الشيخ المفتي محمد شفيع العثماني

هوالشيخ العلامة الفقية المفسرالمحدث المحقق المفتي محمد شفيع رحمه الله ، نشأته: ولد الشيخ رحمه الله لواحد وعشرين من شعبان المعظم سنة 1314 من الهجرة، وترعرع في حجر العلم والعرفان، إذ عكف علي تلقي العلم من العلماء الكبار منذ نعومة أظفاره، والتزم صحبة العارفين من بداية عمره. قد دخل دارالعلوم في «ديوبند» بعد ما قرأ القرآن الكريم، في سنة 1325 هـ. وهي أكبر جامعة دينية قامت بنشر المعارف الإسلامية القيمة في الهند، وجددت فيها أنوار التي كادت تنطفيء بسبب الاستعمار الغربي. قد دخل الشيخ دارالعلوم هذه وهو في ميعة صباه، ولم يزل مشتغلاً بدراسته مدة عشر سنوات، مكباً علي تلقي العلوم من العلماء الأفاضل الذين سارت بصيتهم الركبان في أنحاء الهند وخارجها. ولما كان حضرة الشيخ رحمه الله تبدو عليه – منذ اللحظة الأوليء مخايل النبوغ وأماثر الذكاء، صار أساتذته يبذلون في تعليمه جهوداً مختصة مع كل عطف وحنان، ولإخلاص نيتهم يد لا تجحد في تكوين ذوقه الفني وتنشيط مواهبه الصالحة. وفرغ عن دراسته في سنة 1332 هـ ، ولما كان من الطلاب المتفوقين مدة دراسته، اختاره أساتذته ليكون مدرساً بدارالعلوم، فشرع في التدريس في سنة 1336هـ ، وسرعان ما اشتهر تدريسه فيما بين الطلبة في سائر البلاد الهندية ولم يزل يدرس الحديث والتفسير والفقه وغيرها من العلوم الدينية الرائجة مدة ست وعشرين سنة. وتلمذ عليه في هذه المدة خلق كثير من الطلبة، استفادوا من علومه وعرفانه، فما من مدينة من مدن الهند وباكستان إلا وله فيها تلامذة، وأكثرهم مشتغلون بالتدريس والخطابة وإفادة العلوم، ويعتبرون من العلماء البارزين في هذه الديار. والعلامة الشيخ المفتي محمد شفيع رحمه الله من كبار علماء الهند وباكستان، الذين حملوا في هذه الديار لواء الدين الحنيف، وبذلوا لإعلاء كلمته حياتهم وقوتهم. أشهر أساتذته: 1- الإمام الحافظ المحدث العلامة المحقق مولانا الشيخ "أنور شاه الكشميري"، وكان بحراً زاخراً بالعلوم والمعارف، نابغة في كل فن، آية من آيات الله في الحفظ والإتقان، قرأ عليه الشيخ محمد شفيع، الجامع الصحيح للبخاري، و سنن الترمذي، وكتاب الشمائل والعلل وكتاب الفلسفة الجديدة وشرح النفيسي في الطب. وهو من تلامذته المبرزين، وكان حضرة الإمام الكشميري رحمه الله يحبه حتي جعله من أصحابه الأصفياء، الذين ساعدوه في مهمة الرد علي (القاديانية) وبأمره ألّف الشيخ محمد شفيع رحمه الله كتاب «ختم النبوة» باللغة الأردية و«هدية المهديين في آيات خاتم النبيين» باللغة العربية. 2- الإمام الفقيه مولانا الشيخ المفتي "عزيز الرحمن"، وكان من أعلام العلماء والفقهاء، قرأ الشيخ عليه مؤطأ الإمام مالك برواية يحيي بن يحيي، وبرواية الإمام محمد بن الحسن الشيباني، وشرح معاني الآثار وتفسير الجلإلين ومشكاة المصابيح. 