العالم الإسلامي بين الأصدقاء والأعداء

ينزل الوحي الإلهي والرسالة السماوية في مكّة المكرمة وفي غار حراء على أفضل إنسان على وجه الأرض، فيبعث رسولا ونبيا، ويمضي وهو يحمل هذ النور المبين، والرسالة الكبيرة، والأمانة العظمية إلى بيته، ليقصّ ما جرى له على صاحبة أسراره ورفيقة حياته خديجة الكبرى رضي الله عنها، فتؤمن به، ولا تألو جهدا في تقوية قلبه وراحة باله. ثم يقع نور الإسلام في قلوب ذوى الفطرة السليمة والصادقين والواقعيين شيئا فشيئا، وكل من يعتنق الإسلام منهم، يرى نفسه والرسول صلى الله عليه وسلم نحو غاية واحدة وهدف واحد، والجميع يستقيمون ويصمدون صمود الجبال في تبليغ رسالة الحق والخدمة إلى الإسلام.

اعتناق الإسلام يعني مواجهة أي نوع من المشكلات والآلام في العهد المكي وكذلك المدني، لذلك تحمّل الذين اعتنقوا الإسلام مخلصين في ذلك الوقت كلّ أنواع المحن والمشكلات، ولقد وصل التعاطف والتعاون والتوادّ بينهم إلى حدّ كانت تعتبر مشكلة الفرد وألمه مشكلة الجميع وألمهم، ومشكلة الجميع وألمهم مشكلة الفرد وألمه، بحيث إذا اشتكى أحدهم الجوع اشتكى الجميع؛ وعندما يتضرر أحدهم أو تصيبه خسارة، يشعر بها الجميع، ويسعون في دفع الضرر منه وتدارك خسارته؛ وعندما يصاب المجتمع بمشكلة أو أزمة، يثور القلق في كافّة أفراده، ويسعى الجميع لمواجهتها، ويبحث الجميع عن حلول لها.

وصفت أوضاع المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت، تلك المدينة المثالية التي تطلع إليها المسلمون في الأجيال اللاحقة على لسان الرسول الكريم بهذه الكلمات: "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". (رواه مسلم)

في العهود اللاحقة، وإن برزت مشكلات وسوء تفاهمات وضعف من ناحية، ومؤامرات أعداء الإسلام والمنافقين من ناحية أخرى، وضعفت الوحدة السابقة إلى حدما، واشتعلت نيران الاختلافات، لكن مع ذلك بقيت الأمة متحدة وفي جبهة واحدة تجاه مؤامرات أعداء الإسلام، ولم تسمح أن يستغل الأعداء الاختلافات والنزعات استغلالا سيئا.

يمكن لنا أن نفهم هذا الموضوع أفضل من خلال التعمّق في الحادثة التاريخية التي ذكرها العلامة ابن كثير، والتي لنا فيها درس كبير. يقول ابن كثير رحمه الله في كتابه تاريخ البداية والنهاية: "فلم يزل معاوية (رضي الله عنه) نائبا على الشام في الدولة العمرية والعثمانية مدّة خلافة عثمان (رضي الله عنه)، وافتتح في سنة سبع وعشرين جزيرة قبرص وسكنها المسلمون قريبا من ستين سنة في أيامه ومن بعده، ولم تزل الفتوحات والجهاد قائما على ساقه في أيامه في بلاد الروم والفرنج وغيرها، فلما كان من أمره وأمر أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه) ما كان، لم يقع في تلك الأيام فتح بالكلية، لا على يديه ولا على يدي علي (رضي الله عنه)، وطمع في معاوية (رضي الله عنه) ملك الروم بعد أن كان قد أخشاه وأذله، وقهر جنده ودحاهم، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب علي (رضي الله عنهما) تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة وطمع فيه، فكتب معاوية إليه: والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا وابن عمي عليك ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت. فعند ذلك خاف ملك الروم وانكفّ، وبعث يطلب الهدنة. (ابن كثير، البداية والنهاية:173/8)

ثمّ جرى أمر التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما بعد هذه الواقعة صيانة للدماء وإيقافا لزوال قوى المسلمين في النزاعات الداخلية، وسدّا لأبواب الاستغلال السيء من جانب الأعداء المتربصين، إلى أن جاء ذلك الصلح الهامّ التاريخي بين معاوية والحسن بن علي رضي الله عنهما، فانعقدت الكلمة على معاوية في سنة إحدى وأربعين، وانتهت النزاعات والاختلافات الداخلية، وبهذا الصلح وعودة الأمن ووحدة الكلمة في البلاد الإسلامية، حصلت تقدمات وظهرت الفتوحات الإسلامية من جديد.

إن الواقعة المذكورة تحمل معها دروسا عديدة؛ منها: كلما ظهرت اختلافات وانشقاقات وتفرقات بين الجماعات والمكوّنات الأساسية المؤثرة في العالم الإسلامي، وأدّت هذه الاختلافات إلى الصراعات الدموية والمواجهات المسلحة والحروب الداخلية، توفرت مجالات تدخّل الأعداء العابث وطمعهم في البلاد الإسلامية واحتلالهم لها، إضافة إلى الخسائر التي تركتها هذه الحروب في الأرواح والممتلكات.

الدرس الآخر أن نرحّب بكل فرصة وإمكانية للمصالحة، وإيقاف نزيف الدماء ما أمكن، وأن نتقدم نحو الوحدة والانسجام.

