التصويت مجرد بطاقة أم أنه واجب شرعي؟
تعريب لمقالة حول التصويت  للمفتي محمد شفيع العثماني رحمه الله تعالى.

بدأت الدول كلها تلعب لعبة الانتخابات للحصول على عضوية البرلمان، ولتقوية الجمهورية، وهذه الانتخابات عادة تجرى بعد كل خمسة أعوام إلا إذا أطيحت الحكومة قبل إكمالها المدة المحددة، فحينئذ تجرى طارئا، والمرشحون يستعملون جميع وسائلهم في حصول عضوية برلمان، ظنا  أنها لعبة كلعبات أخرى، في الفوز والخسران، فعلى هذا الأساس يؤخذ الأصوات من الشعب، فلم يلتفت أحد من المسلمين والمتدينين إلى أن هذه اللعبة لا تنتهي في الدنيا  في النفع والضرر، بل يترتب عليها ثواب وعقاب في الآخرة أيضا، فالتصويت إما يكون سبب دخولنا في النار أو يكون سببا لرفع درجاتنا في الجنة، فكما قال الله سبحانه وتعالى : (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [الطور:55] ولذا أحببت أن أذكر حكم التصويت في ضوء القرآن والحديث.

الترشيح والمرشح

الذي يرشح نفسه لعضوية البرلمان فكأنه يدعي أمام الشعب لأمرين: أولا: يدعي أنه موهل لخدمتهم ولخدمة بلدهم، وثانيا: يدعي أنه يقوى على إنجاز مهمته  بالصدق والأمانة، فإن كان هو كما ادعى،  فينبغي له أن لا يرشح نفسه بنفسه، بل يفوض أمر الترشيح إلى أحد أحزاب المسلمين، فهم يرشحونه للانتخابات، والذي لم يكن عنده أهلية لخدمة الشعب وبلدهم، ولم يوصف بالصدق والأمانة، فإن رشح نفسه رغم هذا كله فهو خائن وغادر، فيستحق العقاب في الآخرة فضلا عن كونه سببا في الدنيا لضرر الشعب والبلد.

فكل من أراد ترشيح نفسه لعضوية البرلمان فإذا كان رجلا متدينا فقبل أن يدخل الانتخابات لا بد أن يحاسب نفسه من حيث أنه أولا كان مسئولا عن أسرته، لكن منذ أن رشح نفسه من قبل أي حزب فهو مسئول عن كل من ينتمي إلى  ذاك الحزب، ويسأل عنهم يوم القيامة.  

الصوت و المصوت

لا مرية أن للصوت اعتبارات في ضوء القرآن والحديث،

الاعتبار الأول: الشهادة

 فمن حيث أنه شهادة، كأن المقترع والمصوت  يشهد أن المرشح مؤهل لهذا المنصب, صادق وأمين في أداء مسئوليته، فإن كان بالفعل هو موصوفا بهاتين الصفتين، فجيد، وإن لم يكن موصوفا بهما، فالشهادة تكون كذبة، فيكون له عقاب وإثم كبير، ولقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهادة الكاذبة من أكبر الشرك.

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكَبَائِرَ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الكَبَائِرِ فَقَالَ: " الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، فَقَالَ: أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ، أَوْ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ " قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ: «شَهَادَةُ الزُّورِ» (رواه البخاري)

 فإن كان في دائرة الانتخابات المرشحون أكثر من واحد، والناخب يعلم أن أحدهم أهل للمنصب الذي رشح نفسه، فإدلائه  الصوت في حق غيره يعتبر إدخال نفسه في أكبر الكبائر من الإثم، فينبغي للمصوت النظر حين إدلائه الصوت إلى الآخرة دون خوف وطمع.

الاعتبار الثاني: أنه شفاعة.

قال الله سبحانه وتعالى في كلامه: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا) (85)

 فالشفاعة الحسنة هي أن تشفع لرجل أنه صادق أمين وأهل لهذا المنصب ويقوى على أداء حقوق العباد بأكملها، وبالفعل يكون موصوفا بنفس الصفات التي وصفته بها.

