الشيخ المُقري محمد طيب القاسمي

هو العالم الهنديّ الكبير الذي انتهت إليه رئاسة الخطابة الدينية في العهد الأخير، والّذي جمع بين الشرف في النسب الديني والنسب الطينيّ معًا ، وتمتّع بالشعبيّة غير العادية عبر شبه القارة الهندية.
فهو حفيد الإمام محمد قاسم النانوتويّ المتوفى 1297هـ / 1880م الّذي كان رئيس الطائفة المؤمنة والكتيبة الربّانية الّتي أسّسَت جامعة ديوبند الشهيرة ، والّضي ينتهي نسبه إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وهو النجل الأكبر للشيخ الحافظ محمد أحمد ابن الإمام النانوتويّ المتوفى 1347هـ / 1928م الذي راس جامعة ديوبند مدة أربعين عامًا في الفترة ما بين 1313هـ / 1895م و 1347هـ / 1928م.
في هذا البيت العلمي والوسط الديني وُلِدَ سماحة الشيخ محمد طيب رحمه الله تعالى في محرم 1315هـ / مايو 1897م، وذلك في مدينة "ديوبند" بمديرية "سهارنفور" بولاية "أترَا برَاديش" بالهند. وسُلِّمَ للكتّاب وهوابن سبع سنين، وانتهى من حفظ القرآن الكريم مع إتقان التجويد والقراأت في ظرف سنتين، وانتسب إلى القسم الفارسيّ والأرديّ بجامعة ديوبند؛ ثم انتسب فيها لتلقي الدراسات العليا إلى القسم العربي المخصص للشريعة الإسلامية ، فتخرّج منه عالمًا متضلّعاً عام 1337هـ / 1919م وهو ابن نحو (22) سنة فقط.
وكان من بين الشيوخ الأجلاء الّذين قرأ عليهم في جامعة ديوبند الشيخ محمود حسن الديوبندي المعروف بــ "شيخ الهند" المتوفى 1339هـ / 1920م الّذي أسس لتحرير الهند من مخالب الاستعمار "حركة الرسائل الحريرية" المعروفة جدًّا في تأريخ تحرير الهند: والشيخ خليل أحمد السهارنفوري المدني المتوفى 1346هـ /1927م صاحب "بذل المهجهود في حلّ سنن أبي داؤد" في مجلدات كبيرة؛ والمفتي الأكبر بجامعة ديوبند الشيخ عزيز الرحمن العثماني الديوبنديّ المتوفى 1347هـ / 1928م ؛ والمحدث الكبير الشيخ العلاّمة أنور شاه الكشميري المتوفى 1352هـ / 1933م الّذي انتهت إليه رئاسة الحديث في عصره؛ والشيخ حبيب الرحمن العثماني الديوبنديّ نائب الرئيس والرئيس الأسبق لجامعة ديوبند المتوفى 1348هـ / 1929م؛ والعلامة شبير أحمد العثماني الديوبندي ثم الباكستاني صاحب التفسير الشهير للقرآن الكريم باللغة الأردية (المطبوع أخيراً من قبل مجمّع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة) المتوفى 1369هـ / 1949م؛ والعالم الربّاني الشيخ السيد أصغر حسين الديوبندي المتوفى 1364هـ / 1944؛ والشيخ إعزاز علي الأمروهويّ المعروف بــ mشيخ الأدبl المتوفى 1374هـ / 1954م ؛ والشيخ محمد إبراهم البَلْيَاويّ المتوفى 1387هـ / 1967م.
وتخرّج في التزكية والإحسان على الشيخ محمود حسن (شيخ الهند) الديوبندي المذكور، والشيخ الكبير العلامة أشرف علي التهانوي المعروف بــ "حكيم الأمة" المتوفى 1362هـ / 1943م.
وإلى جانب هذا التقدم الهائل الّذي شهدته الجامعة على عهد رئاسته على كافّة الأصعدة البنائية والإدارية والتعليمية وعلى صعيد السمعة المطبّقة والصيت الذائع؛ إلى الوقار والاعتبار الذين جعلاها جامعة شعبية فريدة منقطعة النظير في الشرق الإسلامي هذا ؛ إلى جانب ذلك كان دوره طليعيّاً كذلك في "الدفاع عن الإسلام والمسلمين".
