أسباب الأزمة المالية وعلاجها فى ضوء الشريعة الإسلاميّة

الحمد ﷲ رب العالمین ، والصلاة والسلام على سیدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعین، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى یوم الدین أما بعد:
فقد أصبح الاقتصاد الحاضر مهدَّدا بالأزمة المالية الحالية التي لازالت تنخر جذعه حتى الأعماق، فخسرت بذلك شركات شهيرة ثروتها في مدة قليلة، وقد كان أساس هذه الأزمة المالية مبتدأ من أمريكا، إلا أنها أخذت شكلاً عالمياً. لذا فإن خبراء الاقتصاد كانوا يناقشون هذا الموضوع في مختلف المستويات للوصول إلى معرفة أسبابها، وتقديم الحلول والاقتراحات الكفيلة بحل المشكلة، وعليه فإن المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) الذي يعد من أكبر المؤسسات الفكرية الاقتصادية في العالم، و مقره المركزي في سويسرا (Switzerland) يقوم بعقد مؤتمر عالمي في كل عام من شهر كانون الثاني؛ يشارك فيه رؤساء دول مختلفة، و وزراء مالية ، و رؤساء مختلف الشركات الكبرى.
والموضوع الأساسي لعقد المنتدى الاقتصادی العالمي لهذا الاجتماع في عام 2010م كان مناقشة ودراسة ما يحتاج إليه النظام الاقتصادي الحاضر من إعادة تشكيل وتغيير في منظومة الاقتصاد العالمية، وقد شارك فيه قرابة ألفين وخمس مائة خبير اقتصادي، وبادر رئيس المنتدى بالدعوة إلى فضيلة الشيخ القاضي محمد تقي العثماني ـ حفظه الله تعالىـ للمشاركة فيه، وتقديم مقالة تتحدث عن المثالب الموجودة في النظام الاقتصادي الحالي مع بيان اقتراحات وحلول للمشكلة في ضوء قيم ومبادئ التعاليم الإسلامية الاقتصادية. وكانت الفرصة ثمينة وسانحة لتقديم رأي الإسلام وشرعه الحنيف في مجال الاقتصاد والتخطيط على مستوى عالمي رفيع .
فلذا لبى فضيلة الشيخ ـ حفظه الله تعالى ـ دعوة المنتدى، وقدّم هذه المقالة باللغة الإنجليزية حول موضوع التعاليم الإسلامية والأزمة المالية الحالية (Post Crisis Reforms Some Points to Ponder)
إن هذه المقالة تعالج بدقة كيفية أسباب نشوء الأزمة المالية العالمية، و إلى جنبه تقدّم حلولا جذرية لتشكيل النظام الاقتصادي العالمي من جديد على أساس مباديء مدروسة و قيم نبيلة مع توفير العدالة الاجتماعية، و كذا تتحدث باختصار عن المؤسسات المصرفية الإسلامية، و تأثير الأزمة المالية الحالية عليها.
علماً بأن الإسلام دين و دولة، نظام و تطبيق، منهج و دستور، قانون و شريعة يضم في محتواه جميع مبادئ النظام الاقتصادي العادل للبشرية جمعاء إلى أن يرث الله الأرض و من عليها. ونظريته للاقتصاد مدروسة و مركزة لأنها تنبع من تفكير قوي و صادق و واع ومستمدة من كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه. فإن ما جاءت به الشريعة الإسلامية من الضوابط و القوانين الاقتصادية و المالية فإنها تقدّم صورا أشمل، وأبعادا أعمق، و أفكارا أغزر و أصوب في سبيل الحفاظ على حقوق جميع شرائح المجتمع في كنف العدل والمساواة. وبناء عليه فقمت بترجمة هذه المقالة إلى اللغة العربية للمساهمة في تعميم نفعها بين قراء العربية، علماً بأنني لم يفتني التعريج على الترجمة الأردية كلما مست الحاجة إليها.
وأتقدم بالشكر الجزيل لأستاذي المكرم فضيلة الشيخ المفتي محمد تقي العثماني ـ حفظه الله تعالى ـ حيث سمح لي بترجمة هذه المقالة عندما طلبت منه الإجازة، وشجّعني على ذلك غير مرة بل وأولاني شيئا من الاهتمام و العناية كلما راجعته.
الله نسئل أن يتقبل منا جميعاً صالح الأعمال.

عبد الحي الشترالي
خريج و متخصص في قسم الدعوة و الإرشاد
بجامعة دار العلوم كراتشي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد ﷲ رب العالمین، والصلاة والسلام على سیدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعین، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى یوم الدین أما بعد:
فأصبح الاقتصاد المعاصر في أیامنا یرزح تحت فكرة مادیة لادینیة، خالصة واغلة في العادیة، بحیث لا تسمح للمفاهیم الدینیة بالتدخل في النظریات والحلول و البرامج الاقتصادیة، و ذلك على أساس أن الاقتصاد خارج عن نطاق الدین ، مع أن الظرافة تظهر، و الغرابة قد تغمرنا عندما نجد أن كل دولار مكتوب علیه هذه العبارة ((نحن على ثقة باﷲ)) (( In God we trust )) ولكن عندما يأتى دور رسم خطط، و وضع استراتیجیات لكسب الدولار أو توزیعه، أو إنفاقه فحینئذ یرتفع الاعتماد عن اﷲ ، وتنفصم عرى الثقة به ، وینفصل الأمر عنه، لیحل محله اعتماد وثقة مرتكزة على تصورات البشر، النابعة من جملة نزعات و قیاسات شخصیة محضة، وعلیه فیبرز في المظهر العام أنّ الله تعالى لا صلة له بالأنشطة الاقتصاديّة إطلاقا!!!
هذا، و لعله للمرة الأولى بعد الأزمة المالیة الحالیة، وما یشهده العالم من حالة احتضار اقتصادي على كافة الأصعدة، فى حين أن الجهات المتعددة، تتقدم باقتراحات و حلول كثیرة لحل المشكلة، أنّ ((المنتدى الاقتصادي العالمي)) [World Economic Forum] تقدم بدعوة إلى ممثلي الأدیان لتقدیم اقتراحاتهم كخطوة في إعادة تشكیل النظام الاقتصادي على أساس قیم، ومبادئ صالحة، وأفكار جدیدة و ناضجة.
ومن هذا المنطلق تستحق هذه المبادرة والدعوة الجدیرة بالثناء إلى كامل التعاون و الدعم من جمیع الدوائر وخصوصاً الدینیة منها. وأنا كأدنى طالب في مجال الدراسات الإسلامیة، و بالخصوص المالیة والاقتصادیة منها أودّ أن أسلّط الضوء على بعض النقاط الأساسية والمهمات المحورية المستمدة من صميم التعاليم الاقتصادية الإسلامیة التي أعتقد بمنتهى الیقین و الثقة أنها تحمل من الأهمیة أقصاها و أبلغها وأعلاها، وذلك في نطاق ضرورة البحث عن حلول للمشاكل الاقتصادیة الراهنة ، ولا بد من توضیح نقطتین هنا قبل أن أواصل الكلام ، وهما :
الأولى : عندما نتكلم عن مبادئ التمویل أو الاقتصاد الإسلامي يُفترض عموماً أن علماء الإسلام إنما یؤكدون على هذه المبادئ لتلبیة الحاجة الدینیة فحسب ، وبتعبیر آخر قد يطغى تصور أن هذه المبادئ إنما تتعلق بالمسلمین فقط، و لیس للغیر فیها من فائدة تذكر، و بدیهي ـ طبعاً ـ خطأ هذه الفكرة والتصور ، لاشكّ أن للإسلام نظاماً عقدیّاً خاصاً لا یمكن بدونه أن یستفاد على الوجه الأتم من الإسلام، ولكن أحكام الشريعة الإسلامية التى تتعلق بالشؤون الاجتماعیة والسیاسیة والاقتصادیة فإن الفائد ة العائدة في المجالات المذكورة لیست مقصورة على المسلمین، ولا منحصرة فیهم فقط. بل إنها تضمن الصالح العام و الفلاح الشامل للبشریة جمعاء دون تفريق.
النقطة الثانیة : هي أن ما سأطرحه في كلامي هذا قد یُستشعر منه في هذه البیئة التي سیطرت علیها الأفكار الاقتصادیة التقلیدیة أنّها اقتراحات انقلابیة غیر عادیة، وطریفة شكلاً ومضموناً، ولكن لو كنا جادین بصدق في البحث عن إصلاح شامل في الأنظمة الاقتصادیة الحالیة التي ثبت بالتجربة و المشاهدة فشلها لما تشتمل علیه من أسس واهیة، فلا ینبغي أن نخاف أو نندهش من أيّ مشروع إصلاحي أو برنامج ترمیمي یُقدّم على طاولة المفاوضات و الاقتراحات، بشرط أن یكون صحیحاً مدعوماً بالأدلة القویة السلیمة، و مرتكزا على الأصول القویمة، كي یتم التجدید و الإصلاح الشامل و الجذري، فإن الواجب یقضي وفقا للطابع العالمي للأزمة ضرورةَ أن یكون التغییر شاملا في نظامنا الاقتصادي الحالي، و لا یكفي فیه مجرد التعدیل و التنمیق البسیط، أو التغییر الیسیر ،لأن نوعیة الأزمة المطروحة قد أخذت شكلاً عالمیاً، و لم تبق مسألة محلیة أو إقلیمیة ، و هذا الحجم الكبير للأزمة یستوجب تبدیلاً واسعاً في حقل النظام المالي العالمي الحالي. و أما محض الحلول الجزئیة و الترقیعات الطفیفة فإنها لا تسمن و لا تغني من جوع، و لا نجني من ورائها شیئاً.
لذا فنحن بحاجة ماسة إلى إصلاح نظامنا الاقتصادي في ضوءخطط محكمة ومنضبطة، تلبي حاجة الواقع من جهة، وتتكل فى جهة أخرى على القیم و المعاییر الحقیقیة في إطار الأصول والمبادئ الضامنة للإصلاح العادل والمتوازي، والمُحَصّن من جمیع ما یمكن أن یصیبه من عدوى الاضطرابات من الأزمة الحالیة، والفساد الناجم عن سوء التقدیر و التخطیط.
والذي شجعني على تقدیم مثل هذه الاقتراحات في هذا المنتدى في الحقيقة هو ما باح به رئیس منتدى الاقتصاد العالمي في اجتماع المنتدى السنوي السابق، و خصوصاً كلماته التالیة:
“و قد وصلنا الیوم إلى منتهى النقطة الأخیرة التي لم یبق لنا بعدها سوى خیار واحد. وهو إمّا التغیر الجذريّ، أو مواجهة انحطاط متواصل مآله الزوال والانهیار والمشاكل التي لاحدّ لها”
وقد ثبت أن التغییر لا مفر منه، ولذا فینبغي أن لا یكون أي تصور للتغییر و التبدیل خارجاً عن نطاق دائرة التفكیر الناضج الحي، الواعي المنضبط بالقيم الشريفة والأصول القويمة والغايات النبيلة، ثم إن مقالتنا التي نريد طرحها على مسامعكم الآن لایمكن أن نستوعب فیهاجمیع تفاصیل لعملیة الإصلاح المطلوب في نظامنا الحالي غیر أننا لن نتوقف عند هذا الحد بل سنطرح جملة من النقاط الأساسیة التي تمهد للتحلیل المثمر والدراسة الجادة.
اقتصاد السوق والتوزیع العادل(Market Economy and Just Distribution)
إن من جملة المبادئ الأساسیة التي أكد علیها القرآن الكریم، فیما یتعلق بالمقاصد المرجوّة لأي نظام اقتصادي كان، هو توزیع الثروة المنتجة في المجتمع وفق طریقة عادلة مستقیمة حتى لا تكون الثروة حُكراً على البعض دون البعض. یقول القرآن الكریم: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾[الحشر:۷] ومن هذا المنطلق یجب الاهتمام البالغ بأولویة هذا المبدإ الأساسي و البند السامي، وإیلائه الجهود التي یستحقها حین التأسیس لأي نظام للأنشطة الاقتصادیة، هذا. وقد حمّل كثیر من خبراء الاقتصادیين المسؤولیة الكاملة لاقتصاد السوق (Market Economy)، و اتهموه بالتحیّز، والتوزیع غیر العادل للثروة في العالم، وعلى الرغم من كل هذا، فقد ثبت فشل نظرية الاقتصاد المخطط (الاشتراكي) (planned Economy) من قبل معارضي اقتصاد السوق غیرأن الحقیقة التي تبقى ماثلة للعیان أن الاعتراضات الواردة على اقتصاد السوق (Market Economy) لم تكن خاطئة بأسرها، ولاهدراً كلها. وكان من المفروض على أنصار اقتصاد السوق(Market Economy) ، و المدافعین عنه أن یعیدوا النظرتمحیصاً و فحصاً في نظامهم للقضاء على العوامل الأساسیة التي ساهمت بشكل مباشر أو غیر مباشر في التوزیع غیر العادل للثروة.
