﻦ ﺑﺮﻭﺯ ﻧﻤﻂ ﺟﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻤﺎﺕ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﺼﻨﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ، ﺃﻱ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﺣﻀﺎﺭﺓ ﺟﺪﻳﺪ ﻳﺘﻮﺟﺐ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺍﺳﺘﻴﻌﺎﺑﻪ ﻭﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻨﺠﺢ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﺳﺘﻴﻌﺎﺏ ﻭﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻳﺔ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﺗﻤﻜﻨﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﻃﻮﺭﻧﺎﻩ ﻧﺤﻦ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺃﺻﺒﺢ ﺑﺎﻟﻴﺎ، ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻛﻤﺎ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺍﻟﻘﺎﻓﻠﺔ ﻻﻏﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮﺓ ﺍﻟﻨﻔـﺎﺛـﺔ ، ﻭﺑﻴﻦ ﻣﺮﺟﻌـﻴﺎﺗﻨﺎ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺭﺗﺒﻄﺖ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻱ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻭﻛﺎﻧﺖ ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺋﻪ . ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺟﻌـﻴﺎﺕ ، ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻨﺎ ، ﻫﻲ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﺷﻚ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺑﻤﺎ ﺗﻨﻄﻮﻱ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﻗﻴﻢ ﺩﻳﻨﻴﺔ ﻭﺩﻧﻴﻮﻳﺔ ، ﺭﻭﺣﻴﺔ ﻭﻣﺎﺩﻳﺔ، ﺫﺍﺗﻴﺔ ﻭﻣﻮﺿﻮﻋﻴﺔ .

ﺇﻥ ﺳﺒﺐ ﺗﺮﺩﻱ ﺃﻭﺿﺎﻉ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﻪ ﺑﺴﺒﺐ ﺍﻧﺤﻄﺎﻁ ﺣﻀﺎﺭﺗﻨﺎ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﻭﻻ ﺑﺘﺪﻫﻮﺭ ﻣﺎﻫﻴﺘﻨﺎ ﻭﺇﻧﺴﺎﻧﻴﺘﻨﺎ .

ﻓﻠﻴﺲ ﻫﻨﺎﻙ ﻋﺮﺏ ﻭﻣﺴﻠﻤﻮﻥ ﺑﺎﻟﻤﻄﻠﻖ ، ﻭﻟﻜﻦ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﺗﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﻭﻗﻴﻢ ﻭﻧﻈﻢ ﻭﻗﻮﺍﻋﺪ ﺗﺘﺒﺪﻝ ﺑﺘﺒﺪﻝ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻭﻣﺴﺎﻟﻚ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ . ﻭﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻫﻲ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻟﻴﺲ ﻟﻬﺎ ﻋﻼﻗﺔ ﻗﻮﻳﺔ ﺑﺎﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ، ﻻ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻗﻴﻤﺘﻬﺎ ﻭﻻ ﻣﻄﺎﻟﺒﻬﺎ ﻭﻻ ﻣﻔﺎﻫﻴﻤﻬﺎ ﻭﻻ ﺗﻄﻠﻌﺎﺗﻬﺎ . ﺇﻧﻬﺎ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻭﻟﻴﺪﺓ ﺍﻟﺘﺠﺪﻳﺪﺍﺕ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻳﺔ ﺍﻟﺮﺍﻫﻨﺔ ﻭﻫﻲ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﻣﺘﺠﺬﺭﺓ ﺑﻘﻮﺓ ﻓﻴﻬﺎ .