وذلك انطلاقًا من أسوة مشايخ الجامعة : مؤسسيها و أبنائها الّذين ظلّوا يحاربون الاستعمار الإنجليزيّ بكافة الأسلحة، ثم ظلّوا في طليعة المحاربين للفرق الضالّة والطوائف المنحرفة، بما فيها القاديانية، والبريلوية، والحركات المستهدفة للإسلام من قبل الإحيائية الهندوسيّة والتبشير المسيحيّ.
أما بالنسبة للقاديانية فقد شارك مع مشايخه و زملائه في كثير من المناظرات والمقاومات، كما كتب وخطب طويلاً في هذا الموضوع.
وبالنسبة للبريلويّة فقد كان لساناً ناطقاً ضدها بخطاباته التي لا تُحْصى ، والتي قلّما بقيت مدينة أو قرية في شبه القارة الهندية لم تستمع لها. وكانت معظم خطاباته تدور حول غرس الحقائق الأصيلة للإسلام في قلوب الجماهير.
والمطّلع على أحوال الهند يعرف جيداً أن قضية الحفاظ على الشرائع الإسلامية لم تقلَّ أهميّة في الهند المستقلّة، بل ربما أخذت أهميّة متزايدةً من أجل المآسي التي شهدها الشعب المسلم ولا يزال يشهدها في هذا الخصوص بشكل لم يكن ليتصوّره في الهند المستعبدة التي كان هو في مقدمة المضحين بالنفس والنفيس في سبيل تحريرها ، وذاق في هذا السبيل ويلات لم يذقها بالتأكيد أي من طوائف البلاد.
ونحمد الله عز و جلّ أن الجامعة ظلّت بقيادة الشيخ محمد طيب الحكيمة ملاذاً للشعب المسلم الهنديّ بالنسبة لكّل محاولةٍ رامية لدينه وعقيدته ، و قامت بالجهد المشكور في تحطيم المحاولة في مهدها أو ظلّت تلاحقها لآخر مرحلة .
في الثمانينات من القرن الميلاديّ الحاليّ، ولا سيما عام 1392هـ / 1972م قامت محاولات للتدخّل في قانون الأحوال الشخصيّة لمسلمي الهند بشدةٍ غير عادية، وقيل : إن الشرائع الإسلامية عادت لا تفي بمطالب العصر.
فأمر رئيس الجامعة اليشخ محمد طيب بتكوين لجنة من كبار أساتذة الجامعة لتقوم بتفنيد شبهات المشككين والمعترضين. ثم عَقَدَ رحمه الله في رحاب الجامعة يوم 26/ صفر 1392هـ الموافق 14/ مارس 1972م اجتماعاً دعا إليه كبارَ علماء ديوبند و آخرين من العلماء والمفكرين والمثقفين المسلمين؛ حتى يتّخذوا موقفًا موحّدًا فيما يتعلق بالأحوال الشخصية للمسلمين والدفاع عنها. و تدارس المجتمعون جميعَ نواحي القضيّة ، وأعدّوا مذكرة تتضمن أسئلة وُجِّهَتْ للعلماء و رجال الإفتاء لشتى مدارس الفكر الإسلامية في الهند، وطُلِبَ إليهم أن يوافوا الجامعة بأجوبتهم في أواخر يوليو 1972م الموافق أوائل رجب 1392هـ.
كما اتفق المجتمعون على عقد مؤتمر موسّع لعموم الهند حول الموضوع. واتّخذ رئيس الجامعة لهذا الاجتماع الموسّع لجاناً عديدةً تتضمّن رجالَ القانون ورجالَ الدعوة والفكر إلى رجال العلم والإفتاء.
واللجنة المحليّة في هذا الشأن عقدتْ اجتماعها في الجامعة يوم 2/ جمادى الأخرى 1392هـ / الموافق 16/ يونيو 1972م ، وقرّر أن يُعْقَدَ اجتماع كبير في الجامعة في 5ء6 رجب 1392هـ الموافق 17ء18 يوليو 1972م لدارسة أجوبة العلماء حول الأسئلة المشار إليها.