بید أن المأسوف له كثیراً أنّه قد عمد أنصار اقتصاد السوق (Market Economy) إلى إظهار المسرة والابتهاج عندما فشل الاقتصاد المخطط (الاشتراكي) في الممارسة العملیة، و زعموا في تصورهم أن هذه المناسبة انتصارٌ و نجاحٌ لهم في الجبهات السیاسیة و الاقتصادیة على حد السواء، حتى إن نشوة الفرح بما ظاهره الانتصار بعد سقوط النظریة الاقتصایة الاشتراكیة قد ذهبت بالبعض إلى درجة الإعلان في حماس واندفاع أن نظامهم هو البدیل الحتمي الأول و الأخیر، ولم یقتصر الأمر على هذا الحد، بل إن هستیریا الفرح قد عبثت بالبعض أیما عبث، وأفضت بهم إلى الخروج عن نطاق الواقع والعلم إلى نطاق الخُرق و التكهن والتنبؤ بأن لیس من الإمكان أن یكون لهذا النظام من عدیلٍ ولا مثیلٍ ولا بدیلٍ ، ثم إن هذه الإثارة والولولة والاندفاع و الإهاجة قدأدت إلى لفت الأنظار عن هذه الحقیقة والتغاضي في شأنها، و التسترعلى أن بعض جوانب الإشكالیات المطروحة و الانتقادات الموجهة ضد نظریة اقتصاد السوق الحر لم تكن في معظمها ناشئة من فراغ أو واردة على غیر أساس، لأن نفس الفجوات الهائلة الرهیبة لا تزال قائمة و مستمرة في كل مكان بین فقراء العالم وأثریائه، حتى بعد انهیار النظریة الاقتصادیة الاشتراكیة.
لا شك أن الرفض الباتّ للدور الطبعي الّذى تؤديها قوى السوق (العرض والطلب) فى تنظيم السوق كان من أفدح الأخطاء، و لكن كان يجب إخضاعها لقیود صارمة و حدود معینة حتى تنضبط بها، وتعمل بطریقة شفافة و عادلة تفضي إلى حمایة مصالح البشریة جمعاءتلقائیاً في كنف العدل و الإنصاف، و على الرغم من أن الدول الرأسمالیة قد فرضت بعض القواعد و الضوابط على عناصر العرض و الطلب في السوق ، و لكنها ما زالت قاصرة عن حد الكفایة إلى ما تحتاج إلیه مفاهیم الإصلاح في ذلك، و لا یكفي التركیز على مجرد النمو العددي فقط عند التفكیر في قضیة تحسین أي وضع اقتصادي، و كذا لیس من الكیاسة في شيئ الاطمئنان و الركون إلى سرعة دوران عجلة الانتاج، وقوتها فقط، بل الأهم من هذا أن تكون العنایة موجهة ، و الجهود منصبّة في بَوتَقَة إعداد نظام منصف و عادل بالمعنى الحقیقي في تقسیم الثروة، و من خلاله یتم تلبیة احتیاجات المجتمع البشري بمختلف طبقاته و شرائحه بالعدل، وكان من الواجب لتحقيق ذلك أن تفرض على عمليات السوق حدود وشروط مبنية على نظريات أبدية، وبما أن هذا المقصد لم یتم بعد فإن النتیجة أن بالرغم من الضوابط المفروضة من الحكومات، لا تزال الثروة التي تنتجها الأسواق دُولة بین جملة من أرباب الثراء و الغنى، حتى في الدول المتطورة مثل الولایات الأمریكیة المتحدة ، وها هو ذا جي ولیام دوم هوف [G William Domhoff] یسرد علینا ملخص ما ترتكز علیه عملیة توزیع الثروة في الواقع الأمریكي:
“إن الثروة في الولایات الأمریكیة ترتكز بشكل كبیر نسبياً في ید قلیل من الناس ، وفي عام 2007ءكان یملك واحد بالمئة من الطبقة الغنیِة نسبة6,34٪ من مجموع ثروة المجتمع، وأما بالدرجة الثانیة فكانت طبقة أصحاب الأعمال الإداریة و المهنیین والحرفیین وأصحاب التجارة التي تمثل ۱٩٪ تملك 5,50٪ من مجموع الثروة و معنى ذلك أن نسبة ۲٠٪ من الشعب ( المتكون من الطبقتین السابقتین) تملك نسبة ٨٥٪ من الثروة، وأما النسبة الباقیة من مجموع الثروة وهي۱٥٪ فلبقیة الشعب من عامة الناس (أی عمّال وأصحاب رواتب)، و نسبتهم تصل إلى ٨٠٪ في المئة. أما لو قصرنا مفهوم الثروة على المال وحده (أعني بإخراج القیمة المالیة للمنازل) و ما یبقى بهذا الاعتبار من الثروة المالیة الاجمالیة الصافیة فإن الطبقة الأولى المذكورة المتمثلة في۱٪ یرتفع منسوبها من مجموع الثروة من۳٤،٦٪ و یصبح ما تملكه منها ٧، ٤۲ ٪” ( )
من الواضح أن الحال في الدول النامیة وغير المتطورة غنیة عن البیان، إذ إنها تمر بأسوء الأحوال.
و علیه، فيحتاج هذا النظام المختل الخارج عن نطاق العدل إلى الإصلاح على أساس المفاهیم ذات العلاقة.
إن العالم بأكمله يتألم و يئن من الأزمة المالية الحالية، وقلّما شعر الناس أن هذه الأزمة في الحقيقة إنما هوأزمة واجهتها بصورة أساسية الطبقة الثرية من البشر الذين كانوا يلعبون بالثروة الهائلة كيف ما شاؤا، و يتصرفون فيها كما يحلولهم، و فجأة قد تراجعت مداخيلهم، و أصيبت بانخفاض حاد. و أما الطبقات الفقيرة والمحرومة فإنهم لم ينفكوا عن العيش تحت أزمة دائمة في جميع الأوقات، و لم يكن أحد اهتم بشأنهم أو بكى لهم، و لم يتفق أن يقبل أحد وضعهم على أنه أزمة عالمية، و ذلك أن ثروة الأغنياء كانت في أوج سرعة الازدياد و النمو، فأنّى لهم أن يستشعروا معاناة الطبقات التي طحنها العوز والفقر، و أنهكها الحرمان آنذاك ، وإنما تم الاعتراف بالأزمة أنها أزمة عندما بلغ السيل الزبى، و رأوا شبح الانهيار كهامة تصدى على ديارهم على الرغم من أنهم لم يواجهوا المجاعة مثل ما يواجهها الفقراء في حياتهم اليومية غير أن الذي نسجله هنا على الكل بدون استثناء أن مشاكل الفقراء لم تجلب انتباه العالم و اهتمامه بها و إليها كما حدث وعرف مع الأزمة المالية الحالية، فعلى الأقل ينبغي لنا أن نشعر بآلام الآخرين ومصائبهم.و أن نغتنم هذه الفرصة لدراسة ما هو الخطأ الأساسي الموجود في نظامنا المالي الذي أوقع الجزأ الأكبر من سكان العالم في فقر دائم، و جعل الأغنياء يواجهون الصدمات الاقتصادية بين حين وآخر، ودعونا نستعرض نظامنا الاقتصادي من هذه الزاوية:
من المعلوم أن عناصر العرض و الطلب في السوق (قوى السوق) تلعب دوراً حیویاً ذا أهمیة عالیة في اقتصاد السوق، شریطة أن تُيسّر لها فرصة العمل وفق الطریقة الطبیعیة السلسة، غیر أننا نجد في نظامنا الحالي عوامل كثیرة تساعد على تهیئة مناخ یوفر فرص الاحتكار للأغنیاء و المتمولین، و تعرقل الوظیفة الطبیعیة لعناصر العرض و الطلب في السوق، و بالتالي تحرم هذه الأخيرة من التوصل إلى توازن حقیقي، و هناك بعض العوامل الأخرى التي تنشؤ آلیة مصطنعة في وظیفة قوى السوق (أی عناصر العرض والطلب) ولا تمثل انعكاساً حقیقیاً للاحتیاجات الاقتصادیة ، بل إنها تساهم في إحداث الاضطراب في سیر العملیة الاقتصادیة الحقیقة لاأكثر و لا أقل.
وخلاصة الكلام، أننا بحاجة إلى مجموع من القیم والمبادئ التي تؤدي إلى معالجة الأخطاءالأساسیة الموجودة في نظامنا الحالي للاقتصاد، والقضاءعلیها بأسرع ما يكون ، لذا نسوق لكم الآن طرفاً من الكلام حول تلك القیم والمبادئ.
دافع الربح و الطمع (Profit Motive and Greed)
في سیاق تبیان هذا المبدأ نستفتح الكلام بفقرة في غایة من الرشاقة والاتزان تعني ببیان حقیقة المال على لسان الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى ـ أحد أشهر علماء القرن الأول الهجري الإسلامي ـ و هي:
“بئس الرفیقان الدینار و الدرهم، لا ینفعاك حتى یفارقاك”( )
على الرغم من وجازة هذه الكلمات إلا أنها تحمل بین طیّاتها تصورین أساسیین، لهما من الأهمیة غایتها في الأخذ بزمام الأنشطة الاقتصادیة نحو الاتجاه الصحیح.
الأول منهما: هو أنّ المال لیس مقصودا بالذات، بل هو وسیلة لتحقیق أهداف ومقاصد مخصوصة.
وأما الثانی : فإن المال في حد ذاته لا یحمل إفادیة ما، بل إنما تظهر عائدته عند ماینفصل منك، و ینأى عنك لتتوصل به في تحقیق مطلب شخصي كأن یُشترى به شيء ینتفع به.
و الآن اسمحوا لي أن أناقش هذین المفهومین من خلال خلفیة الوضع الاقتصادي الحالي.
برغم أن سیاسة عدم التدخل الحكومي في الشؤون الاقتصادية (حرية التجارة) [Laissez Faire] لم یبق لها كبیر معنى حتى في الدول الرأسمالیة أیضاً، وأما حافز الربح [Profit Motive] فله أهمیة حیویة، و دخل كبیر في اقتصاد السوق(Market Economy)، فإنه لو لزم حدوده لما كان هناك مشاكل، و لكنه في الواقع العملي أصبح معناه[Profit Motive] في كثیر من الأحیان هو كسب أكثر ما یمكن من الثروة و المال بمنتهى الحریة المطلقة التي لا یحدها شيء، و لو كان ذلك على حساب مصالح الآخرین، و قد فشلت جمیع القیود التي سعت حكومات كثیرة لفرضها في إحداث فارق مرئي أو محسوس بین دافع الربح و بین الجشع للثروة.
وعلیه فإن لم یكن للإنسان أیة مقاصد روحیة ینشدها، أو ضوابط أخلاقیة یتقید بها، فعندها یعد دافع الربح [Profit Motive] القوة المحركة للاقتصاد، وبالتالي یتحول هذا الدافع للربح إلى المقصد الأول والهدف الأساسي للحياة، ویصبح الإنسان دائم الفكرة في تراكم الثروة ما استطاع إلى ذلك سبیلاً دون التفات إلى حسن الوسائل وقبحها، و على هذا النسق یصیر الإنسان فریسة للطمع والجشع لا یسعده بعد ذلك إلا الإیغال والزیادة في إحصاء عدد ما یملك من القطع النقدیة والأوراق المالیة متغافلاً ومتجاهلاً عما یمكن أن یستفید من ورائها في الحقیقة، و یقول القرآن الكریم في مثل هذا الشخص ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ . الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴾ [سورة الهمزة . الآية: ۲،۱] فإن أصبح إنسان فریسةً لمثل هذه الأهواء والأطماع، و بلغ به حرصه إلى هذا الحد من الجشع فلا یملأ فاه شيء من الثروة قل أم كثر، و لا یروي ظمأه في الزیادة منها وجمعها وتكديسها شيء، فتراه لا یكف عن التفكیر في إشباع رغبة الاستزادة من الما ل و الثروة و المقتنیات سواءكان بطرق مستقیمة و وسائل عادلة أو بعكسها حتى یبغته الأجل ، و یخرج من هذا العالم تاركاً ما وراءه من ثمرات السنین والأیام، وملك عظیم، ومال وافر عمیم لمن خلفه من الورثة، وها هو ذا القرآن ینبئنا عن هذه الحالة ، ویصوّرها لنا تصویرا دقیقاً حیث یقول عز من قائل: ﴿اَلْهٰكمُ التَّكاثُرُ، حَتّٰى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [سورة التكاثر: الآية۲،۱] ویقول نبي آخر الزمان محمد المصطفى صلاة ربي و سلامه علیه: “لوأن لابن آدم وادیاً من ذهب لأحب أن یكون له وادیان، و لن یملأ فاه إلا التراب“ ( )
لاشك أن جمیع الأنشطة الاقتصادیة إنما تظهر في حیز الوجود بسابقة تدفع للحصول على أي نوع من أنواع الثروة. وعلیه فإن الرغبة المشروعة لكسب المال والثروة لتلبیة الاحتیاجات بوسائل عادلة لیست مذمومة ولا مستقبحة، ولكن الجشع المذموم هو الذي یحجب عن رؤیة ماوراء الرغبات الذاتیة و الأنانیة للمرء، ویمنع من التمییز بین الحسن والقبيح، و بین الحق والباطل.