أما الشفاعة السيئة فهي أن تشفع لرجل بأنه أهل لهذا المنصب والحقيقة خلاف ما قلت، أي أنه لم يكن أهلا له.

فيثبت من هذه الآية أن الذي تولى المنصب لأجل أصواتنا إذا كانت أعماله في غصون خمس سنوات في برلمان حسنة، وكان يجتهد في أداء المسئولية فيكون لنا أيضا حظ وافر في هذا الخير ونؤجر إن شاء الله في الآخرة، أما لو كانت أعماله سيئة ولم يكن يؤدي مسئوليته فيكون علينا أيضا وزره، فنعاقب ونحاسب يوم القيامة، ولذا علينا أن نحتاط في التصويت.

الاعتبار الثالث: أنه توكيل ووكالة

المصوت يجعل المرشح مندوبا ووكيلا، لكن نفع الانتداب والوكالة وضرره لم يكن محصورا عليه، بل يتعدى إلى الآخرين، فإذن، هذه الوكالة والانتداب لا يختص بذاك المصوت، وإنما يتعلق بحقوق يشترك فيها الشعب كلهم، فعندما ندلي الصوت في أحد المرشحين الذي لم يكن مؤهلا للمنصب كأننا ساعدناه في إتلاف حقوق الآخرين،  فلذا يجب علينا أن نكون حذرين في إدلاء الصوت فيمن يكون أهلا لذاك المنصب.

ملاحظة: اتضح في ضوء القرآن والحديث أن إدلاء الصوت فيمن لم يكن أهلا لهذا المنصب إثم، كذاك إعطاء الصوت فيمن يكون أهلا باعث الأجر والثواب.

فعدم إدلاء الرجال الصالحين الأصوات أصلا يولي الفساق بالمناصب العليا، فلذا لا بد من خروجهم، ثم إذا رأوا  أحدا يليق بالمنصب، فيصوتونه، أما لو لم يكن أحدا مؤهلا فلا أقل أنهم يصوتون فيمن يكون أخف ضرر بعد تولي المنصب، لو تخلفوا نهائيا فهذا يعد مساعدة الظالم على ظلمه، والمشاركة في هذه الجريمة.

كما لو أن على جسده نجاسة وولم يكن قادرا على إزالتها فعلى الأقل يزيلها قدر وسعها، كذاك في التصويت.

خلاصة المقالة:

عدم التصويت جريمة، والكذب فيه حرام، وأخذ العوض على أدائه أيضا حرام، والاعتقاد بأنه مجرد لعبة للفوز والخسران في الدنيا أيضا خطأ كبير، وتصويتك أيضا شهادة له على أنه مؤهل وأمين وصادق، وهو أفضل في أداء المسئولية وحقوق الشعب من الآخرين، فلو وضعت النقاط المذكورة أعلاه لاستنتجت الأمور التالية:

  • كل من يتولى منصبا بصوتك وبشهادتك ، فالأعمال التي يقوم بها خلال منصبه هذا فإن كانت حسنة يؤجر عليها لكن أنت أيضا تؤجر بسبب صوتك وشهادتك، أما لو كانت سيئة فهو يحاسب ويعاقب في الآخرة وأنت أيضا تعاقب وتحاسب.
  • لتكن هذه النقطة محفوظة لديك بأن ضرر الأمر الذي يتعلق بشخصية، مقصور عليه، فلا يتجاوز عنه، لكن لو كان الأمر متعلقا بالشعب والدولة، فيكون ضرره أيضا أكبر، ولذا الثواب والعقاب المترتب عليه أيضا يكون كبيرا.
  • كتم الشهادة الصادقة في ضوء القرآن حرام، ولذا لو كان أحد المرشحين متدينا، صادقا أمينا في دائرة الانتخابات، فتقصير فيه اثم كبير.
  • الذي أفكاره تخالف أفكار الإسلام والمسلمين فتصويتك إياه يعد شهادة الزور.
  • التصويت لأجل المال والدنيا أيضا رشوة، وتمرد للإسلام والبلد.

لقد ثبت من هذه المقالة أن التصويت ليست مجرد بطاقة، فحسب، بل هو واجب شرعي.

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016