وحسب المقرر عُقِدَ المؤتمر الموسّع لعموم الهند في مدينة بومباي في 20ء21 ذو القعدة 1392هـ الموافق 28ء29 نوفمبر 1972م. ونظراً لأهمية الموضوع ارتأى العلماء أن تكون الدعوة مُوَجَّهَةً من قبل رؤساء وقادة شتى المنظّمات الإسلامية المعروفة. وكان كذلك ؛ فقد اجتهدت جميع المنظمات والجمعيّات الإسلامية في عقد المؤتمر، وقد تكلّل بالنجاح من جميع الاعتبارات بشكل غير عاديّ. وبإجماع ممثلي جميع المنظّمات المُساهِمَةِ في الدعوة لعقد هذا المؤتمر بما فيها أهل السنّة والشيعة والديوبنديّة والبريلويّة وأهل الحديث والجماعة الإسلامية وكل من الطّوائف التي تنتمي إلى الإسلام ويعتبرها الدستور الهندي مسلمةً، أسْنِدَتْ رئاسةُ المؤتمر إلى سماحة الشيخ محمد طيب رحمه الله تعالى.
ومن على منبر هذا المؤتمر التأريخي المشهود أعلن الشعب المسلم بجميع طوائفه و مذاهبه أنه لن يتحمّلَ أيَّ تدخّل للتغيير في أحواله الشخصية . وتمخّض المؤتمر عن قيام هيئة للأحوال الشخصية لعموم الهند تُمَثَّل جميع المذاهب والمدارس الفكرية للمسلمين ؛ وأجمع المؤتمرون على انتخاب الشيخ محمد طيّب رئيسا للهيئة، والشيخ منت الله الرحماني أمير الشريعة لولايتَي بيهار و أريسه سابقاً (المتوفى 1411هـ / 1991م) أميناً عاماً للهيئة. وقد ظلاّ يتولّيان مسؤوليتهما نحو الهيئة لآخر لحظة من حياتهما.
وبشهادة التأريخ يُسَجّلُ أن الهند المستقلّة لم تشهد منبراً موحّدًا للدفاع عن الشريعة الإسلامية خصوصًا، وقضايا الإسلام والمسلمين عموماً ، أقوى من منبر هيئة الأحوال الشخصية لعموم الهند.
بما أنّه رحمه الله تعالي كان يجمع بين المؤهّلات والاهتمامات الكثيرة ، وبين العلوّ في النسب الدينيّ والنسب الطينيّ، وبين الوجاهة، والجمال الرجاليّ، والوقار العلمي، واللسان العذب.
وبما أنّ الجامعة الإسلامية دارالعلوم / ديوبند مهوى أفئدة الشعب المسلم في شبه القارة الهنديّة وأكبر وأقدم جامعة خاصة بالمسلمين في هذه الديار، إليها يفزعون في كل ما يحزبهم من مشكلة دينية، ومنها يستنيرون في كلّ ظلام قاتم، وبها يلوذون في كل ما يمسّ الدين والعقيدة في هذه البلاد.
وقد أتيح له رحمه الله تعالى أن يخدم مثل هذه الجامعة عبر هذه المدة المديدة، التي تقارب ستّين عاماً؛ فأكسبه ذلك من الشعبيّة والإعجاب والتقدير ما لم أعرفه في حياتي أنا لأحد من علماء الدين ورجال الأوساط الإسلاميه الذين عايشتُهم ، إلا القلائل الذين عرفوا بإخلاصهم وربّانيتهم وتعمقهم في الكتاب والسنّة مثل العلامة المحدّث الشيخ زكريا بن يحيى الكاندهلوي الذي وافته المنية في المدينة المنورة في 1/ شعبان 1402هـ / 27/أبريل 1982م.
فمن أجل ذلك كلّه انساقت إليه مناصب متنوعة ولاسيّما منصب الرئاسة والإشراف العامّ على عدد من المؤسسات والهيئات الإسلامية التي تضمّ مختلف القطاعات الدينية والمذاهب الفكرية والجماعات والمنظمات الإسلامية.
في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الخامسة تماماً من 6/ شوال 1403هـ الموافق 17/ يوليو 1983م: يوم الأحد، استأثرت به رحمة الله تعالى.

بقلم: حافظ إم خان
التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016