ثم إن الحیاة فى نظر الإسلام لیست منحصرة في هذه الدنیا فقط، بل هناك حیاة أخرى تلي هذه الحیاة، فیها تتم المحاسبة الشاملة و العادلة على ما فرط في هذه، والطمع و الجشع مما یضر بتلك الحیاة ضرراً كبیراً. والّذى ينبغى لكلّ بشر أن يكون الفوز والنجاح فى تلك الحياة الدائمة هدفه الأصليّ من وراء جهوده فى هذه الحياة الدنيوية، ولكن حتى لو نظرنا بمنظور هذه الحياة الدنيا، وأغفلنا جانب الحیاة الآخرة، فإن هذا النّوع من الطمع لا یجلب لها نفعاً، حتى فى هذه الحياة الدنيا، وذلك لوجهین:
الأول: أن هذا النوع من الجشع یداعم حب الذات والمغالاة بها إلى درجة أن یتحول معها ذلك الهوس و الجشع إلى أنانیة دائمة و متأصلة لا صلة لها بصالح المجتمع العامّ، وتلك الأنانیة من شأنها أن تحرم المجتمع من حقوقه في المصالح الجماعیة المشتركة، بل تلغیها و تهملها إلى حد حسبانها مما لا علاقة له بالشأن العام، و لیس هذا فحسب، بل إنها من شأنها أن توقع الإنسان في مصیدة حب الاستزادة من الثروة، و تغرس فیه فكرة تحقیق الأرباح الطائلة و لو على حساب الإضرار بالمجتمع.
الثاني: علاوة على كل هذا فإن هذه الأنانیة و الجشع تطمس بصیرة صاحبها، وتوقعه في ضرب من الغفلة تنسیه هذه الحقیقة : أن الثروة إنما وجدت لیتبلّغ بها الإنسان في قضاء شؤونه و مآربه، و تكون تحت تصرفه و خدمته لا أن الإنسان خلق لیكون تحت تصرفها، و في خدمتها.
ثم إن الغایة من المال و الثروة هي توفیر النعمة و الراحة والهدوء للبدن والروح معاً، فإذا انقلب الموضوع، و أنفق الإنسان راحته و استقراره في هذه الحیاة في سبیل ما یتطلبه ازدیاد المال من تعقیدات وأتعاب و مشاق، فإنّه يفوّت نفس الغرض المنشود لاكتساب المال، لأن الإفراط فى طلب المال والاستزادة منه یذهب براحة الحیاة و نعیمها، و یهدر الحقوق الجسدیة و الروحیة التي كان من المفروض أن تنعم بالمال و ترغد به، لا أن یرغد المال بها و ینعم ، مما من شأنه أن یبتر الحیاة من كل ماینتفع به من الوسائل، و یلغي دورها لیعیش الإنسان في قلق وتوتر دائم لأجل المال، وإلى هذا المعنى یشیر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 55] و جملة الكلام أن شرور الجشع و أضراره واضحة تماماً، لایستحسنها أحد من الناس، و لا یثني أحد علیها خیراً، و لا على أصحابها، و لكن المشكلة هي أنه لا أحد یعترف بأنه جَشِعٌ، أو أن مصدر أفعاله و مستندها هو الجشع، و من هنا تظهر الحاجة إلى تعریف الجشع و تحدیده، إذ إنه قد ثبت أن جمیع المشاكل تكمن فیه ، وذلك لأنه مصطلح مبهم قد یفسر بطرق مختلفة، وفي بعض الأحیان قد یكون الجشع نفسه يخترع فى نفس الإنسان تفسيرات للجشع والحرص بما قد یُصوِّر للمبتلى به أنه في مأمن منه، وقد بدا لنا ظاهراً أنه لایكفي مجرد ذم هذه الفكرة وإدانتها لمنع هذا الشر و دفع هذا الخطر، بل یجب أن یكون هناك بعض القواعد الجادة والمبادئ الفوریة والقوية التي تنظم موقفنا، وتجعله خاضعاً للقوانین حتى یتم بها القضاء على ما يمكن أن ینجر عن الجشع، أو على الأقل یخفف منها، وإنّ أحد هذه المبادئ الهامّة هو معرفة حقيقة النقد، ومن هنا تأتى أهميّة الشق الثاني من الكلمة التي قالها الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى، والتي تدعونا إلى التفكر والتدبر.
حقيقة المال وطبيعته (The Nature of Money)
يتبدى لنا من خلال ما أوردنا من كلام الحسن البصرى فكرة ثانية، وهي أن النقد باعتبار ذاته لا يحمل من جوهرية حق الانتفاع أية قيمة أو قدر من الأهمية، ولهذا لا يفيدنا ما لم يفارقنا، يعني أن فائدته إنما تظهر عند أدائه بصفته ثمنا لغيره وبدلاً لشيء يحمل نفعا حقيقيا فعلياً، علماً بأن الغرض المحض من إيجاد النقد هو كونه آلة للتبادل، ومقياساً للقيمة، وإلا فمجرد النقد وحده لايحمل أية فائدة. وبسبب إغفال وإهمال هذه الفكرة المهمة قد واجه نظامنا المالي أخطاء جوهرية فادحة، لذا تعالوا بنا لنحاول معاً فهم هذه الفكرة والنظرية الدقيقة ليحصل لنا تصور كامل لها.
اتفق خبراء الاقتصاد الحديث على نقطة، وهي أن النقد هو وسيلة للتبادل ومقياس للقيمة، ولكن حسب دراستي المحدودة، واطلاعي القاصر لم يكن هناك أحد ناقش هذا المفهوم من منظور فلسفي اقتصادي عميق ببسط وتفصيل أكثر من الإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ (وهو فيلسوف عبقري من أجيال القرن الخامس الهجري) ومن الجدير أن أقدّم تحليله هذا بنصه وفصه حيث يقول :
“من نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير، وبهما قوام الدنيا…. وهما حجران لا منفعة في أعيانهما، ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه، وملبسه، وسائر حاجاته، وقد يعجز عما يحتاج إليه…. ويملك ما يستغني عنه، فتعذر المعاملات جداً، فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط بينهما بحكم عدل من كل واحد رتبته ومنزلته حتى إذا تقدرت المنازل، وترتبت الرتب علم بعد ذلك المساوي من غير المساوى….فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما…. وإنما أمكن التعديل بالنقدين إذ لاغرض في أعيانهما، ولو كان في أعيانهما غرض ربما اقتضى خصوص ذلك الغرض في حق صاحب الغرض ترجيحاً، ولم يقتض ذلك في حق من لا غرض له فلا ينتظم الأمر، فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي، ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل…. ولحكمة أخرى وهي التوسل بهما إلى سائر الأشياء لأنهما عزيزان في أنفسهما، ولاغرض في أعيانهما، ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة فمن ملكهما فكأنه ملك كل شيء، لا كمن ملك ثوبا فإنه لا يملك إلا الثوب فلو احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب لأن غرضه في دابة مثلاً فاحتيج إلى شيء، وهو في صورته كأنه ليس بشيء، وهو في معناه كأنه كل الأشياء، والشيء إنما تستوي نسبته إلى المختلفات إذ لم تكن له صورة خاصة بقيدها بخصوصها كالمرآة لا لون لها، وتحكي كل لون، وكذلك النقد لاغرض فيه، وهو وسيلة إلى كل غرض….
فكل من عمل فيهما عملا لايليق بالحكم بل يخالف الغرض والمقصود بالحكم فقد كفر نعمة الله تعالى فيهما، فإذن من كنزهما فقد ظلمهما، وأبطل الحكمة فيهما، وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم….
وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر النعمة، و ظلم لأنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما إذ لا غرض في عينهما فإذا أتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصوداً على خلاف وضع الحكمة، إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم…. فأما من معه نقد فلو جاز له أن يبيعه بالنقد، فيتخذ التعامل على النقد غاية عمله فيبقى النقد مقيدا عنده، وينزل منزل المكنوز، و تقييد الحاكم، والبريد الموصل إلى الغير ظلم كما أن حبسه ظلم، فلا معنى لبيع النقد بالنقد إلا اتخاذ النقد مقصوداً للإدخار، وهو ظلم.”
والحق أن جميع خبراء الاقتصاد الذين ظهروا بعد الإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ قد اعترفوا أن النقد (Money) وسيلة للتبادل (Medium of exchange) ومقياس للقيمة (Measure of Value) ومع الأسف نقول: إن أكثرهم لم يتناولوا دراسة هذه النظرية على النحو الذي يوصلهم إلى نتيجتها المنطقية الحتمية، حيث إن هؤلاء تجدهم يؤمنون بأن النقد وسيلة للتبادل، ومن ناحية أخرى تراهم يصرفون النظر عن الفوارق الأساسية بين طبيعة النقد(Money) والسلعة (البضاعة) (Commodity)، ويتعاملون مع النقد على أنه سلعة، والآن نسوق لكم الفوارق الأساسية بين النقد (Money) والسلعة (Commodity) في النقاط التالية.
(١) لا توجد في النقد منفعة حقيقية من حيث إنه لا يمكن استخدامه مباشرة في تلبية الاحتياجات الإنسانية، بل إنه يستخدم للحصول على الأشياء أو الخدمات فقط، وفى جانب آخر فإن السّلعة (Commodity) تتصف بالنفع الحقيقي في حد ذاتها حيث يمكن استخدامها مباشرة دون مبادلتها بشيء آخر.
(٢) يمكن أن تكون السلع من نوعيات وأوصاف مختلفة في حين أن النقد (Money) من أي نوع كان لا يمكن إلا أن يكون مقياساً للقيمة ووسيلةً للتبادل فحسب، فلذلك فإن جميع وحدات النقد من مقدار واحد تكون متساوية مئة في المئة، فتتساوى قيمة عملة الألف (1000) القديمة الخلِقة، وقيمة عملة الألف الجديدة والجيدة.
(٣) إن البيع والشراء يكون في السلع في شيء مخصوص ومعيّن مثلاً إن ((ألف)) قد اشترى سيارة خاصة حيث يمكن تعينها بالإشارة، أنها هي السيارة المشتراة المتعينة، ووافقه البائع على ذلك، وفي هذه الصورة يستحق المشتري (ألف) الحصول على نفس السيارة، ولا يحق للبائع تسليم سيارة أخرى غيرها، ولا يجبره على أخذ غيرها، حتى ولو كانت السيارة الأخرى تساويها في النوعية والجودة، وعلى العكس من ذلك لاتتعين الفلوس (النقد) (Money) بالإشارة، مثلاً إذا اشترى ((ألف)) شيئاً من ((ب)) بألف روبية معينة، فإنه لا يجب على ((ألف)) أن يدفع نفس الفلوس، بل يستطيع أن يدفع له ألف روبية غيرها، وسواء كانت سكة واحدة أو فكّةً.
وبصرف النظر عن هذه النقاط، لا يمكن في نظر المنطق والعقل أن يكون النقد سلعة، وذلك أن الأشياء تتوزع إلى نوعين حسب التقسيم الاقتصادي.
الأول:السلع الاستهلاكية (Consumption goods).
والثاني: السلع المنتجة (Productive goods).
والنقد لا يدخل في واحد منهما إذ إنه لا يستعمل، ولا يستخدم بنفسه مباشرة لأنه لا يوجد له استخدام طبيعي (Intrinsic utility)، وكذلك فهو ليس من الأشياء المنتجة (Productive goods) لأنه بنفسه لا ينتج شيئا.
وأما الذين عدّوه من الأشياء المنتجة، فليس لديهم سواطع الدلائل وقواطع البراهين لإثبات دعواهم. وقد لاحظ لودفيغ فون ميزس (Ludwig Von Mises) (خبير اقتصادي في عصرنا هذا) بعد مناقشة واستعراض حججهم ودلائلهم ما يلي:
“صحيح أن معظم الاقتصاديين يعدون النقد من جملة السلع المنتجة، ومع ذلك فإن الدلائل والحجج التي استدلوا بها لإثبات نظريتهم غير صحيحة وغير صالحة، ثم إن ثبوت نظرية مّا كامنٌ في توجيهها المنطقي والعقلي، لا في كثرة عدد مؤيديها وداعميها، ومع كل الاحترام والتقدير لأساتذة الفن، فإنهم غير قادرين على إثبات موقفهم في هذه القضية بكل صراحةٍ ووضوحٍ”( )
ثم أظهر المصنف ميله إلى نظرية كينز (Kiens theory) بأن النقد لا يدخل في السلع الاستهلاكية(Consumption goods)، ولا في السلع المنتجة (production good) بل هو مجرد وسيلة للتبادل.
