العلامة محيي الدين خان؛ قصة كفاح في سبيل الأدب الإسلامي

16 محرَّم 1354هـ الموافق 19 إبريل 1935م يوم الجمعة!

يرِد صدى أذان الجمعة على أهل القرية من المسجد الجامع، والكبار يهرولون إلى المسجد لاستماع الخطبة وأداء الجمعة، والأطفال يقتفون أثر أوليائهم إلى الخير والفضل والبركة.

في هذه الساعة المباركة بدأتْ زوجة الشيخ مولانا أنصار الدين خان رابعة تشعر بألم المخاض! والدنيا حولها بدأتْ تدور! والحمّالة تحاول تهدئتها بكل الوسائل! لكن دون جدوى! آه من شدة الألم!

يا الله! يا رحمن! يا رحيم!

لم تطلْ شدة المخاض، بل سكنتْ، وأخذتْ مكانتها السكينة، ها هو المولود قد خرج إلى الدنيا! ها هو ذَا يفتح عينيه على البسيطة! ها هو الشيخ يغرِس كلمة الشهادة في أذن المولود! ها هي رسالة الإسلام قد وصلتْ إلى قلبه عن طريق السمع! سمّى والده الشيخ الطبيب ولده بـ محيي الدين؛ ليجعله الله معلَماً من معالم الهداية والرشاد والصراط المستقيم، وليكون لبنة في إحياء ما اندثر من معالم الدين تحت وطأة التنصير والاستعمار والجهل والبدعة والضلالة.

تربى الولد في بيت دين وتقوى وعز وشرف، وبدأ دراسته بالقرآن الكريم، وترقى في سلَّم المعالي يوماً بعد يوم، واجتاز مراحل الدراسة بتفوق وامتياز، وبدأ يصبو إلى العلا والسمو والشموخ في تؤدة وأناة وحلم.

أخذ شهادته الثانوية عام ١٩٥١م، وتخرج من المدرسة العالية بدكا عام ١٩٥٥م، واجتاز مرحلة الماجتسير ١٩٥٦م من قسم الفقه الإسلامي، ثم بدأ...

بدأ ماذا؟ يا تُرى! 

بدأ التجارة أم الصناعة أم الوظيفة؟

لا شيء مما ذُكر، ولكن بدأ الأدب..

نعم، كان أغلب المسلمين والعلماء والمشايخ في هذه الديار (بنغلاديش الحالية) قد تخلَّوا عن اللغة البنغالية للهندوس، وتجرأ أكثرهم حماسة على إعلان كونها لغة هندوسية لا تليق بالمسلم الاشتغال بها، وقضاء الوقت في تعليمها وتعلمها، والكتابة بها!؟

فكان الأثر الطبيعي أنْ امتلك الهندوس ناصيتها، وبرعوا فيها، وكتبوا بها، وأدخلوا سُم الهندوسية فيها، وحوّلوها إلى فخ لصيد شبان المسلمين ومثقفيهم!

فجرع اليغورون من أهل الدين لهذه الحالة، منهم هذا العالم الشاب! وتألم فؤاده، ففكر وقدر، ثم فكر وقدر أن يكون المجلِّي لحلبة سباق الصحافة والطباعة والنشر، فانبرى لرفع رأية الإسلام بهذه اللغة الهندوسية!؟ وتعلمها وأتقنها، ثم بدأ يكتب المقالات ويرسلها إلى أصحاب الصحف والمجلات والدويات دون أن يبالي بها أكثرهم.

فتقدَّم خطوة وتشجَّع على أن يصدر مجلة شهرية!

لكن من أين يأتي بالأموال ليصدرها! ومن أين يأتي بالمقالات لينشرها! ومن أين يأتي بالرجال ليوزعها!

لم يفكر الشاب كثيراً في هذه المقدمات، وبدأ يكتب مقالاً ويترجم آخر، ويأخذ من هذا مقالاً، ومن ذاك قصة، حتى صار لديه من الكتابات ما يمكن أن يصدر بها مجلة شهرية صغيرة، فاستسلف من بعض الإخوة بعض الأموال واشترى بها أوراقاً ثم ذهب بها إلى المطبعة ليصدر المجلة!!

ما هذه السخرية!

يصدر الشاب المجلة بالأوراق! ضحك أصحاب المطابع طبعاً، ورفضوا طبع المجلة؛ لأنه ليس معه ما يدفع به أجورها، فتوسَّم الشاب في وجه أحدهم خيراً فتحدث معه، ووعده أن يدفع له الأجور بعد بيع أعداد المجلة!

وافق الرجل وهو غير راجٍ للأجرة، وطبعَ المجلة!  

نعم، صدرتْ مجلة المدينة! ورأى المولود الأول وجه الدنيا العبوس! 