3- الإمام الزاهد مولانا الشيخ "السيد أصغر حسين الهاشمي الحسني"، وكان رحمه الله من أعيان علماء عصره، فيه أنموذج صالح للأخلاق الإسلامية الكريمة من التواضع والسذاجة وخشية الله، وله مؤلفات وجيزة نافعة قد طبع أكثرها باللغة الأردية، رحمه الله تعالي رحمة واسعة. تلقي منه الشيخ محمد شفيع رحمه الله السنن لأبي داود السجستاني، والسنن الكبري للنسائي، وشقصاً من أواخر جامع الترمذي. رحمهم الله تعالي 4- الإمام الداعية الكبير، شيخ الإسلام "شبير أحمد العثماني"، صاحب الشرح الجليل علي صحيح مسلم، وكان من نواب العلماء في العصر الأخير، له خبرة تامة بسائر المعارف والعلوم، وكان من الزعماء الممتازين في جهود بناء باكستان، ولن ينسي الشعب الباكستاني تضحياته الغالية في هذا السبيل، وله مؤلفات قيمة معروفة حول شتي المواضيع الدينية من أشهرها «فتح الملهم بشرح صحيح مسلم» وهو شرح حافل جليل، تلقاه الأمة الإسلامية بالقبول. 5- الإمام الفاضل العلامة، شيخ الأدب والفقه "إعزازعلي" رحمه الله تعالي، وكان رحمه الله بارعاً في سائر العلوم، لا سيما العلوم الأدبية، وله تعليقات قيمة معروفة علي كثير من الكتب الدراسية. استرشاده بمشايخ الطريقة: كان الشيخ في اشتياق شديد نحو الاستفادة بصحبة أساتذته ومشايخه الكرام، فكان كثيراً ما يحضر مجالس الإمام الداعية المجاهد الكبير شيخ الهند "محمود الحسن" رحمه الله ويستفيد من بحار عرفانه. لما اعتقل شيخ الهند رحمه الله بجزيرة «مالته»، راجع شيخ مشايخ الوقت، حكيم الأمة الشيخ "أشرف علي التهانوي" رحمه الله تعالي، وبايع علي يده بيعة السلوك في سنة 1339 من الهجرة. وكان حكيم الأمة يحبه ويعتبره من أصحابه الأصفياء، ويشاروه في كل مهمة دينية. إفتاءه: كان لسماحة الشيخ مناسبة تامة بالفقه والفتيا منذ زمن تدريسه بدارالعلوم، فكان كثيراً ما يساعد شيخه المفتي "عزيزالرحمن"، رئيس هيئة الإفتاء، ثم لما توفاه الله تعالي، جعله الأساتذة رئيس هيئة الإفتاء بدارالعلوم ليملأ الفراغ الناشي بوفاة الشيخ عزيزالرحمن، فلم يزل الشيخ محمد شفيع رحمه الله علي هذا المنصب الجليل مذ سنة 1350 هـ إلي 1362هـ. وانتشرت فتاواه في هذه المدة إلي مشارق الأرض ومغاربها. كتب الشيخ في هذه المدة أكثر من أربعين ألف فتوي. وقد طبع منها عدد قصير في ثماني مجلدات ضخام باسم «إمداد المفتيين» وهو الوشل القليل من ذلك البحر الواسع المحفوظ في دفاتر دارالعلوم التي لم تطبع بعد. ولا شك أنها ذخيرة قيمة للإسلام والمسلمين. لما هاجر إلي باكستان وأسس معهداً دينياً باسم «دارالعلوم كراتشي» في سنة 1370هـ ضبطت فتاواه في دفاترها مرة أخري، وبلغ عددها اليوم زهاء ثمانين ألف فتوي. وهذا كله ما صدر منذ سنة 1381 هـ إلي آخر حياته، سوي الأسئلة الشفاهية التي كان يجيب عنها في المقابلات وعلي الهاتف طول الليل والنهار. وتعتبر «دارالعلوم كراتشي» ببركة الشيخ المفتي من أكبر مراكز الفتيا في ديار الهند وباكستان، يرجع إليها المستفتون من سائر البلاد والأقطار من المملكة العربية السعوية، ومصر، والشام، والعراق، وايران، وافغانستان، وغيرها مما لا يحصي عددها. جهوده في بناء باكستان وإقامة الدين فيها: كان المسلمون زمن تدريس الشيخ بدارلعلوم تدور عليهم رحي الاستعمار الغربي، ولم يزل علماء دارالعلوم في جهد جهيد للحرية والاستقلال. وفي هذا المشروع بذل الإمام المجاهد شيخ الهند مولانا محمود الحسن رحمه الله جميع حياته، وابتلي بأشد ما يكون من الأذي زمن اعتقاله بجزيرة «مالته». وكان حكيم الأمة الشيخ "التهانوي" يري منذ زمان أنه لا نجاح للمسلمين إلا بتكوين مملكة مستقلة حرة ينفذون فيها أحكام شريعتهم، ويعيشون فيا مسلمين