وبمجرد هذا الاعتراف ـ أن النقد ليس بسلعة ـ يجب أن تكون نتيجته المنطقية أنه وسيلة للتبادل فقط، وليس من جملة ما يُتّجر فيه كسلعة، وخاصة عند ما يتم مبادلته بقطعة فلس أخرى من نفس النوعية، ولا يكون في هذه الصورة توليد للأرباح أصلاً، إلا أن يكون مبادلته بالسلع الأساسية.ولكن العديد من الاقتصاديين على الرغم من اعترافهم بأن النقد آلة للتبادل، لم يظفروا بالتوصل إلى نتيجته المنطقية المعقولة، بل إنهم قبلوا أن النقد آلة لتوليد المزيد من النقد على أساس يومي. والظاهر أن الإمام الغزالي ـ رحمه الله تعالى ـ هو موجد نظرية أن النقد وسيلة وآلة للتبادل، وأنه لم يكن رائداً لهذه النظرية فقط، بل هو الذي أوصلها إلى نهايتها المنطقية، ونسوق لكم طرفاً مما سبق لنا أن ذكرنا من كلامه مرة أخرى.
“وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر النعمة، وظلم لأنهما خُلِقا لغيرهما لا لنفسهما إذ لا غرض في عينهما فإذا اتجر في عينهما فقد اتّخذهما مقصوداً على خلاف وضع الحكمة ……. فأما من معه نقد فلو جاز له أن يبيعه بالنقد فيتخذ التعامل على النقد غاية عمله، فيبقى النقد مقيدا عنده وينزل منزل المكنوز…….( )”
وهذا يعد وجهاً من الوجوه الفلسفية لحرمة الربا، لأن المعاملات الربوية سواء كانت في الديون الاستخدامية أو الديون التجارية هي في الحقيقة داخلة في تجارة النقد، وليس هناك بيع وشراء للسلع في الواقع، بل إن الحصول على الربا (الفائدة) إنما يكون لأجل إقراض النقد فقط، وقد صرّحت معظم الكتب السماوية بحرمة الربا (الفائدة) بصفة عامة، فأعلن القرآن الكريم حرمتها على وجه الخصوص حيث قال الله تبارك وتعالى:
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]

﴿یَمحَقُ اللهُ الرِّبٰوا وَ یُربِی الصَّدَقٰتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]

﴿یٰاَیُّہَا الَّذِینَ اٰمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِیَ مِنَ الرِّبٰوا اِن كنتُم مُّؤمِنِینَ (۲۷۸) فَاِن لَّم تَفعَلُوا فَاذَنُوا بِحَربٍ مِّنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَاِن تُبتُم فَلَكم رُءُوسُ اَموَالِكم لَا تَظلِمُونَ وَ لَا تُظلَمُونَ (۲۷۹) [البقرة:٧٩ـ٢٧٨]

وكذا قال الله تعالى:= یٰاَیُّہَا الَّذِینَ اٰمَنُوا لَا تَاكلُوا الرِّبٰوا اَضعَافًا مُّضٰعَفَة وَ اتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفلِحُونَ % [آل عمران: ١٣٠]

وكذا توجد اليوم في الكتاب المقدس من العهد القديم (Old Testament of the Bible) نصوص واضحة تدل على حرمة الفائدة (الربا) والكف عنه.و هى كما يلى:
“لا تُقْرِضْ أَخَاكَ بِرِبًا، رِبَا فِضَّةٍ، أَوْ رِبَا طَعَامٍ، أَوْ رِبَا شَيْءٍ مَّا مِمَّا يُقْرَضُ بِرِبًا”(سفر التثنية 19:23 Deteronomy)
“يَارَبُّ، مَنْ يَنْزِلُ فِي مَسْكَنِكَ؟ مَنْ يَسْكُنُ فِي جَبَلِ قدسك؟ السَّالِكُ بِالْكَمَالِ، وَالْعَامِلُ الْحَقَّ، وَالْمُتَكَلِّمُ بِالصِّدْقِ فِي قَلْبِهِ.

وَالْمُتَكَلِّمُ بِالصِّدْقِ فِي قَلْبِهِ. فِضَّتُهُ لاَ يُعْطِيهَا بِالرِّبَا، وَلاَ يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ عَلَى الْبَرِيءِ. الَّذِي يَصْنَعُ هذَا لاَ يَتَزَعْزَعُ إِلَى الدَّهْرِ. (سفر المزامير 1,2,5:15 Psalms)
اَلْمُكثرمَالَهُ بِالرِّبَا وَالْمُرَابَحَةِ، فَلِمَنْ يَرْحَمُ الْفُقَرَاءَ يَجْمَعُهُ..)) (سفرالأمثال/ 8:28:Proverse)
” فَشَاوَرْتُ قَلْبِي فِيَّ، وَبَكَّتُّ الْعُظَمَاءَ وَالْوُلاَةَ، وَقُلْتُ لَهُمْ: «إِنَّكُمْ تَأْخُذُونَ الرِّبَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَخِيهِ». وَأَقَمْتُ عَلَيْهِمْ جَمَاعَةً عَظِيمَةً.”( سفر نحميا Nehemiah) 05:07).

“وَلَمْ يُعْطِ بِالرِّبَا، وَلَمْ يَأْخُذْ مُرَابَحَةً،
وَكَفَّ يَدَهُ عَنِ الْجَوْرِ، وَأَجْرَى الْعَدْلَ الْحَقَّ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالإِنْسَانِ، وَسَلَكَ فِي فَرَائِضِي وَحَفِظَ أَحْكَامِي لِيَعْمَلَ بِالْحَقِّ فَهُوَ بَارٌّ. حَيَاةً يَحْيَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ.” (سفر حزقيال) Ezekeil 08,09:18).
“فِيكِ أَخَذُوا الرَّشْوَةَ لِسَفْكِ الدَّمِ. أَخَذْتِ الرِّبَا وَالْمُرَابَحَةَ، وَسَلَبْتِ أَقْرِبَاءَكِ بِالظُّلْمِ، وَنَسِيتِنِي، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبّ “. (سفرحزقيال، : Ezekiel12:22 ).
تتضح من هذه الأحكام الدينية الأصول الآتية.
(١) إن العملة من الطائفة الواحدة لا يقصد منها التجارة كالسلع الأساسية (Commodities)، ولا يجوز اكتساب العملة بالعملة نفسها مباشرة في الشريعة ولكن يجوز استخدامها كآلة ووسيلة للتجارة الحقيقة.
(٢) إذا تم مبادلة عملة بنفس العملة أو استقراضها لأسباب استثنائية، فيجب على الجانبين أن يكون الأداء من الجانبين حال التقاضي متساوياً لكي لا تستخدم لغير الغرض الموضوع له.
و لكن عند ما أيّد النظام المصرفي الحديث (Modern banking System) مبادرة اكتساب العملة بالعملة شكّلت التعاليمُ الدينية عقبةً في طريقه، عندئذ اخترعت نظرية أخرى تُفرّق بين المعاملات الربوية التجارية (Interest)، وبين المعاملات الربوية المستندة إلى ديون الاستعمال الذاتية (Usury)، فقام بعض بادّعاء أن الحظر ينبغي أن يقتصر على القسم الثاني من الربا، وأما القسم الأول من الربا فينبغي أن يكون حلالاً طيباً لأنّه عقدٌ غير ضارّ. ثم إن مجرد تجاوز هذا المانع لمرة واحدة فتح بوّابة للمعاملات المالية المستندة إلى الديون الربوية التي لا تزال تتزايد يوماً فيوماً، ولم تكن لها أيّة علاقة مع الاقتصاد الحقيقي أصلاً، ثم نشأ عن هذا التيّار الاعتماد بشكل ما على العملة الورقية كمرحلة أولى، ثم عند ما أودعت هذه العملات الورقية (Paper money) في البنوك، انبثق عنها صنف خياليّ يفترض نقداً في نظام الاحتياطي للكسور (Fractional reserve System)، وفاق حجمُ هذا النوع الافتراضي من النقد حجمَ العملات الحقيقية. ثم جاء دور الأوراق المالية (Financial papers) (يعني الأوراق التي تمثل الديون الربوية الصادرة عن المؤسسات غير المصرفية)، وأنشأت هذه الأوراق المالية سوق الخصم (Discounting market) ثم إنّ ظمأ الحصول على الثروة وجوع ازدياد المال بسهولة قد أدّى إلى إيجاد مخلوق جديد يتمثل في المشتقات المالية (Derivatives) في شكل الخيارات (options)، والعقود المستقبلية (Futures)، ومقايضات الديون (swaps)، وغيرها من مجموعة الابتكارات، ثم ظهر في أواخر القرن العشرين العلم الرياضي للهندسة المالية (Mathematical science of Financial engineering) الذي وقع به تضاعف استخدام عشوائي للمشتقات (Derivatives) بطريقة معقّدة لم يكن يعرفها خبراء الفن أيضاً، ثم عبرت هذه الصفقات الغامضة جميع الحدود في مدة قليلة، وزادت في النقود المفروضة إلى حد لا يُصدّق، حتى أصبح مقدارها أكثر من إثنتى عشرة مرة من مجموع الناتج المحلي الإجمالي للعالم (G.D.P) بأسره!!!.
ويمكنك تقدير ذلك بأن مجموع قيمة المشتقات (Derivatives) كان 741.1 تريليون دولار أمريكي عام 2008م( ) وفي حين لم يكن مجموع الناتج المحلي الإجمالي للعالم (G.D.P) كله فى تلك السنة إلا 60.6 تريليون دولار أمريكي فقط،( ) ومعنى ذلك أن قيمة المشتقات كانت تزيد أضعافا مضاعفة على المنتجات الحقيقية لجميع دول العالم. وتفكّر معي هذا المبلغ الكبير الذى يشتمل على خمسة عشر رقماً مثل 741100,000,000,000!!!. وكانت قيمتها عام 1996 64 تريليون دولار وفي ذلك الوقت علّق عليها ريتشارد طومسون (Richard Thomson) قائلاً:
“وكيف يمكنك أن تتخيل هذا العدد الكبير، ولكن يمكنك القول لمعرفة هذا العدد الهائل أن عملات الدولار الموجودة فيها لو وضعت بعضها فوق بعض فإنها تمتد من هنا إلى الشمس ست مرات، وإلى القمر خمساً وعشرين ألف وتسع مئة مرة (25900)” ( )
ولك الآن أن تتخيل أن هذا المبلغ عندما زاد ووصل عام 2008م إلى 741 تريليون دولار فكم مرة يمتد إلى الشمس أو القمر لو وضعت هذه العملات بعضها على بعض في القطار!!!
وبذلك لم تبق أية حقيقة وأهمية للعملات الصادرة بشكل الأوراق النقدية المستندة إلى الديون مقارنة بهذا المبلغ الكبير، بل أصبحت نسبة قليلة لمجموع عرض النقود في العالم، وأما غير ذلك من العملات، فلا وجود لها في أرض الواقع سوى إنها أرقام حوتها الحواسيب فقط، وليس لها أية علاقة بالوجود الخارجي. والواقع أن هذه كلها فقاعة (Bubble) أنشأتها الصفقات والعقودات المالية المعقدة (Complex Financial Deals)، وليس لها علاقة مع الاقتصاد الحقيقي أصلاً، وهذه نفس تلك الحالة التي أخبر بها الإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ قبل تسع مئة سنة عند ما أصّر على أن النقد لا ينبغي استخدامه للتجارة، وقد توصل الإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ عند معالجته هذا الموضوع إلى ذكر نتائج خطيرة ومفزعة لاستخدام النقد كمتاع أو سلعة تجارية، وإليكم نصه وتحليله في ذلك حيث يقول:
“إنما حرم الربا من حيث أنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب، و ذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة الربا من تحصيل درهم زائد نقداً أو آجلاً خفّ عليه اكتساب المعيشة فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعة، وذلك يقضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعة، والإعمار”( )
والذي يظهر من خلال ما سرده الإمام الغزالي ـرحمه الله ـ في تعليقاته هذه أنه يعطينا فكرة من عمق نظر هذا الإمام وسعة تفكيره بحيث كأنه قد اخترق حدود الزمان والمكان لينبأنا عن حال اقتصادنا الحاضر من باب التصور الذي قام مقام المعاينة، وقد انتقد عديد من الاقتصاديين المعاصرين النظام الحالي للاقتصاد على نحو طريقته تقريباً، وقد قرّر العديد من الاقتصاديين هذا الجانب سبباً أساسياً للأزمة الاقتصادية في سنة 1930م، وعلى سبيل المثال قد لاحظت لجنة دراسة الأزمة الاقتصادية التي شكلتها الغرفة التجارية لساوثمبتون (Southampton Chamber of Commerce) ما يأتي من التعليق بعد دراسة، وتحليل الأسباب الأساسية للمشكلة.