ﻭﻟﻴﺲ ﻣﺎ ﻧﻌﻴﺸﻪ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻫﻮ ﺍﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ﻟﻠﺠﻤﻮﺩ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﺨﻠﻒ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﺄﺧﺮ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ، ﻭﻟﻜﻦ ﺑﺎﻟﻌﻜﺲ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﺇﻧﻪ ﺍﻟﺘﺤﻮﻝ ﺍﻟﺴﺮﻳﻊ ﻭﺍﻟﻤﺘﻘﻠﺐ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺍﻟﻤﻴﺎﺩﻳﻦ ﻭﺍﻟﻤﺠﺎﻻﺕ . ﻓﻘﺪ ﺗﺤﻮﻟﺖ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻓﻲ ﺃﻗﻞ ﻣﻦ ﻗﺮﻥ ﻣﻦ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺗﻘﻠﻴﺪﻳﺔ، ﺃﻱ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺎﺱ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺍﻟﻤﺘﺄﺧﺮ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﺍﺳﺘﻨﻔﺬ ﻃﺎﻗﺘﻪ ﺍﻟﺤﻴﻮﻳﺔ ، ﺇﻟﻰ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺣﺪﻳﺜﺔ ﺗﻤﺎﻣﺎ . ﻓﻨﺤﻦ ﻻ ﻧﺘﺄﺧﺮ ﺃﺑﺪﺍً ﻭﻟﻜﻨﻨﺎ ﻧﺘﻘﺪﻡ ﻭﻧﺘﺤﻮﻝ ﻭﻧﻤﺘﺺ ﻛﻤﻴﺔ ﻫﺎﺋﻠﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺕ ﻭﺍﻟﻨﻈﻢ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ .

ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﻤﺘﻜﺮﺭ

ﻭﺧﻄﺮ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﻤﺘﻜﺮﺭ ﻋﻦ ﺗﺄﺧﺮ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﻫﻮ ﺍﻟﺠﻮﺍﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﻀﻤﻨﻪ ﻭﻻ ﻳﺰﺍﻝ ﻳﺘﻀﻤﻨﻪ ﺣﺘﻰ ﺍﻵﻥ . ﻓﻠﻴﺲ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﻓﻞ ﺃﻥ ﻧﺬﻛﺮ ﺑﺄﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺣﺎﻭﻟﻮﺍ ﺍﻟﺮﺩ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺃﺟﺎﺑﻮﺍ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﻫﻮ ﺗﺨﻠﻴﻨﺎ ﻋﻦ ﺗﺮﺍﺛﻨﺎ ﻭﻧﻤﻮﺫﺟﻨﺎ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﻭﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ، ﻭﺃﺻﺒﺢ ﻛﻞ ﻫﻤﻬﻢ ﻳﺘﺮﻛﺰ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺗﺄﻛﻴﺪ ﺍﻟﻬﻮﻳﺔ ﻭﺍﻟﺘﻤﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﻴﻦ ﻭﺍﻵﺧﺮ ، ﻭﺍﺳﺘﺮﺟﺎﻉ ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ ﻭﺗﻠﻤﻴﻌﻪ ﻭﺗﺤﻮﻳﺮﻩ ﻭﺻﺒﻐﻪ ﺑﺼﺒﻐﺔ ﺍﻟﻌﺼﺮ .

ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺫﻟﻚ ﺇﻻ ﺻﺮﻑ ﺍﻷﻧﻈﺎﺭ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﻭﻋﻦ ﻓﻬﻢ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﻨﻊ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﻣﺼﺎﺋﺮﻫﺎ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ . ﻓﻼ ﺗﻜﻤﻦ ﺍﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﺃﺑﺪﺍ ﻓﻲ ﺃﻧﻤﺎﻁ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺗﺠﺪﻳﺪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺗﺠﺪﻳﺪ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ، ﺑﻞ ﺇﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﻜﻤﻦ ﺃﺑﺪﺍ ﻓﻲ ﺗﺨﻠﻴﻨﺎ ﻋﻦ ﺗﺮﺍﺛﻨﺎ ، ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ ﺇﺧﻔﺎﻗﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﺳﺘﻴﻌﺎﺏ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﻟﻠﺤﻀﺎﺭﺓ . ﻭﻟﻴﺲ ﻣﺎ ﻧﻌﺎﻧﻲ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻣﻦ ﻣﻈﺎﻫﺮ ﺍﻻﺳﺘﻼﺏ ﻭﺍﻟﺘﻨﻜﺮ ﻟﻠﺬﺍﺕ ، ﺑﻞ ﻭﻛﺮﻩ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﻣﻤﺎ ﺃﺻﺒﺢ ﻳﺸﻜﻞ ﻇﺎﻫﺮﺓ ﺧﻄﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﻭﺳﻂ ﺃﺟﻴﺎﻟﻨﺎ ﺍﻟﺸﺎﺑﺔ،ﺇﻻ ﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺔ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﻟﻺﺧﻔﺎﻕ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻟﻌﺪﻡ ﻗﺪﺭﺗﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺗﻠﺒﻴﺔ ﺍﻟﺤﺎﺟﺎﺕ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ ﻭﺍﻟﻤﺘﺒﺪﻟﺔ ﺃﻳﻀﺎ ﻓﻲ ﺇﻃﺎﺭ ﺛﻘﺎﻓﺘﻨﺎ ﻭﻟﻐﺘﻨﺎ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻷﺟﻴﺎﻝ .

ﻟﻮ ﺃﺭﺩﻧﺎ ﺃﻥ ﻧﻄﺮﺡ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﺘﺤﻖ ﺍﻟﻄﺮﺡ ﺣﻮﻝ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺠﻌﻠﻨﺎ ﻧﺴﺘﻤﺮ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻓﻲ ﻭﺿﻌﻴﺔ ﺍﻟﺪﻭﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻀﻌﻒ ﻭﺍﻟﺘﺨﻠﻒ ﺑﺎﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﺼﻨﺎﻋﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺠﺤﺖ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺛﻮﺭﺗﻬﺎ ﺍﻟﺼﻨﺎﻋﻴﺔ، ﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻤﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎﻩ ﻣﻦ ﺗﻘﺪﻣﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺩﺭﺏ ﺍﻣﺘﺼﺎﺹ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﻭﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ، ﻓﺎﻟﺠﻮﺍﺏ ﻫﻮ ﺃﻥ ﻣﻨﺎﻫﺠﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﺳﺘﻴﻌﺎﺏ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﺳﻠﻴﻤﺔ ﻭﻻ ﻣﻨﺴﻘﺔ .

ﺇﻥ ﻣﺎ ﻧﻌﺎﻧﻲ ﻣﻨﻪ ﻟﻴﺲ ﻋﺪﻡ ﻓﻬﻤﻨﺎ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ﻟﻠﺘﺮﺍﺙ ﻭﻟﻜﻦ ﻋﺪﻡ ﺳﻴﻄﺮﺗﻨﺎ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﻔﻌﻠﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﻘﻨﻴﺎﺕ ﻭﻋﻮﺍﻣﻞ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ، ﻭﻳﻨﺠﻢ ﻋﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻧﺘﻜﺎﺳﺎﺕ ﻭﺇﺧﻔﺎﻗﺎﺕ ﻓﻲ ﻣﺸﺎﺭﻳﻌـﻨﺎ ﺍﻟﺘﻨﻤﻮﻳﺔ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ .

ﻛﻤﺎ ﻳﻨﺠﻢ ﻋﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻻﻧﺘﻜﺎﺳﺎﺕ ﻭﺍﻹﺧﻔﺎﻗﺎﺕ ﺁﺛﺎﺭ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﻧﻔﺴﻴﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻭﺧﻄﻴﺮﺓ ﺃﺣﻴﺎﻧﺎ ﻫﻲ ﻣﺎ ﻧﻌﻴﺸﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﺒﺔ ﺍﻟﺮﺍﻫﻨﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﻬﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ ﺃﻗﺼﻰ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻹﺣﺒﺎﻁ ﻭﺍﻧﻌـﺪﺍﻡ ﺍﻟﺜﻘﺔ ﺑﺴﺒﺐ ﺍﻹﺧﻔﺎﻕ ﺍﻟﺸﺎﻣﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﺮﻭﺝ ﻣﻦ ﺣﻠﻘﺔ ﺍﻟﺘﺒﻌـﻴﺔ ﻭﺿﻴﺎﻉ ﻛﺎﻣﻞ ﺍﺳﺘﺜﻤﺎﺭﺍﺗﻨﺎ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘﻮﺩ ﺍﻷﺭﺑﻌﺔ ﺍﻟﻤﺎﺿﻴﺔ .

