هُيامي وغَرامي بالكتابة والإنشاء
هُيامي وغَرامي بالكتابة والإنشاء

كم من أحاديث سجَّلتها في صفحات القراطيس، وكم من كلمات سردتُها في سجوف الحروف السوداء، وكم من دفاتر سوّدتها وأودعت فيها ألوف الأفكار والخواطر، الأحاسيس والمشاعر، الذكريات والمذكرات، فهل فكرّت لمرةٍ ما أعمق الودّ بيني وبين تلك الحروف السوداء..! وما أوتد العلاقة بين تلك السطور وصاحبها..!؟
الكتابة هي عُصارة أفكار الكاتب وحصِيلة شعورِه، بل هي سليلُ روحه ودليلُ وجوده في صفحة الأرض.

* * *
لقد شممتُ هواء الدنيا يومًا ولمستُ سَنَا الأرض، ولقد وطئت فراش أعشابها الناعمة الخضراء. ولقد فرحت بحلّ الربيع في الحديقة الغناء، وأعجبت بمناظرها الخلابة وأريجها الفواح. ولقد دهشت برؤية أزهارها وأنوارها، ولقد طربت نفسي بأسراب الطيور المحلقة في جوف السماء، وانبهرتُ لطيرانها في الفضاء صافات قوادمها مرةً وقابضات أجنحتها أخرى.

لقد رأيت تقلّب الغيوم المتناثرة والسحائب المتراكمة في السماء الزرقاء الصافية النقية مثل التصاميم الزاهية الفاخرة، وذقتُ حلاوةً إذ رأيت الشمسَ تُرسل أشعتَها إلى الأرجاء، والقمرَ يتطلع ليلًا من عرشِه الأفْيَح ليُضاحك هذه الكرة الأرضية، وتخفف عنها ما نالتْه من جفاء أختِها نهارًا، ولقد رأيت في معرض النجوم ما يراه النائم (حُلمًا) لأسلك الأزهار والرياحين، وأجعل منها باقات وأكاليل لكلّ من يُحبّني وأحبّه.
* * *
ها هي كتابتي، ما هي إلا أحاديث منثورة عن الأرض ما يسوّدها من عجائب صنع الله القادر البديع، وكلمات مبعثرة تلهج بها لساني حامدًا للمُنعم العظيم الذي أوجدني في هذه البسيطة وحبَانِي الربيع الفاتن والعشب الأخضر ونعما وآلاء كثيرةً كثيرةً لا تُعدّ ولا تُحْصى.

نعم! إنها كتابتي ترسّم الغمائم البيضاء المتنائية في السماء الزرقاء، وتصوّرِ ضياءِ الشمس ونور القمر وسطوع النجوم.

كل مولود يولد للهلاك، وما من شيئ في هذه المعمورة إلا وهو ظل زائل ونعيم راحل في مرّ العصور وكرّ الدهور، قال تعالى : ﱡكُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ والْإِكْرَامِ(27)ﱠ (سورة الرحمن). فيأتي علي يوم –لا محالة– يتمّ فيه تسجيلي في زمرة الهالكين، لا يبقى مني شيئ إلا هذه الكلمات المبعثرة والحروف المنثورة التي أودَعْت لها بعض خواطري ومشاعري أو رسمّت بها بعض ذكرياتي، وأفراحي وأتراحي، نعم! إنها تبقى بعدي إلى ما قدر الله لها البقاء والاستمرار، ويذكرني من أراد أن يتذكر.

* * *
إن هذه الأرض وهذا المجتمع وأنا –كُلّنا– كأجزاء جسد واحد ونحن شركاء في الأفراح والأتراح، وفي الأحزان والأشجان نصيبُ بعضِنا لبعضٍ، يومُنا وليلُنا وغدوّنا وعشيّنا واحد.. وأفكارُ بعضِنا وشعورِه مزيجُ أفكارِ البعضِ وشعورِه..

حوالي اليوم أنواع من الناس، فمِنهم من هو قريب منّي، ومن هو غير قريب، ومنهم من هو صديق لي ومن هو دون ذلك، رغم ذلك كلُّنا نوعٌ واحد، بثّنا جميعا –ربُّنا الباري– من أبٍ واحد وأمٍّ واحد، قال تعالى : ﱡيَأَيُّهَا الْنَاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوْبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوْا ، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ، إِنَّ اللهَ عَلِيْمٌ خَبِيْرٌﱠ (سورة الحجرات). وأكنّ لهم في صدري حبّا ووفاء، ووُدّا وصفاء.

حوالي الآن ضجّة مسيرة الحياة ورجّتها، كذلك عنفوان الفتوة يتجوّد ويُجيد في كياني ولوني. أغاني السرور ووجوم الحزن تنتابُني واحدةٌ بعد أخرى. وفي أحد الأيام يفقد وجودي، ولكن الأرض والمجتمع والناس، سرورهم وحبورهم، همومهم وغمومهم، وحركات الحياة وسكناتها تبقى بعدي إلى ما شاء الله لها البقاء، وكل شيئ يقضي أشواطَه في هذه الحياة، ولكن الشيئ الذي يخلد ذكرياتِي بما فيها من المسرات والمؤلمات، إنما هي هذه الحروف والكلمات التي نقشتُها في كبد القراطيس، ووعتْها منّي قلوبُ الناس لكونِها تذكرةٌ لحبي إيّاهم ولوعتِي إليهم...

* * *
لقد كانت لي حياة مرجوّة، وكانت في غدوّها أحلامًا راقية وآمالًا سامية، وشعورا متنوعة وخواطر مختلفة، وطموحات بعيدة المدى عميقة الجذور، وكذلك كانت في ظاهرتها مئات الآلام وبكاءُ الحزن إثر الحزن، اليأس والقنوط، والزفرات الحارة والعبرات الغزيرة. كانت هذه كلها موجودة وستوجد بعدي إذ قدر الله لها ذلك، ولكن لا أتواجد يومئذ معها، بل يتمّ هضمُ سَؤتي في بطن هذه الكرة الأرضية.

* * *
الكتابة هي نبضة فؤادي، وأحاسيس قلبي، وهي صورة روحي وانعكاس حياتي، لذا أحبّها حبّا رصينا، وانقطعُ إلى الازدياد من جمال بلاغتها وجودة أساليبها، ومن أجل ذلك لا أشكلّها بمداد المِحبرة بل أرسمها بدمعِ العين وبدمِ الفؤاد.

وكذلك أحب أن أتقدم إلى الأمام وإلى المرام زاهدا في زخارف الدنيا وحطامها، لأكون من أربابِ الأقلام الواعدة، وأصحابِ اليراعة الحاذقة البنّاءة، لأهدّم ترهات أهلِ الغي والضلال، ولأقضي على كيان المبطلين بِرمّتهم.

لو كان قلم عدوّي مُدْيةٌ حادة عن الباطل، يكون قلمي صارما مسلولا للحق، ولو كانت أقلامهم تبعثر الزهرات الزائفة لينثر قلمي النورات العبقة والقبسات الزاهية، لو كان أدبهم مجمع الأزهار الصناعية يكون أدبي ملتقى الألوف من الأنوار والرياحين الفواحّة من الربيع الخلاب الجذاب.
فهل تصاحبني –أخي الكريم– في هذه المسيرة الجادّة...!!

..... لك عند الله أجرٌ حسنٌ... يا من قضيتُ عنده أشواطا جميلة.....

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016