تجشَّع الشاب أكثر ورتَّب حفل افتتاح للمجلة! ودعا إليه بعض الكُتاب الغيورين للإسلام والشعراء المائلين إلى الدين، على رأسهم علامة اللغة البنغالية على وجه الإطلاق، والناقد اللغوي العالمي الشهير، الأستاذ الدكتور محمد شهيد الله -رحمه الله تعالى- ولكن الوساوس بدأتْ تجيش في قلب الشاب: ماذا سيكون إِنْ لم يحضر أحد!؟

ولكنه أقلع هذا الهاجس! وبدأ يجهِّز لحفل يليق بمجلة تحمل اسم المدينة! (على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية).

حان موعد الحفل، وبدأ المدعوُّون يحضون واحداً بعد الآخر، والشاب يتعجب ويتحير ويندهش من فضل الله تعالى عليه ورحمته به!

حضر العلامة الدكتور محمدشهيد الله وحضر بقية المدعوّين، وبدأ الحفل بتلاوة عطرة من القرآن الكريم!

وهنا، فجأة، تقدم أحد التجار وقال: أريد أن أسبق إلى الخير فأشتري (العدد الأول) من المجلة بـ 100 تاكا! (والنسخة الواحدة لم تكلف أكثر من 50 فلساً) وتقدم الدكتور شهيد الله واشترى نسخة واحدة بـ 5 تاكا! لأنه هو الآخر يريد أن يكون الأول في الخير!

بكى الشاب بملئ العين والفؤاد من آثار الرحمات والنفحات... وهكذا بدأ العدد الأول من مجلة المدينة الشهيرة بفضل الله تعالى وتوفيقه سنة 1961م!

استمر الشيخ الشاب في إصدار المجلة! ولم يتوقف! بل تقدم، فكان يكتب المقال، ويذهب إلى المحلات لشراء الأوراق، ويحملها على عاتقه إلى المطبعة، ويبيعها للناس بنفسه، ويدعو الناس إلى قراءته! 

فكان لا يمل ولا يكل، ولا يستحي من أعمال المجلة؛ لأنه يراها جهاداً للإسلام، ونضالاً في سبيل الله تعالى.

فتح الله على الشيخ! ووضع للمجلة القبول في فترة قصيرة، وطبقتْ شهرتها آفاق البلد، وتسابق الناس إلى اقتنائها شرق البلد وغربه!  

ذاعت شهرة الشيخ، وانتشرتْ شهرته بين الناس، حتى وصل إلى خارج دائرة البلد، فعيِّن عضواً مؤسساً لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وعضواً لرابطة الأدب الإسلامي بالرياض، وصار وصار ... وألف عشرات الكتب، وترجم مثلها، وصنف وألف، وأصدر ونشر، وأسس مدارس ودور أيتام ومستشفيات و و و وشارك في السياسة، ودخل الانتخابات البرلمانية، وقاد الأحزاب الإسلامية، وساد المظاهرات والثورات ضد الطغاة البغاة والملحدين والعلمانيين، و و و إلى أنهكه المرض، وأضعفه ثِقل العمر، فألزمه الفراش، فلزم بيته وتمسك بباب الله تعالى، وقضى وقته بالتلاوة والقراءة والذكر والعبادة حتى وافته المنية مساء يوم السبت قبيل الإفطار في مستشفى ليب إيد (19 رمضان 1437هـ).

فرحمه الله تعالى المجاهد الثائر، والكاتب الإسلامي الرائد، والسياسي البارز، والمصلح الكبير العلامة الشيخ محيي الدين خان، ورضي عنه، وجعل الفردوس الأعلى مثواه بفضله الجزيل وكرمه الواسع.

كان الشيخ رحمه الله تعالى متواضعاً في نفسه، حكيماً في تصرفاته، ومتقناً لأعماله، ذَا فراسة عن عواقب الأمور، مراقباً لله تعالى في جميع أحواله (نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله تعالى)، وقد ترك أكثر من ١٠٠ كتب، أصلية ومترجمة، على رأسها ترجمته لتفسير معارف القرآن الكريم للعلامة الشيخ المفتي محمد شفيع العثماني رحمه الله تعالى. 

رحل عنا الشيخ وقد رأى بعينيه أن اللغة الهندوسية (!) تحولتْ إلى لغة مسلمة، وقد آتى جهوده الآثار بفضل الله تعالى وكرمه، وصار في البلد كتَّاب ومؤلفون بارزون، يحملون أقلامهم بلغتهم لأجل الإسلام، وينشرون رسالته السمحة بها، ويدافعون عن حوزته بها، وينفون عنه بها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

فكان شرف الريادة في ذلك للفقيد العلامة خان رحمه الله تعالى.

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016