هل بإمكان العالم الإسلامي أن يكون قائد الأمم بعد أمريكا وروسيا؟

لا شك أن للحروب دورا كبيرا في إسقاط الأنظمة والدول والإمبراطوريات الكبرى، فلو نظرنا في التاريخ البشري لرأينا أمثلة كثيرة لسقوط إمبراطوريات ودول عظمى وصعود أخرى، فروما هيمنت لأكثر من ثلاثة قرون، وكانت لفارس همينة مدة من الزمن، وهناك العديد من الدول هيمنت زمنا ثم أصبحت أثرا بعد عين، وذهبت كأدراج الرياح. وقد أثبت التاريخ أن أهم عوامل سقوط الدول والإمبراطوريات هي الحروب والمظالم التي خاضتها تلك الدول مع الشعوب المستضعفة واستعمارها واستغلال مواردها ونهب مصادرها وفرض ثقافتها على الشعوب المقهورة والمغلوبة، وقد صدق عليها قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: ٥٩]

 

لا نذهب بعيدا، فقد كانت روسيا (الإتحاد السوفيتي) من كبرى الإمبراطوريات على وجه الأرض في القرن العشرين، وكان لها الهيمنة والسيادة على جزء كبيرة من الأرض، تخضع لها الرقاب، وتنقاد لها الشعوب والدول، ولكن عندما خاضت حروبا مع الشعوب المستضعفة وأبادت أمما واحتلت بلادا وتمادت في غيها، ضعفت قواها وانقسمت إلى دويلات، وفقدت هيمنتها وسيادتها على كثير من الدول الصغيرة والكبيرة، وتراجع اقتصادها إلى أدنى مستويات، إلى أن تحولت إلى دولة من الدول العادية في العالم.

فقد خلفت روسيا أمريكا في سيادة الأمم وقيادة العالم البشري، فأخذت بناصية أمم كثيرة وقادتها مدة من الزمن بفلسفاتها وعلومها وتقنياتها وأدبها وثقافتها، فأصبحت القوة العظمى لا يدانيها دولة، ولا يقوم ضدها أمة، إلا أنها لم تحسن الاضطلاع، فطغت واستكبرت وعاثت في الأرض الفساد.

لقد كانت أمريكا قبل عشر سنوات آخذة بناصية الأمم، ومالكة جزءا كبيرا من الأرض، تأمر وتنتهى، تعزل وتنصب وهي في أوج قوتها وقهرها، إلى أن أتى عليها أمر الله، فأترفت وبذخت، ثم طغت وتجبرت، فجاءت أحداث 11 من سبتامبر كنقمة ربانية على هذا الأخطبوط، حيث خاضت حروبا وحشية مدمرة، وارتكبت جرائم حرب بحق الشعوب، ومارست حماقات منكرة، ودعمت وساندت قوى الشر والضلال في العالم ضد مع الشعوب المستضعفة، وقتلت وأبادت نفوسا لا تحصى بعلة استئصال الإرهاب، مع العلم بأن تاريخها حافلا بالمآسي والويلات، ويداها ملطختان بالدماء، ولها جرائم مأسوية في جزء من أجزاءالعالم، احتلت العراق واحتلت أفغانستان، ومارست أبشع أنواع الجرائم اللاإنسانية، واستخدمت أحدث وسائل الدمار للتنكيل بالعالم الإسلامي ولإخضاع الشعوب الإسلامية وإسكات أصوات الحرية، وأنفقت من الأموال الطائلة ما الله به عليم. ولكن لم يمض على احتلالها عشر سنوات حتى تساقطت أركانها وتهدمت أجزاءها واهتز عرشها وذهبت هيبتها وقلّت هيمنتها وأدبر عنها الحلفاء، وسادت الفوضى واللااستقرار بلاد أمريكا وطالت دولا أوربيا وغربية.