“لأجل الحصول على الضمان والاطمئنان الكامل بأن النقد (Money) يقوم بوظيفته الحقيقية كوسيلة للتبادل والتوزيع، ينبغي أن يتوقف تداوله واستخدامه كسلعة تجارية (Commodity)” ( )
ولكن لم يغيّر هذا الانتباه من العقليّة السائدة في الأسواق المالية. إن مغريات هذا السوق المطلسم ((Miraculous Market)) كانت خلّابة إلى حدّ أن لاعبى هذا الميدان بدلا من أن يعتبروا بما سبق في الماضي من الدروس، أخذوا بتضخيم هذه الفقاعة عن طريق إضافة تعقيدات جديدة إليها حتى انفجرت هذه الفقاعة على شكل الأزمة الحالية، وكل ذلك قد وقع لأجل أن النقد أصبح مسموحاً له باستخدامه كآلة انتاج المزيد من النقد على أساس الربا. ولصرف النظر عن وظيفته الأصلية التي تحتم استخدامه كآلة للتبادل.
ويمكن لأحد أن يطرح سؤالاً مناسباً في هذا المقام، وهو أن ربا التجارة قد لعب دوراً حيويا في توظيف المال الراكد والمعطل في التجارة والصناعة، وإذا لم يكن ربا التجارة (الفائدة) مسموحا باستخدامه فكيف يمكن للمؤسسات التجارية واسعة النطاق اللازمة لتطوير المجتمع أن تعمل بدون وفورات الشعب؟
والجواب عنه بسيط جداً: وهو أن أفضل طريقة لاستغلال الوفورات هو أن يتم جذبها إلى المشاريع التجارية والصناعية عن طريق إعطاء المدخرين (أصحاب الوفورات) حصتهم المناسبة من أرباحها الحقيقية على أساس الشركة، وأما فى الوضع الراهن، فإنه يستفيد عدد قليل من شرائح المجتمع من مقدار هائل من وفورات المجتمع بأسرها. وأبسط دليل عليه حال دولتي باكستان عام يونيو 2008م فقد استخدم 26,660 أصحاب الحسابات من مجموع 24900000 أصحاب الحسابات يعني أن نسبة % 0. 1 فقط من مجموع أصحاب الحسابات استخدمت 1.95تريليون من الثروة، وهو نسبة 69%من نسبة الديون الإجمالية (المرجع: البنك المركزي لباكستان، State Bank of Pakistan)
ومعنى ذلك أن عدد %0.1من أصحاب الحسابات استخدموا 69%من الثروة التي أودعتها ملايين من الناس في البنوك، ومنحوا المستثمرين بمقابلتها نسبة قليلة جداً من الأرباح في شكل ربا، وتوظف بقية أرباح الثروة في زيادة ترفعاتهم وراحاتهم فقط، ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقط، بل إن أصحاب التجارة الذين استخدموا أموال الناس يزيدون في أسعار منتجاتهم بإدخال الفائدة المدفوعةإلى البنوك فى تكاليف الإنتاج، وبهذا الطريق يسترجعون الأرباح المدفوعة من جانب البنك إلى المودعين (بشكل الربا) من خلال الزيادة في الأسعار، وينتج عن ذلك أن الأرباح المدفوعة إلى المودعين (أصحاب الحسابات) بشكل الربا يسترجعونها إلى جيوبهم مرة أخرى من خلال الزيادة في الأسعار، وعليه، فلا يبقى شيء في جيوب عامة الناس بل كل ذلك يعود إلى هذا العدد القليل من أصحاب التجارة فقط.
وهذا الأمر يرفضه العقل والمنطق، ولا يبتنى على العدل أيضاً أن يتم القبض على المقدار الهائل من الأرباح المتولدة من أموال ملايين الناس بيد حفنة من أصحاب التجارة فقط، وأن يعطى المودِعون الذين تم كسب هذه الأرباح بسبب أموالهم مقداراً قليلا من الربا، والذي لا يساوي في كثير من الأحيان معدّل التضخم أيضاً، ثم يسترجعونه بشكل الزيادة في الأسعار.
وهذا من جملة الأسباب الأساسية التي جعلت نظام توزيع المال والثروة غير عادل وغير متكافئ، بل إنه يقف ضد مصالح عامة الناس، وقد أصبح هذا الجانب من الفائدة (الربا) هدفاً منتقداً لدى العديد من الاقتصاديين المعاصرين ببالغ الاهتمام والعناية وعلى سبيل المثال قد ناقش جيمس روبر تسون (James Robertson) هذا الموضوع فيما يلي:
“إن انتشار الرّبا (الفائدة) فى النظام الاقتصادي ينتج انتقال الثروة من الفقراء إلى الأغنياء بصفة منظمة، وبالتالى، فإن انتقال وسائل الثروة من الفقراء إلى الأغنياء أصبح واضحا بصفة مدهشة فى أزمة الديون فى العالم الثالث، ولكنّه أصبح مظهرا عالميّا. وسببه الأوّل أنّ الّذين يملكون مالا أكثر مهيأ للإقراض، يكسبون فوائد أكثر ممن يملكون القليل. وسببه الثاني أن تكلفة الرّبا يشكّل عنصرا مهمّا فى تكلفة البضائع والخدمات الضروريّة، وعندما ننظر إلى نظام النقد (Money System) بهذه الطريقة، ونتفكر كيف يكون إصلاحه من جديد حتى يقوم بمهامه بشكل عادل وكفاءة كجزء لاقتصاد حيوي ومحفوظ فيبدوا أن الدلائل المطروحة في حق النظام المالي الخالي عن الربا والتضخم(Inflation) للقرن الحادي والعشرين لقوية جداً” ( )
وليس الأمر مقصوراً على أن بعض الاقتصاديّين انتقدوا الرّبا، وما يستند إليه من النظام المالي، بل اقترح بعضهم بدائل مختلفة للنظام الرّبويّ، وقد تمت لها تجارب وتطبيقات ولو في نطاق ضيّق، وحاولوا أن تتكرر على مستوى الدولة، وفي الأخير قد عارضتها المؤسسات المصرفية، وقامت في طريقها، وقد ذكرت مارجرت كنيدي (Margrit Kennedy) تفاصيل لمثل هذه التجارب في كتابها (Interest and inflation free Money) حيث قالت عند ذكر نموذج تجربة نظام خال عن الربا (الفائدة)، قام به بعض الناس في بلدة صغيرة نمساوية (Austrian) مابين عام 1932-33
“عندما قام أكثر من ثلاث مئة شخص من المجتمعات المحلية في نمسا (Austria) بتحقيق هذا النموذج (النظام المصرفي الخالي عن الربا) وبدؤا يهتمون به فرأى المصرف الوطني النمساوي (Austrian National Bank) أن احتكاره يتعرض للخطر، ولذا فإنه بدأ يتدخل في شؤون المجلس البلدي (Town council)”.( )
ذكرت بعد ذلك قصة ما اقترحه بعض الاقتصاديين عام 1933م من نظام بديل ليحلّ محل الفائدة (الربا) في بعض أماكن الولايات المتحدة الأمريكية، ثم ذكرت كيفية رفض هذا النظام من قبل السُلْطات المختصة. والذي يتبين بوضوح من هذه البدائل دون الخوض في مزاياها هو أنه قد قام بعض الناس بعدة محاولات للتخلص من الفائدة (الربا) والنقود المستندة إليها، ولكن لعله لم يلتفت إليها، ولم يعطف عليها أهل السُّلطة.
وفي الحقيقة إن الطريق العادلة للاستفادة من وفورات الناس، هي اعتراف مشاركتهم في المؤسسات التجارية من خلال منحهم حصة متناسبة في الأرباح الناتجة عن نشاطاتها التجارية، ومن الطبيعي في هذه الصورة أنه إذا تحملت مؤسسة تجارية خسارة فهم يشاركونها في الخسائر أيضاً. وربما قد يجر هذا الجانب بعض المشاكل العملية في اجتذاب الودائع، وترغيب أهل الثروة إليه، ولكن يمكن تقليل احتمالات الخسارة والتراجع بتنويع التجارة، وتراتيب تنظيميّة قوّية التدابير.
وأما إذا كان هناك مصرف أو مؤسسة مالية تعتمد على هذه الإستراتيجية وحدها في حين أن جميع المؤسسات المالية الأخرى (غيرها) تستند إلى أساس معدّل الفائدة المعيّنة فإنه في الواقع تشكل صعوبات شديدة لتلك المؤسسة الوحيدة التي تقوم بالتمويل على أساس الشركة، وذلك لأن المؤسسات التجارية التي تتوفر لديها فرص للاقتراض على أساس مبلغ ضئيل للفائدة، هي لن ترضى بالتنازل عن أي نسبة من الأرباح في حق أصحاب الودائع، والمموّلين. ومن ناحية أخرى، تسرع المؤسسات التي تقلّ فيها إمكانات الربح إلى فكرة المشاركة، ولكن إذا كان نظام التمويل قائماً بأكمله على مفهوم المشاركة، ولم يكن هناك خيار للاقتراض الربوي فلا يبقى لدى رجال الأعمال والمنتجين سبيل إلا منح المموّلين، وأصحاب الودائع حصة أرباحهم العادلة على أساس مشاركتهم في التجارة والتمويل. وهذا النظام من ناحية يؤدي إلى توزيع الثروة بطريق عادل، وواسع، ومن ناحية أخرى فإنه يقلّل عبء التسديد المالي على المؤسسات المالية في أوقات الأزمة والخسائر والاندثار.
ومعنى ذلك أنه ينبغي أن يغيّر نظام التمويل الحالي الذي يستند كلياً إلى الديون إلى نظام يقوم على المشاركة من حيث أساليب التمويل الرئيسية.
ولا شك أن عملية التغيير هذه يواجهها العديد من المشاكل العملية التي ينبغي حلها، ولكن لو قبلت هذه الفكرة مبدئيا على أنها أصبحت ضرورية للإصلاح، فحينئذ تقدِر الاستعدادات الفكرية التي ابتكرتْ وأنشأت علم الهندسة المالية (Financial Engineering) في غاية من الدقة والتعقد على حل هذه القضايا والمشاكل.
وليس معنى هذا النظام المقترح للمشاركة أنه لا يبقى هناك دور لمعاملات الاستقراض والدين أصلاً، بل معنى ذلك أن الديون (Debts) لا تبقى كمصدر رئيسي لاقتصادنا كما هي اليوم، ولكنه لا يزال يبقى الاحتياج إليها في تلبية احتياجات الحاجات الاستهلاكية، مثل المصروفات المنزلية، ووسائل النقل، وكذلك يبقى الاحتياج إليها في تلبية الاحتياجات التجارية في نطاقٍ ضيّقٍ، ومع ذلك تكون جميع هذه الديون مدعومة بالأصول الحقيقية، ولا يبقى هناك مجال لتوسيع النقد المبني على الديون الذي لا يكون له علاقة بالأصول الحقيقية أو السلع التي يقوم عليها الاقتصاد الفعلي.
وبعبارةٍ أخرى، لا يبقى في هذا النظام المقترح أي مجال للحصول على القروض الربوية، وستقتصر الإئتمانات على المبيعات على أساس الدفع المؤجل أو على الإيجارات على أساس الانتفاع الفعلي.
وهذا سيقضي على عدم التوافق الخطير بين النقود والاقتصاد الحقيقي الذي حوّل الاقتصاد بأكمله إلى فقاعة لاتزال تنفجر من حين إلى آخر، ويجلب المزيد من الآثار الهدّامة على مستوى الاقتصاد الكلي التي لا تقل عن انفجار قنبلة.
التخمين(Speculation)
النقطة الرابعة التي أود أن أسلط الضوء عليها هي التخمين، و قد كتب حول هذا الموضوع كثيرون فقال البعض: إنه اسم سيئ لفعل جيد بينما يقول آخرون: إنه اسم جيد لفعل سيئ، كلما تهز السوق هزة عنيفة يقع اللوم على التخمين في كثير من الأحيان فيثار الاحتجاج ضد شروره فيلام القائمون به(Speculator) لتعكير التدفق الاقتصادى السلس، مع هذا كله فإن عمليات التخمين لاتزال في ازدياد وتكاثر في السوق بقوة كاملة، ويقال إن الحاجة إليها ملحة و قوية لا يمكن تجنبها ، والسبب في ذلك أنه إلى حد الساعة لم يُفصل الأمر فى أن التخمين هل هو قبيح بنفسه أم هناك شيئ آخر جعله سيئاً و قبيحاً ؟ و لذا لابد أن نأخذه من هذه الناحية بالدراسة والتحليل.
