نشأة التاريخ الهجري، وبدايته من شهر محرم الحرام

لقد مضى علي هجرة الرسول العظيم ﷺ ألف وأربع مائة وخمس و ثلاثين عاما، خلال ذلك تاريخ طويل فيه أمجاد و بطولات و انتصارات، وفيه فتوح علمية و فكرية و حضارية رائدة، قدمتها أمة الإسلام للإنسانية.
بدأ مسير هذا التاريخ بمناسبة عظيمة في الإسلام، ألا وھي ھجرة النبي ﷺ التي ابتدء بھا تكوين الأمة الإسلامية في بلد إسلامي مستقل يحكمه المسلمون بعد تلك الفترة التي عاشھا الرسول ﷺ وأصحابه في مكة، فعانوا فيها، و قاسوا أشد أنواع البلاء والامتحان من ضرب و تعذيب بصنوف العذاب و جوع و سخرية واستھزاء، حتى ھاجر النبي ﷺ إلى المدينة، تلك الھجرة التي أصبحت حدا فاصلا بين الحق والباطل، وأصبح المسلمون بھا أعزّة بعد الذلة، وأقوياء بعد الضعف.

إن التاريخ الإسلامي لم يكن معمولا به في أوّل الاسلام حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
ففي السنة الثالثة أو الرابعة من خلافته رضي الله عنه، كتب إليه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يقول له: إنه يأتينا منك كتب، ليس لها تاريخ، فجمع عمر الصحابة رضي الله عنھم فاستشارھم، فيقال: إن بعضھم قال: أرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكھا، كلما ھلك ملك أرخوا بولاية من بعده فكره الصحابة ذلك،
فقال بعضھم: أرخوا بتاريخ الروم فكرهوا ذلك أيضا،
فقال بعضھم: أرخوا من مولد النبي ﷺ، وقال آخرون من مبعثه،
وقال آخرون: من مھاجره،
فقال عمر رضي الله عنه: الھجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بھا أي فأرخوا بدءا من أيام الھجرة، واتفقوا على ذلك ثم تشاوروا: من أي شھر يكون ابتداء السّنة؟
فقال بعضھم: من رمضان؛ لأنه الشھر الذي أنزل فيه القرآن،
وقال بعضھم: من ربيع الأول؛ لأنّه الشھر الذي قدم فيه النبي ﷺ المدينة مھاجرا، واختار عمر وعثمان وعلي رضي الله عنھم أن يكون من المحرم لأنّه شھر حرام، يلي ذي الحجة الذي يؤدي فيه المسلمون حجھم الذي به تمام أركان الاسلام، والذي كانت بيعة الأنصار للنبي ﷺ والعزيمة على الھجرة، فتعينت بداية السنة الهجرية من الشھر الحرام، ووجب على المسلمين الإذعان لھذا الأمر الذي أمر به ﷺ بقوله : "عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المھديين".

كما أرخ المسلمون تاريخ يوم أو شھر، يقول ھذا اليوم العاشر من محرّم من ھجرة النبي ﷺ، ونھانا الله أن نظلم أنفسنا في ھذا الشھر وحرمه الله و عظّمه وجعل صيامه أفضل الصيام بعد صيام رمضان و خص اليوم العاشر فيه بالتشريف، و أنجي الله فيه نبيه موسى ومن آمن معه، وأهلك عدوھم فرعون ومن اتبعه، ولذا فإن لھذا اليوم من محرم شأن عظيم، فھو يوم من أيام الله، إن الأنبياء كانوا يصومونه، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال "أفضل الصيام بعد رمضان شھر الله المحرم و أفضل الصلواة بعد المكتوبة صلٰوة الليل"
وفي مقام آخر ورد عن النبي ﷺ "صيام يوم عاشوراء أتحسب على الله أن يكفر السنة التي قبله".

ولما كان اليھود المكذبون لرسول الله ﷺ، يصومون ھذا اليوم، أمر النبي ﷺ بمخالفتھم وقال:
"صوموا يوم عاشوراء، خالفوا اليھود صوموا يوما قبله ويوما بعده"، صيام يوم عاشوراء سنّة وكان المسلمون يصومونه ويصوّمونه صبيانھم.

إن صيام يوم عاشوراء دليل على أن دين الأنبياء واحد، وھو التوحيد في العبادة والقصد؛ حيث إن الرسول ﷺ، لما رأى اليھود يصومونه سألھم عن ذلك: فقالوا صامه موسي شكرا لله، فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ،
نحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه.
فلنحرص على التزامه؛ فصيامه قربة نتقرب به إلى ربنا.

وأسأل الله أن يجعل عامنا ھذا وما يتبعه من أعوام، أعوام أمن وطمأنينة و علم نافع وعمل صالح، وأيام رشاد الأمة و ذلّ الأعداء في جميع البلاد.

 

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016