وإن دققنا النظر، نجد أن في القرون الأولى كانت الغيرة الدينية  والإسلامية للمسلمين تبلغ إلى حد لم يكن يتحمل حكام البلاد الإسلامية رغم سمعتهم السيئة في تنفيذ العدل والأحكام الإسلامية، أن يتركوا نداء مسلم أو مسلمة بلا جواب.

يحكي البلاذري في فتوح البلدان: أنّ سفينة كانت فيها نساء مسلمات تعرض لها قوم من ميد الديبل في بوارج، فأخذوا السفينة بما فيها، فنادت امرأة منهن وكانت من بني يربوع، يا حجاج! وبلغ الحجاج ذلك، فقال: يا لبيك، فأرسل إلى داهر يسأله تخلية النسوة. فقال: إنما أخذهنّ لصوص لا أقدرعليهم، فأغزى الحجاج عبيد الله بن نبهان الديبل فقتل، فكتب إلى بديل بن طهفة البجلي وهو بعمان يأمره أن يسير إلى الديبل، فلما لقيهم نفر به فرسه فأطاف به العدو فقتلوه... ثم ولى الحجاج محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل في أيام الوليد بن عبد الملك فغزا السند...(فتوح البلدان)

تاريخنا الحافل بالمفاخر مليئ بمثل هذه النماذج، ولا شكّ أنهم كانوا رغم ما لديهم من ضعف وهوان، مسلمون غيارى.

لكن ساءت أوضاع الأمّة الإسلامية وتدهورت في عصرنا، وتعلو صرخات المستصرخين والمستصرخات يوميا، وتعرض الجثث المتقطعة والأشلاء الممزعة للأطفال للعالم يوميا، وتنتهك عفة الحرائر وكرامتهن. يحدث كل هذا وكأنّ شيئا لم يحدث! والأسوء من ذلك أن بعض المسلمين يتحالفون مع أعداء الإسلام على فريق آخر منهم، يضطهدونهم ويقمعونهم، وهناك البعض من المسلمين يهجمون على بلد إسلامي بإشارة الكفار، يقتلون أهله ويدمرون منازلهم، وهم يفتخرون بتحالفهم مع الأعداء.

والكارثة أنّ أعداء الإسلام أدركوا نقاط ضعف المسلمين، ويعلمون جيدا طرق إثارة الكراهية والطائفية بينهم، بحيث أنّ المرء المسلم يرى المسلم الذي يخالفه في الرأي أسوء من كل كافر، ولا يفكر في خيار تجاه أخيه المسلم الذي يخالفه في الرأي سوى تصفيته الجسدية أو طرده.

المؤسف أن الكثير من الكفار والمشركين لا يشعرون تهديدا من جانب بعض المسلمين، بل يتمتعون بعناياتهم ومجهوداتهم؛ لكن المسلمين الذين لا يفكرون مثلهم، لا يأمنون جوانب هؤلاء المسلمين.

نظرا إلى الأوضاع المتدهورة، يتساءل الكثير من المسلمين والجيل المعاصر بصراحة أحيانا وبلسان الحال أخرى: إلى متى تستمر هذه الأوضاع في العالم الإسلامي؟ لماذا الأسلحة التي يجب أن تستخدم ضدّ العدو المشترك، تستخدم ضدّ المسلمين؟ لماذ يبدل المسلمون ثرواتهم وأموالهم إلى ركام ورماد؟ لماذا تدمر منازل المسلمين وبيوتهم بأيدي المسلمين فوق رؤوسهم؟ لماذا يتحالف البعض من المسلمين مع الأعداء الألداء والحاقدين لاستهداف وقمع إخوانهم المسلمين؟ أين ذهبت الغيرة الإسلامية؟ هل هذه هي الأخوة الإسلامية؟! ما هي متطلبات الوحدة الإسلامية والأخوة الدينية؟

في العصر الذي تحالفت اليهود والنصارى، الطائفتان اللتان كانت بينهم عداوة كبيرة، لماذا تعجز الفرق والأحزاب الإسلامية والاتجاهات المتنوعة من أن يقترب بعضها مع بعض، ويجربوا عمليا الوحدة والتعاطف والتواد بينهم؟ ماهي المهمة الشرعية للعلماء والمفكرين في العالم الإسلامي في مثل هذه الأوضاع؟ أي فرصة تنتظرها الحكومات والأحزاب والمؤسسات الإسلامية ونشطاء مجالات الدعوة والتبليغ والإصلاح ليقوموا بدورهم؟ ألا توجد في منظمة التعاون الإسلامي عقول مبتكرة تطرح حلولا ناجعة للخروج من المأزق الراهن؟ و...؟

هذه أسئلة بلا جواب، يواجهها في عصرنا جماهير الشعوب المسلمة في العالم الإسلامي، ولا شك أن الأجيال القادمة لن يغفر ولاة الأمور والمسؤولين المعاصرين؛ والمعنيين بشؤون المسلمين لأنّ تبعات التدمير والتخريب الموجودة، لن تبقى حكرا على الجيل المعاصر.

وما لا يخفى على أحد، أن اللامبالاة وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه الأوضاع المتدهورة، ليست لها مكانة في قاموس الإسلام فحسب، بل تكون سببا للخزي في الدنيا والآخرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".

نأمل أن تُحدث الأزمات الراهنة تغييرات مؤثرة ومفيدة في مجال الفكر وسلوك المسلمين، وأن تدفع هذه الأمواجُ الهائلةُ للفتن والتوترات، العالمَ الإسلاميَ والمجتمعَ البشريَ نحو مزيد من الوعي والصحوة. 

وهو المستعان وعليه التكلان ولاحول ولا قوة إلا بالله.

بقلم: سماحة الأستاذ المفتي محمد قاسم القاسمي

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016