إن معنى التخمين وفق قاموس أكسفورد “هو اسم لتشكيل الآراء حول ما حدث أو ما يمكن أن يحدث دون معرفة جميع الحقائق”. و أما تعريفه في الاصطلاح الاقتصادي فإنه اسم لمحاولة الاستفادة من تغييرات سعر السوق، وبالتالي يترك النفع الحالي لأجل احتمال الحصول على إضافة في رأس المال(Capital Gain)، من الواضح فإنه لا يمكن لأحد أن يدّعي أنه على معرفة تامة عمّا سيحدث في المستقبل، وغاية ما يمكن لأحد أن يقوم به في هذا الصدد هو الظن والتقدير بواسطة استخدام أفضل الأساليب الممكنة من الحساب. وبهذا الاعتبار يتضمن جميع الاستثمارات والمشاريع التجارية عنصر التخمين، فكيف يصح القول بأن التخمين سيّئٌ فى جميع صوره؟ ولكننا نلاحظ أنه حينما يترك التخمين ليلعب فى السّوق دوره بدون قيد، فإنّ آثاره السّيئة ربّما تكون أكثر تدميرا بالنسبة إلى آثار القمار. وحينئذ يرفع الناس أصواتهم قائلين: إنه لا يمكن الحفاظ على ثروة المجتمع إلا بأن يُحبس هذا الوحش فى قفص.” فالسؤال هنا: كيف يُرسم خطّ فارق بين التخمين التجاري الحسن، وبين التخمين الّذى يشبه القمار؟
الواقع أنه إذا انحصر استخدام التخمين و التقدير في المعاملات التجارية الحقيقية فإن ذلك من شأنه ألا يسبّب أية مشكلة للمجتمع، و عندما تكلم آدم سميث (Adam Smith) عن التخمين لم يُرد به سوى ما يكون في أنشطة تجارية حقيقية حتى إنه لما عرّف ممارس التخمين (Speculator) قال: إنه تاجر:
“لايختار تجارة واحدة عاديّة فى شيئ معين، بل إنه تاجر للذُرة فى هذا العام وتاجر للشاي في العام المقبل، وإنه يدخل في كل تجارة يتوقع فيها ربحا أكثر بالنسبة لغيرها، و يتخلى عنها بمجرد أن يرى أرباحها تتساوى مع معاملات أخرى “
إن تاجرا ممارسا للتخمين من هذا النوع لا يسبّب خطرا للنظام الاقتصاديّ، حتى أن الإسلام لا يمنع من مثل هذا النشاط، بشرط أن لا يؤدِّي إلى احتكار ممنوع، ولا يخالف أحكام التجارة الأخرى. وغاية ما فيه أن مثل هذا التاجر يمكن أن يحدث ضررا لنفسه إذا اتخذ قرارا خاطئا. وبالعكس من ذلك، فإنّ نشاطات الممارسين للتخمين فى الأسواق الماليّة اليوم قد سبّبت أخطارا فادحة للنظام الاقتصاديّ برمّته. والسبب فى ذلك أنّهم لا يدخلون فى تعاملات تجاريّة حقيقية، والحق أن معظم تعاملاتهم لا يمكن إدراجها فى تعريف “التجارة الحقيقيّة”- ولإيضاح هذه النقطة يجب أن نعرف معنى “التجارة الحقيقية”.

المكونات الضرورية للتجارة (Necessary Ingredients of Trade)
يعرف كل انسان أن التجارة اسم لنشاط يوجب نقل ملكية شئ من شخص إلى شخص آخر عن تراض بمقابل، إن هذا المفهوم ذاته يفترض أنه لابد أن يملك البائع الشئ الذي ينقل ملكيته إلى الطرف الآخر عند إمضاء المعاملات التجارية، و النتيجة المنطقية لهذا المفهوم هو أن المرء لايستطيع أن يبيع ما لايملكه، و ليس هذا من جملة المطالب العقلية لصالح البيع فقط، بل إنه أمر ديني و حكم شرعي في التشريع الإسلامي أيضاً، و يبتني ذلك على قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
” لا تبع ما ليس عندك “
و ليس هذا فحسب بل زاد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قائلاً :
” من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه”.
و قد قرّر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الصدد قاعدة واسعة النطاق والتطبيق وهي أنّه لا يجوز للإنسان أن يربح ببيع شيئ لا ىضمنه عند الهلاك. وبما أنّ ضمان المبيع لا ينتقل إلى المشترى ما لم يقبضه المشترى حقيقةً أو حكما، ولذا لايجوز له أن يبيعه للطرف الثالث إلا إذا تم قبضه عليه حقيقة أو معنى، ويمكن القبض المعنوي بأن يقبض عليه بواسطة وكيل له أو بواسطة وثيقة تمنحه حقّ التصرف في المبيع مطلقاً.
بيع ما لا يملكه الإنسان(Short Sales):
ولكن تتم في هذه الأيام معظم البيوع فى سوق التخمين بدون أن تتحقق فيها ملكية البائع، فالبيوع بدون الملك(Short Sales) هي رائجة في أسواق التخمين، و هي من جملة الأسباب التي تجعل هذه المعاملات خارجة عن دائرة التجارة الحقيقية.
وأما الجانب الثاني للتجارة الحقيقية، فهو أن المشتري في التجارة الحقيقية يريد القبض على المبيع، وأن يتم تسليمه إليه سواء لاستخدام لنفسه أو لغرض التجارة، ولكن الممارسين فى سوق التخمين لايشترون الأشياء في معظم معاملاتهم لتسلمها وللقبض عليها بل إنهم يهتمون برفع الأسعار و خفضها في السوق فقط، و بعد إجراء عدة من المعاملات واحدة تلو الأخرى فإنهم في الأخير يقومون بدفع أو تلقي الفارق في الأسعار فقط، و ذلك يحوّل النظام بأسره أقرب إلى المقامرة (Gambling)دون التجارة الحقيقية. وقد ذكر عن السيد أرنست كاسيل (Ernest Cassell Sir) وهو مصرفيّ شهير، أنه قال لأدوارد السابع(Edward VII):
“عندما كنت شاباً كان الناس يقولون فيّ إنّى مُقامر (gambler)، وعندما زاد حجم عملياتي التجارية، فأصبحت معروفاً بعامل التخمين (speculator)، والآن يسمّونني بالمصرفي (banker)، ولكن في الحقيقة أنني كنتُ أعمل نفس الشئ في الأوقات كلها “.
و هذا هو الجانب الذي تنشأ منه المشاكل في التخمين ، من المعلوم أن التجارة والقمار شيئان مختلفان تماماً، وتختلف مقاصدهما أيضاً، و عندما تلتبس التجارة بالقمار أو ما يشبه بالقمار فيصبح النظام بأكمله خليطاً(Hotchpotch)، ولايمكن له أن يعمل بطريقة سلسلة أبداً، وإذا جعلنا التخمين منفصلا عن بيع ما لايملكه الإنسان (Short Sales) والمعاملات الوهمية الصناعية (Fictitious transactions) التي لاتنتهي و لا تتم إلا بتسوية فوارق السعر فقط، فإنّه لا يسبّب أية أزمة ماليّة.
بيع الديون (Sale of Debts):
بما أن المقصود من البيع الحقيقي هو نقل ملكية المبيع إلى المشتري، فمن منطق العقد أن يكون للبائع السيطرة الكاملة على المبيع حتى يقدر على تسليمه إلى المشتري، و إذا كان أمر تسليم المبيع للمشتري مشكوكا فيه على الرغم من أن المبيع مملوكٌ له، فسيكون هذا نوعاً من الخداع مع المشتري. هب أن “الف” يملك هاتفاً محمولاً و لكنه فقده في مكان مّا، فلايجوز له أن يبيعه إلى”ب” مع أنه يأمل كل الأمل في العثور عليه، و لايصح مثل هذا البيع إلا إذا قبل البائع أنّ “ب” (المشتري) سوف يستردّ منه ثمنه في حال عدم العثور عليه في الوقت المعين. ونفس المبدأ ينطبق على الديون الواجبة التي أقرضها “الف” إلى غيره، لأنه ليس من المؤكد تماماً أن المديون سوف يدفع الديون إلى الدائن، و لا يمكن لنا أن نستبعد احتمال عدم إيفاء الديون، و لذا ينبغي أن لايسمح لــ”ألف” بيع هذه الديون إلى “ب” لأنه يعني نقل خطر التخلف عن السداد إلى “ب” (المشتري)، فإن لم يسدّد المديون دينه فيخسر “ب” (المشتري) جميع تلك الأموال التي دفعها إلى “الف”(البائع ) و هو من جملة الأسباب التي تمنع بيع الديون في الفقه الإسلامي.
وأما السبب الثاني لامتناع بيع الديون أنها عادة تباع بسعر منخفض و لذلك يدخل عنصر الربا في هذه المعاملات.و قد سبق لنا أن ذكرنا حرمة الربا.
ويمكن لأحد أن يقول: إذا كان المشتري للدیون یتحمل بنفسه مخاطر التخلف عن السداد من جانب الدائنین، ولأجله حسم الدين بأقل، و قد تمّ تنفیذ هذه الصفقة مع الإرادة الحرّة من كلا الطرفین، فینبغی أن یكون مسموحاً به، فما وجه عدم الجواز إذاً؟ والجواب عنه: أنه لا یكفي التراضي من الجانبین لجواز معاملة ما، ولا یكون ذلك مبرراً لها. وأبسط دلیل على ذلك أن الرشوة تتم فی كثیر من الحالات بالتراضي من الجانبین، و مع ذلك لا یمكن القول بجوازها على أساس أنها تمت بالتراضي والإرادة الحرة.
ولذلك قد فرض التشریع الإسلامي هذا المبدأ بكل قوة .
أولاً: یضمن التشریع الإسلامي جمیع المصالح والحقوق لكلا الطرفین حتّى لایجیز الصفقة التی تحتوي على عنصر من الظلم لأحد المتعاقدین، ولو رضى أحدهما بذلك.
ثانياً: إذا جلب اتّفاقٌ ما ضرراً عاماً لمصالح المجتمع، فلا قیمة للتراضي من الجانبين على الإطلاق كما فی حالة الربا والرشوة، وقد شهدنا فی الأزمة المالیة الحالیة أن بیع قروض الرهن العقاري (Sub-prime loans) كان واحدا من الأسباب الأساسیة للمشكلة الذی جلب آثارا هدّامة للمجتمع، ولذا فإنّ مثل هذه المعاملات لا یمكن القول بجوازها وتبریرها على أساس التراضي من الجانبین وحده.
الشفافية (Transparency) :
إن الشفافية من أهم متطلبات التجارة السلسلة، و أكّدت علیها جمیع النظم القانونیّة العادلة، غیر أن الفقه الإسلامی كان أكثر حرصاً في تأكيده، وأشد اهتماماً بتكریس و تفعیل هذه المكرُمة الأخلاقیة فی باب المعاملات، ویجب أن تكون لدى الطرفین معرفة تامة بما يتعاملون به فیجب على المشتری أن یكون على علم و معرفة بما یشتریه، وعلى البائع أن یعرف الثمن الذی سیأخذه، و متى يحق له المطالبة به، فإن كان المبيع مُعلّباً فى علبة لا تُعرف محتویاته لدى المشتري، فلا يجوز بيعه وإن كان المشتري مستعدا لشرائه على نفس الحالة، و تسمى مثل هذه المعاملات التی یكتنفها الغموض من حیث المحتویات والمعلومات اللازمة باسم الغرر في الفقه الإسلامي، و قد أعلن النبي صلى الله علیه وسلم بحرمتها في أحاديث و خطابات واضحة، وعلاوة على ذلك فإن مبدأ “الحذر يا مشترى” (Caveat emptor) لیس مُعَمّماً فی الفقه الإسلامي كتعمیمه في بعض النظم القانونیة الأخرى. فإذا كانت السلعة معیبة یجب على البائع الكشف عنها للمشتري قال النبی صلی الله علیه وسلم :
“من باع عيباً لم يبيّنه لم يزل في مقت الله “
إنّ العدید من المعاملات الجارية الیوم في الأسواق المالیة لا تتصف بوصف الشفافیة بمعنى أنها معقدة للغایة حتى لا یفهمها العدید من القائمین علیها من ذوی الصلة، بل إنّ بعضاً منها لایفهمها علماء الاقتصاد و الخبراء المالیون أیضاً، فضلاً عن عامة الناس. قد وصل عدد التعقید المحیّر للعدید من المنتجات المالیة إلى حد أن الخبیر الاقتصادی المعروف فی عصرنا والمشارك فی الأسواق المالیة جورج سوروس(George Soros) اعترف بأنه لا یفهم حقیقة بعض المشتقات، و قد كتب ریتشارد طومسون (Richard Thomson) في كتابه حول المشتقات:
“إن جورج سوروس(George Soros) المعروف بأنه كسر البنك البريطاني (Bank of England) عام 1992 قد لخص مشاكل المشتقات المعقدة بعد أن هدأ غبار كارثة أمنیة الرهن العقاري في شهادته أمام اللجنة المصرفیة البرلمانیة عام 1994 بقوله: هناك الكثیر من المشتقات المعقدة (Complex Derivatives)، وقد وصل تعقید بعضها و مخاطرها التی تنطوی علیها إلى حد لا یفهمها المستثمرون الكبار ، وأنا أتصور نفسي واحدا منهم، و على ما یبدو أن بعضاً من هذه الصكوك قد أنشئت بطریقة یتمكن بها المستثمرون على مستوى المؤسسات من فتح باب المقامرة (Gambles) التی لم تكن مسموحاً بها بشكل عام “.