وقد ذكر المحللون عدة بوادر لتراجع أمريكا كدولة عظمى، وهي كلها دلائل حية لانتهاء الدور الأمريكي لهيمنة الشعوب بعضها اقتصادية وبعضها اجتماعية، وهي أزمات ربما تقصم ظهر أمريكا وتعيدها إلى الوراء، فمن أهمها:

  • إفلاس الشركات الأمريكية الضخمة.
  • أزمة الديون التي تعصف بالولايات المتحدة الأمريكية منذ فترة.
  • ضعف الثقة بالدولار وتحول العالم إلى غيرها.
  • هروب رؤوس الأموال الأجنبية خاصة العربية والأوربية إلى حد.
  • تبدأ بعض الولايات الغنية في الولايات المتحدة في التفكير بالانفصال عن الولايات المتحدة الأمريكية.
  • تصادم قوميات وبيض وسود وحرب اهلية وفوضى عارمة وسلب ونهب وقتل في الولايات المتحدة.
  • عجز الدولة عن تمويل جيشها في الخارج، وعجز رعاية الحروب التي تخوضها خارج البلاد.
  • حدوث انتفاضات شعبية وسقوط للحكام في بعض البلاد التي كانت مرتبطة بأمريكا وتحت حمايتها خاصة العربية.
  • اشتعال الحروب في الشرق الأوسط ومن ثم تصارع القوتين الروسية والأمريكية في تقاسم البلاد المتحلة ولا يستعبد أن ينشب بينهما حروب تؤدي إلى إجهاز كلتا الدولتين المتغطرستين.
  • فشل الولايات المتحدة عن تقديم نظام عالمي شامل يجمع تحت أكتافه جميع المكونات والجنسيات والمذاهب.

ثم إن النظم والقيم والفلسفات التي فرضتها الدولتان الروسية والأمريكية أو الشرقية والغربية بتعبير أصح على العالم الإنساني والعالم الإسلامي بالأخص، بما فيها الإشتراكية والرأسمالية، تقود الأولى الدول الشرقية والثانية الدول الغربية،إن هذه الفلسفات قد عافتها العالم البشري وملّها، وهو الآن يتطلع إلى نظام عالمي جديد يسود العالم بفلسفته الجديدة ونظرته الجديد إلى الكون والحياة. ما ينبئ أن القوة التي تسود العالم الراهن قد عجز عن تلبية متطلبات العالم البشري وأن العالم ينظر إلى نظام جديد.

وقد حلل المفكرون الأمريكيون مستقبل أمريكا، ورأوها عاجزة اليوم عن تصدي التحديات والأزمات التي تعاني منها، ويرى الكثير منهم وبخاصة المنصفين أن ذلك لأجل أن أمريكا تمارس الديكتاتورية وإن كانت تنادي بالديمراطية الزائفة، فقد كتب أحدهم للرئيس الأمريكي أوباما : "وعلى الرغم من أننا دوما نصنف المجتمعات الأخرى ونصفها بأنها تمثل دول الشر فإننا نحن أنفسنا أصبحنا أكبر دولة الشر , أصبحنا لا نحترم المعاهدات الدولية , ونطأ بأقدامنا المحاكم الدولية , ونوجه ضربات أحادية الجانب لأي جهة نختارها , ونعطي أوامر للأمم المتحدة ولا نقوم بواجباتنا تجاهها , نشتكي من الإرهاب وإمبراطوريتنا هي أعظم دولة إرهابية من وجه الأرض".

ومن ناحية أخرى ينقص الولايات المتحدة الأمريكية إنجاب رجال مؤهلين يقودون أمريكا والعالم إلى بر الأمان بعد أن عصفت بها الأزمات والحروب، والدليل الحي على هذه الأزمة هي الانتخابات الأمريكية المقبلة، فالمرشحان المنتخبان باتفاق المحللين من أسوء المرشحين على الإطلاق من حيث التصرف الأخلاقي وسوء القيادة، مما يشير إلى أن أمريكا كما أصيبت في اقتصادها ونظامها أصيبت في رجالها، فلم تعد قادرة على إنجاب رجال يحسنون الاضطلاع بأعباء القيادة.