ﻧﻤﻂ ﺍﻟﺤـﺪﺍﺛﺔ ﺍﻟﺮﺛــَّﺔ

ﺇﻥ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻓﻲ ﺇﺧﻔﺎﻕ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺍﻟﻨﻬﻮﺽ، ﻭﻫﻲ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﺗﻌﺒﺮ ﻋﻦ ﻭﺟﻮﺩ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﻭﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ، ﻭﻻ ﺗﻌﻜﺲ ﺍﻟﺘﺄﺧﺮ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ، ﻫﻮ ﻧﻤﻂ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺍﻟﺮﺛﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺧﺬﻧﺎ ﺑﻪ ﻭﻋﺸﻨﺎ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻳﻔﺘﻘﺮ ﻟﻜﻞ ﻣﻘﻮﻣﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺍﻟﻌﻘـﻞ ﻭﺍﻻﺳﺘﻤﺮﺍﺭﻳﺔ . ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻨﻤﻂ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻜﺲ ﺳﻴﻄﺮﺓ ﻣﺼﺎﻟﺢ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﻭﺗﻮﺍﺯﻧﺎً ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺎً ﻟﻠﻘﻮﻯ ﺍﻟﻔﺎﻋﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ .

ﻭﻟﻴﺲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﻧﺎﺗﺠـﺎًﻋﻦ ﺍﻟﻤﻌﻄﻴﺎﺕ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺘﻐﻴﺮ، ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻣﻌﻄﻰ ﺗﺎﺭﻳﺨﻲ ﻗﺎﺑﻞ ﻟﻠﺘﻐﻴﻴﺮ ﻭﻳﻤﻜﻦ ﺗﻐﻴﻴﺮﻩ ﺑﺎﻟﻌﻤﻞ ﻭﺍﻟﻜﻔﺎﺡ ﺍﻟﻤﻨﻈﻢ . ﺍﻟﻤﻬﻢ ﺃﻥ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻟﺘﺤﺪﻱ ﺃﻱ ﺍﻹﺧﻔﺎﻕ ﻭﺍﻧﺘﻜﺎﺳﺔ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﺍﻟﺘﺠﺪﻳﺪﻳﺔ ، ﻻ ﺗﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻮﺩﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻱ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﻭﺍﻟﺒﺎﻟﻲ، ﻭﻟﻜﻦ ﺗﻐﻴﻴﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﺍﻟﺴﻠﺒﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺎﺩ ﺇﻟﻰ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺍﻟﺮﺛﺔ، ﺛﻢ ﻓﻲ ﻧﻘﺪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺍﻟﺮﺛﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻣﻦ ﻣﻨﻈﻮﺭ ﻭﻣﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ، ﺃﻱ ﻣﻦ ﻣﻨﻄﻠﻖ ﺗﺄﻛﻴﺪ ﻗﻴﻢ ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﻌﻘﻼﻧﻴﺔ ﻭﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺤﻘﺔ .

ﺑﺎﺧﺘﺼﺎﺭ، ﺇﻥ ﻣﺸﻜﻠﺘﻨﺎ ﻟﻴﺴﺖ ﻓﻲ ﺗﺮﻛﻨﺎ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﻟﻜﻦ ﻓﻲ ﻋﺪﻡ ﺗﻤﻜﻨﻨﺎ ﺑﻌﺪ ﻣﻦ ﻭﺿﻊ ﻳﺪﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﻋﻮﺍﻣﻞ ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﻭﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﻭﺧﻠﻖ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ .

ﺑﻞ ﺇﻧﻨﺎ ﻻ ﻧﻜﺘﺸﻒ ، ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ، ﺃﻫﻤﻴﺔ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺇﺷﻜﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ ﻭﺇﺣﻴﺎﺀ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﺮﺣﺒﺔ ﻭﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺳﻴﺎﻕ ﻧﻘـﺪﻧﺎ ﻟﻨﻈﺎﻡ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺍﻟﺮﺛﺔ، ﻭﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺗﺠﺎﻭﺯﻫﺎ ﻧﺤﻮ ﺣﺪﺍﺛﺔ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﺗﻌﻜﺲ ﻃﻤﻮﺣﺎﺕ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ ﺍﻟﻌﻤﻴﻘﺔ ﻟﻠﺘﻐﻠﺐ ﻋﻠﻰ ﺗﻨﺎﻗﺺ ﺗﺠﺮﺑﺘﻬﺎ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ، ﻭﺍﻟﻤﺴﺎﻫﻤﺔ ﺍﻹﻳﺠﺎﺑﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﺴﻴﺮﺓ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ .

ﺗﺼﻮﺭ خاطئ

ﻭﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺼﻮﺭ الخاطئ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻮﺣﻲ ﺑﻪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﻋﻦ ﺃﻣﺔ ﻋـﺮﺑﻴﺔ ﺫﺍﺕ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺗﺎﺑﺔ ﻭﻻ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻘﺪﻡ ﺃﻱ ﺇﻃﺎﺭ ﻟﻔﻬﻢ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﻨﻊ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻤﻼﻙ ﻧﺎﺻﻴﺔ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ... ﻓﺎﻟﻌﺮﺏ ، ﻣﺜﻠﻬﻢ ﻣﺜﻞ ﻏﻴﺮﻫﻢ ﺗﻤﺎﻣﺎ، ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ، ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺗﻨﻈﻴﻤﺎﺕ ﻭﺗﻘﻨﻴﺎﺕ ﻭﻋﻠﻮﻡ ﻭﻭﺳﺎﺋﻞ ﻋﻤﻞ ﻭﺇﻧﺘﺎﺝ .

ﻭﻣﺜﻞ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻤﺎﺕ ﻭﺍﻟﻨﻈﻢ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻳﺔ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻤﺮ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻻ ﻧﻬﺎﻳﺔ . ﻓﻠﻜﻞ ﻧﻈﺎﻡ ﺣﻀﺎﺭﻱ ﻃﺎﻗﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﻻ ﺑﺪ ﺃﻥ ﺗﺴﺘﻨﻔﺬ . ﻭﻧﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻱ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﻗﺪ ﺍﺳﺘﻨﻔﺬ ﻃﺎﻗﺘﻪ ﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﺣﻘﻖ ﺃﻫﺪﺍﻓﻪ ﻭﺗﺤﻘﻖ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ .

ﻭﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﺃﻥ ﺗﻌﻮﺩ ﺍﻟﺴﻴﺎﺩﺓ ﻭﺍﻟﺴﻄﻮﺓ ﻟﺘﻠﻚ ﺍﻟﺸﻌﻮﺏ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺎﺕ ﻭﺍﻟﻠﻐﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺭﺗﺒﻄﺖ ﺑﺎﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻱ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﺸﺄ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ . ﻓﺎﻟﺴﻴﺎﺩﺓ ﺗﻌـﻮﺩ ﻟﻠﻤﺒﺪﻋﻴﻦ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺯﻣﺎﻥ ﻭﻣﻜﺎﻥ . ﻭﻳﺘﻄﻠﺐ ﺍﻹﺑﺪﺍﻉ ﺑﺎﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ﺗﻐﻴﻴﺮ ﺍﻟﻨﻈﻢ ﻭﺗﻐﻴﻴﺮ ﺍﻟﺴﻴﺎﺩﺓ .

ﻭﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﻷﻱ ﺷﻌﺐ ﺃﻥ ﻳﺒﻘﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻭﺍﻟﻘﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﺣﺪﻭﺩ؛ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﺗﻔﻮﻗﻪ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺼﺪﺭ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻟﺘﺨﻠﻔﻪ ﺍﻟﻼﺣﻖ . ﻭﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﻋﺮﻓﻪ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﻛﻐﻴﺮﻫﻢ ﺗﻤﺎﻣﺎ . ﻭﻣﺎ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺇﺫﺍ ﻣـﺎ ﺃﺭﺍﺩﻭﺍ ﺃﻥ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯﻭﺍ ﻣﻮﻗﻊ ﺍﻟﻀﻌﻒ ﻭﺍﻟﺘﺒﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺨﻠﻒ ﻭﺍﻧﻌﺪﺍﻡ ﺍﻟﺴﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﻴﺸﻮﻥ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻴﻮﻡ، ﻭﻫﺬﻩ ﻫﻲ ﻣﺸﻜﻠﺘﻬﻢ ﺍﻟﻔﻌﻠﻴﺔ، ﺇﻻ ﺃﻥ ﻳﺠﺘﻬﺪﻭﺍ ﻻﺳﺘﻴﻌﺎﺏ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻱ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﻭﻳﺒﺪﻋﻮﺍ ﻓﻴﻪ .

ﺍﻟﻌـﻴﺐ ﻓﻴﻨﺎ ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺨﻨﺎ

ﻭﻫﺬﺍ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻥ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺗﺨﻠﻔﻨﺎ ﺍﻟﺮﺍﻫﻦ ﻣﻮﺟﻮﺩﺓ ﻓﻴﻨﺎ ﻭﻓﻲ ﻧﻈﻤﻨﺎ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﺍﻟﺮﺍﻫﻨﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻗﻤﻨﺎﻫﺎ ﺑﺄﻧﻔﺴﻨﺎ ، ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﻣﺎ ﺗﺮﻛﻪ ﻟﻨﺎ ﺗﺎﺭﻳﺨـﻨﺎ . ﻭﻻ ﻳﺸﺒﻪ ﻣﺎ ﻳﻌـﻮﻕ ﻣﺴﻴﺮﺗﻨﺎ ﺍﻟﺮﺍﻫﻨﺔ ﻻ ﻣﻦ ﻗﺮﻳﺐ ﻭﻻ ﻣﻦ ﺑﻌﻴﺪ ﻣﺎ ﻋﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﻮﺩ ﻭﺍﻧﺤﻄﺎﻁ ﺣﻀﺎﺭﺗﻨﺎ ﺍﻟﻤﺎﺿﻴﺔ . ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻣﺎ ﻗﺎﺩ ﺃﺳﻼﻓﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﻣﻮﻗﻊ ﺍﻟﺴﻴﺎﺩﺓ ﻭﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﻭﺍﻹﺑﺪﺍﻉ ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻱ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﺩﻧﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨﺮﻭﺝ ﻣﻦ ﻣﺄﺯﻗﻨﺎ ﺍﻟﺮﺍﻫﻦ، ﻓﻤﺎ ﺻﻠﺢ ﻟﻌﺼﺮ ﻻ ﻳﺼﻠﺢ ﺑﺎﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻟﻌﺼﺮ ﺁﺧﺮ، ﻭﻟﻮ ﺃﺭﺩﻧﺎ ﺃﻥ ﻧﺨﺘﺼﺮ ﺳﺒﺐ ﻣﺼﺎﺋﺒﻨﺎ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻟﻘﻠﻨﺎ ﺇﻥ ﺳﺒﺐ ﺇﺧﻔﺎﻗﺎﺗﻨﺎ ﺟﻤﻴﻌﺎ ﻓﻲ ﺍﺳﺘﻴﻌﺎﺏ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻭﺍﻟﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺳﻴﻄﺮﺗﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ ﻭﻣﺤﻴﻄﻨﺎ ﻣﻌﺎ ، ﻫﻮ ﻧﺰﻭﻋـﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻹﻗﺘﺪﺍﺀ ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺤﻠﻮﻝ ﺍﻟﺠﺎﻫﺰﺓ، ﺳﻮﺍﺀ ﺃﻛﺎﻧﺖ ﺷﺮﻗﻴﺔ ﻗﺪﻳﻤﺔ ﺃﻭ ﻏﺮﺑﻴﺔ ﺣﺪﻳﺜﺔ ﺑﺪﻝ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﻭﺍﻹﺑﺪﺍﻉ .

.....................................

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016