و أردف المصنف نفسه قائلاً:
“مما لا شك فیه من جانب واحد أن الكثیر من المستثمرین قد واجهوا المخاطر بطریقة حمقاء لأجل الجشع ، فإن من المحقق الثابت فى جانب آخر أنهم لا یقدرون فی غالب الأحوال على معرفة هذه المخاطر لكثرة المعاملات المالیة الجدیدة وإزديادها في السوق… وقد بدا لكثیر من المستثمرین فی كثیر من الأحیان أنهم والبنك یتكلمون بلغات مختلفة، ولا یفهم كل واحد منهما الآخر، و علیه فقد زادت بعض المؤسسات في تعمیق الهُوَّة و توسیع الشقّة والبعد بین البنك والزبائن أكثر من مجمع المصرفیین الذي أصبح إنشاء المشتقات قسماً مستقلاً للفن لديه. وبذلك أخذ مبدأ “الحذر يا مشترى” اتجاهاً جدیداً من حیث المعنى “.
هذا هو مستوى الشفافیة في المعاملات المالیة التی تجري كل یوم في هواء!!! وكانت الأسواق تعمل خلال العقد الماضی بطریقة مشوشة و خطیرة حيث ظهرت كتب كثیرة من قبل مختلف طبقات خبراء الاقتصاد والتمویل، وكانت تنبه بأن نظام السوق سیواجهه إنهیار عظیم ، و في خِضَمِّ الظروف الحالیة لنظام السوق لم تكن هناك حاجة إلى خبرة خاصة و مهارة تامة فی الاقتصاد لمعرفة أن الأزمة تقرع الأبواب حتى إن شخصاً عادیاً مثلي قد تمكن من تقدیم هذه الملاحظة الآتیة عقب قرار قضائي كنتُ قد اتخذته في المحكمة العلیا بباكستان، و هي كما یلی:
“تحول الاقتصاد في العالم بأكمله إلى ما یشبه بالونا ینفخ فیه یوما فیوما بهواء الدیون والمعاملات المالية الخارجة عن سیاق الواقعیة، والبعیدة كل البعد عن الاقتصاد الحقیقی شكلاً ومضموناً. وأصبح هذا البالون الكبیر لا یتحمل أیّ صدمة من صدمات السوق، و انفجاره محتمل فى أي وقت”.
ولكن شدة تسارع عملية النمو الظاهر يعني التقدم الصناعي و باعث حرص ازدياد المال بالمال في ذلك الوقت جعل لاعبي هذا الميدان لايلتفتون إلى صُفّارة الإنذارات فضلاً عن التفكير الحقيقي الجاد في تغيير النظام. ثم بعد مضي عشر سنين وقع مالم يكن في الحسبان، وانفجر هذا البالون، وانهدم جرّاء ذلك صَرْحُ الأدوات المالية (Financial Instruments) الشامخ مع القضاء على ما يقرب 45% في المئة من الثروة العالمية خلال عام و نصف، وقد أصبح العالم الآن بأكمله متقوقعاً في ظل الأزمة الرهيبة التي لا تُعْلَمُ لها نهاية.
كیف ظهرت الأزمة الحالیة (How the Present Crisis emerged)
واسمحوا لي الآن أن نستعرض كیف ظهرت الأزمة المالية الحالیة حتى نعرف أسبابها الأساسیة فی ضوء المبادئ المذكورة آنفًا، ولقد كانت هناك طَفْرَةٌ فى الائتمان المنزلي (Household Credit) في الولایات المتحدة في أوائل عام 2007ء، تتسابق المؤسسات المالية تجاه تقدیم القروض للبیوت على مُعدّلات الفائدة التنافسیة، وفي هذه البیئة للمسابقة كانت تهمل الشروط الضروریة لتقییم الائتمان أو یُصرف النظر عنها. وهكذا قد ظهرت في حیّز الوجود قروض ضعيفة للرهن العقاري (Sub Prime Loans)، ثم باعت المؤسسات المالية هذه القروض لأجل إعادة تمویلها لوكالات الوساطة (Factoring agencies)، ثم جعلت لها وكالات الوساطة أوراقاً مالیة، وباعتها لعامة الناس لكسب أموالهم بهذه الطریقة، وقد اخترعت تقنیة ریاضیة (Mathematical Technique) لجمع القروض المحفوفة بالمخاطر، وسمیت بالتزامات الدیون المضمونة (Collateralized debt obligations) أو(C.D.Os)، بدعوى أن جمع التزامات الدیون وفق تقنیة ریاضیة ساحرة (Mathematical Magic) تقضي على المخاطر إلى حد كبیر، كما تمّ اتخاذ إجراءات لاطمئنان وكالات التقييم(Rating Agencies) عن المشروع السحري المذكور، ولحصول تقييم AAA منها بدفع ثلاثة أضعاف الرسوم العادية. ثم تم تحويل هذه القروض المضمونة(Securitized Debts)في شكل التزامات الديون المضمونة(C.D.Os)إلى أوراق مالية صغیرة، و تم بيعها في جمیع العالم. ودفع اختراع هذه المنهجية الجدیدة من التزامات الدیون المضمونة وال استریت (Wall Street) إلى إنشاء التزامات الدیون المضمونة الأخرى الجدیدة من سندات المؤسسات التجارية منخفضة الرتبة (Low rated corporate bonds ) و دیون الأسواق الناشئة (Emerging markets debts) جنبًا إلى قروض الرهن العقاري الثانوي(sub-prime mortgage loans)، ثم لما استنفدت الدیون المتاحة لإنشاء التزامات الدیون المضمونة من جدید، فجاء دور المشتقات بشكل مقایضة العجز عن سداد الائتمان (Credit default swap)، و وصل نمو سوق مقايضة العجز عن سداد الائتمان إلی 60 تریلیون دولارٍ سنة 2008، و فی ذلك الوقت كان یصل إجماليّ الناتج المحلي في العالم إلى 60 تریلیون دولارٍ، و فی نفس الوقت ارتفع مُقَدَّرُ سوق المشتقات (أي الخیارات، وعقود المستقبليات والمقایضات وغيرها) الذي كان فی منتصف عام 1990 ء 55تریلیون دولارٍ إلی عدد يصعب تصديقه، وهو 600 تریلیون دولارٍ ، وبما أن هذه المشتقات كانت غیر منتظمة تحت أي رقابة، فإنه لم یكن أحد من حاملي سنداتها على علم بماذا وراء كل منها من الأصول ؟.
وإضافة إلى ذلك عندما انخفضت و تراجعت أسعار المنازل في هذه الظروف، وأصبح مداینوا القروض للبیوت عاجزین عن السداد، و لم یكن حبس الرهن(Foreclosures) كافیًا لاسترداد المستحقات. یعنی لم تكن قيمة البیوت تكفی لسداد القروض. وفی ذلك الوقت اعتقد الناس أن الأموال على أساس الدیون غیرمحفوظة. وقد بدأ تنشأ فی ذلك الوقت حالة الخوف والذُّعْرِ، وقد انهار بناء السندات المالية الشامخ على أساس الدیون على الأرض. ولمّا أنشب الخوف والذّعر أظفاره فی جمیع الجهات، و تم فرض الحظر على الإقراض الجدید بناءً على الاحتیاط، واجهت الشركات المستندة إلى الدیون الخسائر والتراجع، وكذا تراجعت أسعار الأسهم إلى الانخفاض الحاد. وقد واجه الذین وضعوا ملايین من الدولارات فی سوق الأسهم والمشتقات على أساس التخمين خسارة مالية هائلة. و فی الأخیر أصبح جمیع النظام الاقتصادی فريسة للأزمة التی قضت على ما یقرب %55 في المئة من ثروة العالم .
الأسباب والعلاج(Causes and Remedies)
إذا قمنا باستعراض وتحلیل الأسباب الجذرية لهذه الأزمة فی ضوء ما سبق لنا أن ذكرناه من المناقشة فإنه يتبين أن هناك أربعة عوامل أساسیة لهذه الأزمة:
1- تحویل النقد من وظیفته الأساسية أعني كونه آلة للتبادل(وسيط للمبادلة (Medium of exchange) إلى استخدامه كسلعة تجارية مطلقاً دون قیود أو حدود، وهذا هو العامل الحقیقيّ الذي تسبب في إنشاء الجشع لازدیاد كسب النقد بالنقد، و جعل الاقتصاد بأكمله في بالون الدیون المُنَضَّدةِ.
هذا، فالحل الأمثل لتجنیب العالم بأسره الوقوع في هذه النتائج المروّعة والخطیرة هو فرض الحظر التامّ على تجارة النقد فی حد ذاته، و عدم اعتباره سلعة تجاریة، لاشكّ أن تبادل عملات الدول المختلفة أصبحت حاجة لازمة ولا شكّ أن هذه الحاجة لا تتحقق إلا بأن يتم بیع عملة بعملة أخرى مع شمول عنصر الربح فی القیمة المتبادلة. هذه حاجة حقيقية فى الظروف الراهنة، ولكن ما دامت عملیة تبادل العملات تتم بشكل إیجابی لتلبیة احتیاجات التجارة الدولیة الحقیقیة، فإنها لن تكون سبباً فی نشوء أي مشكلة. و إنما تنشأ المشاكل عندما يكون الهدف التجارة فى النقود نفسها على أساس التخمين.
ومن المؤسف جدّاً أن غالبية عملیات تبادل العملات فی السوق تتم على أساس التخمین المحض فقط. لقد كان حجم التجارة الدولیة العالمیة فی عام 2008 حوالی 32 تریلیون دولارٍ أمریكي ، ویكون باعتبار المعدّل الیومی 88 ملیار دولار كل يوم، فی حین أن حجم التدوال الیومي لسوق العملات العالمی كان يقدّر بـ 3.98تریلیون دولار أمریكي ، و معنى ذلك أنه یزید على حجم التجارة الدولیة بخمس و أربعین مرة، و ذلك یعنی أن الحكومات فی إدارة شؤونها ومعاملاتها، والتجار فی صادراتهم و وارداتهم كانوا یحتاجون إلى نسبة %2 من معاملات تبادل العملات فقط، وبینما النسبة %98 المتبقية من التعامل فى العملات لم تكن لها أية حقیقة إلا التخمین فی أسعار النقود فقط. ومن الواضح أن هذا الاستخدام الصناعی للعملات هو السبب الرئیسی لارتفاع أسعارها مرة وانخفاضها مرة أخرى، وبه توقفت وظیفة النقد الأساسیة بأن یكون “مخزناً للقیمة(Store of Value)”.
وعلاوة على ذلك، فإن واحداً من المتطلبات الأساسیة لتقیید النقد بوظیفته الأساسیة هو وجوب إلغاء الفائدة الربویة من أنشطة التمویل(Financing)، ویمكن ذلك عندما یكون التفكیر بجدیة لإعادة تشكیل نظامنا المالی على أساس المشاركة العادلة فی الأنشطة النتاجیة، و تقلیل المعاملات المستندة إلى الدیون، و یجب أن تكون وراء جمیع الدیون أموال حقیقة یعني ینبغی أن یكون إنشاؤها بواسطة المعاملات الحقیقیة التجاریة من بیع أو تأجیر أو غیر ذلك.
2- إن المشتقات(Dervatives) من إحدى الأسباب الأساسیة للمشاكل المالیة الحالیة، و یقول فرانك بارتونی (Frank Partony) التاجر السابق للمشتقات: إنها هی السبب الرئيسي للأزمة، و إلیكم ملاحظته بنصه وفصه:
“و هناك أسباب عدیدة للذعر والتحطم، و لكن إذا كنت تبحث عن كلمة واحدة لاستخدامها أن تكون مورد الاتهام للأزمة المالیة فلا یبقى هناك خیار غیر “المشتقات” “.