صادقين. وحقق الله أمانيه بأن قام حزب «مسلم ليك» بنعرة باكستان، فأشار حكيم الأمة الشيخ "أشرف علي التهانوي" عامة المسلمين والعلماء بتأييد هذه الدعوة، فقام بها كثير من عوام المسلمين والعلماء. وكان في مقدمتهم الإمام الداعية شيخ الإسلام "شبيرأحمد العثماني"، والشيخ "ظفر أحمد العثماني"، وفضيلة شيخنا المفتي "محمد شفيع" رحمهم الله، وهم الذين أسسوا جمعية من العلماء باسم «جمعية علماء الإسلام» حتي تجاهد في هذا السبيل وتحض المسلمين علي الاتحاد لحماية الدين وتأييد فكرة باكستان. وصرف الشيخ "محمد شفيع" رحمه الله في القيام بهذا المشروع لياله وأنهاره، وحينئذ صارت جميع أوقاته موقوفة علي الجهاد في بناء باكستان، فتجول لأجله في أنحاء الهند وجوانبها وأيقظ عوام المسلمين عن رقادهم بلسانه وقلمه وأخبرهم بمكايد أعدائهم الكفار. وفي سنة 1367 من الهجرة الموافقة لسنة 1947 ميلادياً ، حان أن تثمر جهودهم التي استمرت أحقاباً، وبرزت علي خريطة العالم رسوم مملكة جديدة إسلامية، فلله الحمد أولاً وآخراً. فكان من الواجب علي العلماء المجاهدين أن يهاجروا إلي باكستان ويبذلوا جهودهم في تكوين دستور إسلامي يصلح أساساً للحكومة فيها. فاقتفي شيخنا المفتي رحمه الله سنة النبي الأمين صلي الله عليه وسلم وهجر موطنه الأليف الذي حل فيه الشباب تميمته، وقضي فيها خمساً وخمسين سنة من عمره. وقررت حكومة باكستان في سنة 1949 م مجلساً من أكابر علمائها ليقترحوا لمجلس النواب أصولاً تتخد كأساس لدستور المملكة، واختارت الشيخ المفتي رحمه الله ليكون عضواً من أعضائه، فلم يزل يعمل فيه بكل نشاط مدة أربع سنوات. مؤلفاته: للشيخ "محمد شفيع" رحمه الله مؤلفات كثيرة نافعة قد جاوز عددها من مائة، معظمها باللغة الأردية في علم التفسير والحديث، والتصوف، والأدب، والكلام، والمعاشرة وغيرها. ونذكرفي هذا الموضع بعض ما نجد باختصار: 1- معارف القرآن: وهو تفسير نفيس للقرآن الكريم، ألفه الشيخ باللغة الأردية في ثماني مجلدات ضخام، وقد قام بترجمته إلي اللغة الفارسية الشيخ "محمد يوسف حسين بور" من أبرز علماء السنة في إيران. 2- جواهر الفقه: وهي مجموعة قيمة لرسائل فقهية كتبها الشيخ رحمه الله علي موضوعات يكثر التسائل عنها. 3- ختم النبوة: وهو كتاب حافل للرد علي الدجاجلة القاديانيين. 4- سيرة خاتم الأنبياء: وهو كتاب وجيز لسيرة رسولنا الحبيب صلي الله عليه وسلم بجميع أنباءها الهامة. 5- آلات جديدة: و هو كتاب قيم جمع فيه الشيخ أحكام المخترعات الحديثة التي لم تكن زمن النبي عليه السلام ولا في عصر الفقهاء المجتهدين. وفاته: توفاه الله تعالي ليلة الحادية عشر من شهر شوال المكرم سنة 1396 هـ الموافق لشهر أكتوبر من سنة 1976 م وقد دفن في مقبرة «دارالعلوم كراتشي» وكان يوماً مشهوداً شهد جنازته نحو خمسين ألف رجل. رحمه الله تعالي رحمة واسعة وتقبل سعيه المشكور وتضحياته الغالية في سبيل إعلاء كلمة الله ونشر رسالة الإسلام. --------------------------------------- أخذنا هذه الترجمة باختصار من مقدمة كتاب «أحكام علوم القرآن» للعلامة المفتي محمد شفيع رحمه الله، كتبها نجله فضيلة الشيخ المفتي محمد تقي العثماني حفظه الله.

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016