وأما روسيا وإن كانت تتعافى شيئا من آلامها وهبوطها إلى حد وبدأت تحلم بإحياء إمبراطوريتها الذاهبة من جديد خاصة بعد التراجع الأمريكي في الشرق الأوسط إلا أن الظروف التي تعيشها روسيا الآن والأزمات التي تعاني منها اقتصاديا وسياسيا يجعل من الصعب التكهن بنهوضها من جديد.

وفي ضوء ما تقدم يمكن القول بأنها بداية النهاية لأمريكا وليس لها من العمر إلا القليل، وأنها بالطبع ستزول من الوجود ويخلفها نظام عالمي جديد، وتلك سنة الله ولن تجد لسنته تبديلا.

يبقى السؤال، لمن السيادة بعد سقوط أمريكا؟ أي حكومة ستحكم العباد والبلاد بعد أن سقطت روسيا وأمريكا؟ وأية فلسفة نظام يسود العالم البشري بعد فشل الرأسمالية والاشتراكية؟

يرى البعض أن الصين هي الدولة الوحيدة التي تنافس العالم بقوتها وقدرة إنتاجها، وأنها ستخلف أمريكا في قيادة العالم، ويرى هؤلاء أن نمور قوة الصين العسكرية أصبح يشكل تهديدا كبيرا على الولايات المتحدة باعتبارها الشريك الأمني الأول والخيار الاستراتيجي لليابان وكوريا الجنوبية وأستاليا وغيرها من دول المنطقة القوية. وبخاصة نرى أن الخطاب العسكري الصيني يتحدث منذ فترة عن كيفية خوض حروب في المستقبل القريب، وتستهين بقوة أمريكا العسكرية، وقد بدا ذلك واضحا في تصريحات قادة الصين وخطاباتهم غير مرة.

ولو سلّمنا جدلا أن الصين ستخلف القوتين العظيمتين من ناحية الاقتصاد وستصبح القوة العظمى اقتصاديا، إلا أنها لا تملك نظاما جديدا تقدمها للعالم البشري وتخرج بها من حالة الاختناق التي تعيشه نتيجة النظام الحالي، إذ إن النظام السائد في الصين نفس النظام الشيوعي الديكتاتوري الذي لفظه الناس ومجوه واستنكروه، مع العلم بأن الصين دولة صناعية لم تخض حربا ولم تجرّب قيادة، ولم تقدم للعالم البشري نظاما جديدا.

في ضوء هذا الفراغ القيادي ربما يتساءل متسائل، هل بإمكان العالم الإسلامي أن يكون قائد الأمم بعد أمريكا وروسيا، وبخاصة أنه يملك نظاما عالميا جديدا لما يجرّبه البشر ككلل؟ نظاما مستلهما من فاطر الكون وخالق الأرض؟

ربما هذا السؤال يثير بعض السخرية ، بالأخص ما يعانيه منه العالم الإسلامي الآن من أزمات كبيرة، ومن حروب لا هوادة فيها، ومن نقص في البنى التحتية في الاقتصاد وفي كل شيء!

لا يمكن التكهن بمدى أهلية العالم الإسلامي للقيادة في ظل ما يجري الآن في معظم البلاد الإسلامية من الفوضى والحروب والإبادة خاصة وأن الدول الإسلامية ما زالت تحت الانتداب الروسي أو الأمريكي، إلا أنه ليس بأمر مستحيل، فالعالم مستعد لنظام جديد يخرجه من هذه الحالة التي يعيشها، والنظام الجديد الصالح لا يملكه إلا العالم الإسلامي والرسالة الجديدة الهادفة لا يحملها إلا العالم الإسلامي. ولكن هل يشكل قادة العالم الإسلامي تحالفا إسلاميا يشمل كافة الدول الإسلامية، عاصمته واحدة وأميره واحد، ولا يستلهم قوانينه وتشريعاته إلا القرآن والسنة؟

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016