و یجب للقضاء على هذا الشر أن تكون المشتقات ممنوعة كلیة.
3- قد سبق منا أن بيع الديون كان واحداً من أهم الأسباب الرئیسية لهذه الأزمة المالية، وقد أسلفنا الكلام بالتفصیل عن سرّ امتناع بيع الديون. إن تعبئة كمیة كبیرة من الدیون فی مجموعة التزامات الدیون المضمونة (C.D.Os) الّذى كان هو السبب الأول للأزمة الراهنة، وما كان یمكن لهذه الأزمة أن تنشأ لو كان بیع الدیون غیر مسموح به.
4- إن بيع ما لا يملك الإنسان الّذى يسمّى “المبیعات القصیرة” (Short Sales) فی الأسهم والسلع والعملات هی من جملة الأسباب الأساسیة التی جعلت التخمین عقبة خطيرة لحسن سیر الأنشطة التجاریة الحقیقیة.
إن السُلْطَات التنظیمیة (Regulatory Authorities) التی تراقب الأنشطة التجاریة قد لجأت إلى فرض حظر موقت على بيع ما لايملكه البائع بعد تحقیق آثارها و نتائجها السیئة. و في ستمبر لعام 2008 قد ثبت أن مثل هذه البيوع هی التی تساهم في إنشاء المشاكل للسوق. وعليه، ففي ذلك الوقت قد فرضت لجنة الأوراق المالیة والبورصة فی أمریكا (The U.S Securities and exchange Commission[SEC]) الحظر على 779 شركات مالیة لمدة ثلاثة أسابیع محاولة لتحقیق الاستقرار فی تلك الشركات، و فی نفس الوقت قد فرضت هیئة الرقابة المالیة لإنجلترا (U.K Financial Services Authority[F.S.A]) الحظر على بيع غير المملوك لـ32 شركة، و كذا قامت أسترالیا فی 22 ستمبر بتدابیر وإجراءات حاسمة فی هذا المجال، حتى فرضت حظرا كاملا على مثل هذه البيوع، و فی نفس 22 ستمبر طلبت الهیئة المشرفة على السوق الإسبانیّة (The Spainish Market Regulator[CNMV]) من المستثمرین أن یُعلموها عن المبیعات القصیرة التی تم بیعها فی المؤسسات المالیة إذا كانت تتجاوز علی %0.25 من رأس مال الشركة، وكذا تم تحدید ما يسمّى “المبیعات القصيرة العارية” (Naked Shorting) ، ولكن كانت هذه التدابیر كلها موقة، و قد أذنت بعض هیئات رقابة الأسواق بالمبیعات القصیرة بعد ممارسة امتناعها لفترة بدعوى أن الحظر لم یكن فی مصلحة السوق.
إن القول بأن الحظر على المبيعات القصيرة لم يكن في صالح السوق يبتني على أن كامل وجهة النظر لمصالح السوق مبنية على أساس الافتراضات التقلیدیة التي تمنح أهمیة كبیرة للأرباح الفوریة (الحالیة) في مقابلة احتیاجات الاقتصاد المستدیم والرفاه على المستوى الكلی، و بما أننا نتفكر لإصلاح نظامنا الاقتصادي حتى یكون الاقتصاد أكثر أمنا واستدامة، وفوق كل شیئ أن یكون عادلا للبشریة جمعاء، فعند ذلك ینبغی لنا تغییر مالدینا من الفكرة واتخاذ تدابیر جریئة لإعادة تشكیل النظام الاقتصادی على القیم النبیلة والمبادئ العادلة. و أرجو أن ما سبق لنا من التحلیل فی هذا الصدد سیساعد فی تحقیق هذا الهدف.
بضع كلمات حول المؤسسات المالیة الإسلامیة:
(A Few Words about Islamic Financial Institutions)
وفی الأخیر من المناسب أن أقول بعض الكلمات حول المؤسسات المالیة الإسلامیة المتعارفة فی البلاد المختلفة منذ العقدین الماضیین، وهذه المؤسسات تدعی أن جمیع أنشطتها توافق قوانین الشریعة (یعني القانون الإسلامی). و قد حاول كثیر من الكتّاب تحلیل نظامها الجاری فی سیاق الأزمة الحالیة، وعند ما نبحث عن موضوع المؤسسات المالیة الإسلامیة والأزمة المالیة العالمیة على الإنترنیت، نجد مجموعة من المقالات یدعی أصحابها أن هذه المؤسسات لم تتأثر من الأزمة فی شیئ و في حین یدعی البعض الأخر خلاف ذلك، و بصرف النظر عن المبالغة، لا يصح أن ندعي أنها لم تتأثر على الإطلاق، و لكن یصح القول بأنها ظلّت محفوظة بشكل كبير وآمنة من الأهوال التی تواجهها المؤسسات المالیة التقلیدیة، وسببه واضح جداً، لأنها يجب عليها أن تتوافق مع أصول الشریعة الإسلامیة وضوابطها، وأن تبقى بعیدة كل البعد عن الربا والمشتقات والمبیعات القصیرة و بیع الدیون وإن أدوات دیونها تستند إلى بیع أو إجارة أجناس حقیقیة أو أشیاء أخرى مثل السلع والممتلكات، وعلیه فإن جمیع مالدیها من التمویل یستند إلى الأثاث بالأموال الحقیقیة، و لذلك لا مجال لنشوء عدم التطابق بین المعاملات المالیة والاقتصاد الحقیقی.
وإلیكم تحلیل موجز للتمويل الإسلامي من مقالة الكاتبة الصحفیة فی إدارة الأعمال (AP Business Writer) إیما فوندر (Emma Vonder) واستعرضت فيها كیف ظل التمويل الإسلامي آمناً نسبیاً، و هی تقول:
“الحسابات فی التمویل الإسلامي تصل إلى نحو 700 ملیار دولار من الأصول، و تنمو بمُعدَّل یتراوح بین 10 إلى 30 فی المئة سنویاً و فق وكالة مودیز لخدمة المستثمرین (Moodys Invester Service)، وهذا النظام يجلب التفات الحكومات التی تحرص على دعم اقتصادها المفتقر إلى النقد بأموال العالم الإسلامي، واتخذ التمویل الإسلامي الخلیج الفارسی والدول الإسلامیة من آسیا مثل اندونیسیا و مالیزیا مركزاً له، و إلی جنبه ینتشر فی شمال أفریقیا و أوربا أیضاً”.
وحول آثار الأزمة على التمویل الإسلامی عرضت تقريرها بما یلی:
“يتضح من تقرير”موديز(Moodys)” الصادر في نوفمبر أن المصارف الإسلامية كانت آمنة من الأزمة المالية إلى حد بعيد. إذ لم تعترف أية مؤسسة إسلامية أنها استثمرت في “مشروع بونزي” ذات خمسين مليار دولار.
ومن جهة ثانية، قال صالح الطيار الأمين العام للغرفة التجارية العربية الفرنسية: إن الخسائر بمبلغ 4.9 مليون دولار التي لحقت بـ “سوسيت جنرال السعودية” كانت بسب الاستثمارات التى يقول فيها إنها غير شرعية التي قام بها جيروم كيروفل(Jerome Kerviel). لم تكن لها آثار على المؤسسات الإسلامية”.
وأضاف قائلاً:
“لو كانت تستند نشاطات المصرفیة العالمیة إلى مبادىء وأصول النظام الاقتصادي الإسلامي فلا یمكن لنا أن نرى هذا النوع من الأزمة التی نعیشها الیوم”.
تعمل المؤسسات المالیة الإسلامیة بفلسفة حظر المعاملات غیر الأخلاقیة، و تشجیع زیادة العدالة الاجتماعیة من خلال تقاسم المخاطر و المكافآت (Sharing risk and reward)…..كما أن المعاملات الربوية(Interest payments) والبیوعات القصیرة(Short selling) والعقود التی تعتبر بالغة الخطورة(Contracts considered excessively risky) ممنوعة فيها. وكذا تمنع بعض المعاملات التی سببت كثیراً من المشاكل للمؤسسات المالیة الغربیة، مثل الرهون العقاریة بحالیة المخاطر، والتزامات الدیون المضمونة، ومقایضة العجز عن سداد الائتمان(Credit default swaps).
إن العلماء المسلمین الذین لدیهم معرفة تامة بالقضایا المالیة وأصولها وضوابطها الدقیقة قد أجازوا العدید من المصنوعات المالیة الموازیة لكثیر من المصنوعات المالیة غیر الإسلامیة مثل الدیون والتأمین والسندات. فالصكوك بدائل السندات، و الفرق بينهما أن في الصكوك يبيع الدائن جزءاً من الموجودات العينيّة بدلا من بيع القرض، ولذلك يجوز للمدين بدوره أن يؤجّره لطرف ثالث.
و قال نیل میلر (Neil Miller) رئیس التمویل الإسلامی في نورتون روز (Norton Rose) و مشیر الحكومة البريطانیة:
” لا تقوم المؤسسات المالیة الإسلامیة بالسلوك المصرفي الذي كان یعد حسناً قبل عشر سنوات أو أزید من ذلك، و تقول البنوك الإسلامیة بأننا نسعى فی تعزیز العلاقات مع زبائننا، وإلى جنبه لا نقوم إلا بالمعاملات الحقيقية التي نرى فيها الأصول بأنفسنا ونفهمها، و نقدر على تقييمها. وعلیه فلا بد من إلقاء النظر على الأعمال التجاریة سواء كانت تمویل سفینة وطائرة. وهذا النوع من السلوك المصرفي یمنح توجیهات فى أنه كیف تكون المعاملات المصرفیة “.
ولكن القول بأن المصارف الإسلامية لم تتأثر من العاصفة على الإطلاق فيه نوع من المبالغة، والصحيح أنها تأثرت بشكل أقلّ، و لذلك سببان:
الأوّل: من المحقّق الثابت إذا ألقت أزمة اقتصادیة قبضتها على اقتصاد ما فإنها تؤثر على جمیع قطاعات المجتمع، بصرف النظر عن كونه مسؤولا عن ذلك أو لم یكن، و لم تكن المؤسسات المالیة الإسلامیة مستثناة من هذه القاعدة الطبيعیة.
الثاني: أنها في سنّ مهدها و نموّها تعمل في جوّ یسیطر علیه النظام المالي التقلیدي، ولذا یصعب علیها العمل من حیث إنها مؤسسات إسلامية حقیقیة تستند إلى مفاهیم المشاركة فی المخاطر والمكافآت، وعلى الرغم من أنها تقوم بجمع التمويل عن المستثمرین على أساس تقاسم المخاطر والمكافآت، فإنّ معظم الأصول الموجودة في میزانیتها تشتمل على التجارة المتصلة بالدیون، مثل بیع الأشیاء على دفع مؤجل والتأجیر التمویلي، بدلا من المشاركة، فإنها غالبا تلجأ إلى اختيار أساليب غير مفضلة لكي تنافس مع المؤسسات التقليدية مستخدمة سعر الفائدة التقليدي. وعلاوة على ذلك فمن الصعب ادعاء أن جمیع هذه المؤسسات الإسلامية تقوم بالعمل بجمیع الشروط المنصوص علیها فی الشریعة في حین معاملتها بالدیون المبنیة علی الأصول.
وقد ساهم إتجاه آخر فی عدم موافقتها لجميع أحكام الشریعة، و هو أنّ بعضاً من المؤسسات المالیة الإسلامیة تسعى أن تحاكي كل منتج عارض فی السوق عن طریق الأسواق التقلیدیة حتى إن البعض منها تسعى لإيجاد بدائل للمشتقات المالية وحتى تسمّى تلك البدائل “المشتقات الإسلامیة”، ولو لم یتوقف هذا الاتجاه لفقدت هذه المؤسسات مالدیها من الأوصاف الممیزة والخصوصیات المنفردة.
وحاصل الكلام: أنه لابد لكل واحد من التمويل الإسلامي أو التقليدي أن یقوم بتغییر فكرته على أساس مبادئ محكمة لأجل مصلحة الشأن العام للبشریة جمعاء، والاحتراز من تلك الممارسات التی أوصلتنا إلى الأزمة الراهنة.
وفی الأخیر أقدّم إلیكم للتذكير تصریحات رئیس المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) مرة أخرى حیث یقول:
“قد وصلنا الیوم إلى منتهى النقطة الأخیرة التی لم یبق لنا بعدها سوى خیار واحد، وهو إما التغیر الجذری أو مواجهة انحطاط متواصل مؤداه الزوال والانهیار والمشاكل التی لا حد لها”.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العلمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، و على آله و أصحابه أجمعين، و على كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016