مقاصد الشريعة وقضايا العصر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:
فبعد الشُّكر لله سبحانه وتعالى والشّكر للقائمين بهذا المؤتمر الحاشد المفيد إن شاء الله سبحانه وتعالى، إنّما أردتُ بهذا التدخّل أن أُوضِح نكتة مهمّة جدّاً بالنسبة للمقاصد الشرعيّة الّتى هي موضوع هذه الدورة، وهو موضوع موفَّقٌ إن شاء الله تعالى، وذلك أنّ كلّ ما شرعه الله سبحانه وتعالى فى ديننا مبنيّ على مصالِحَ ومقاصِدَ، لا يشكُّ فيه أحد. فإنّ اللهَ سبحانه وتعالى لا يشرع حكماً فيه عَبَثٌ أو ضَرَرٌ لخلقه، ولكنَّ المصالح والمقاصد كلماتٌ مبهمةٌ فضفاضةٌ، فكلّ من ينظر فى قضايا الحياة بعقله المجرّد يزعم فى شيئ أنّه من المصالح والمقاصد، بينما يزعم آخَرُ أنّه ليس من المصلحة، ولا من مقاصد الحياة. فالعقل المجرّد الّذى لا يَبنِى نفسَه على الوحي الإلهيّ لا يكاد يصلُ إلى معيارٍ يُعتمد عليه عالميّا لتحديد هذه المصالح والمقاصد.
وبالتّالى، فإنّ كلَّ ما يُعتبر من المقاصد الشرعيّة ليس على إطلاقه، وإنّما له حدود وضوابط، مثل الحفظ على النّفس: لا شكّ أنّه من أهمّ مقاصدِ الشّريعة، ولكن لا يستطيع قاتلُ نفس أن يتمسّك بهذا المقصد الشرعيّ ويستغلّه لصيانة نفسه عن القصاص. وهذا هو الحال فى جميع المقاصد. فالسّؤال الأساسيّ الّذى ينبغى أن ندرسه، هو: من هو الّذى يعيّن هذه المقاصد؟ ومن هو الّذى يحُدّ الحدود الّتى تعمل هذه المقاصد فى إطارها؟ فلو فوّضنا هذا التعيين إلى العقل المجرّد، ولو كان العقل البشريّ كافيا لهذا التعيين، لما كان هناك داعٍ إلى إرسال الرّسل ولا لتنزيل الكتب السّماويّة الإلهيّة. فالحقّ الواضح أنّه لا سبيل إلى تعيين هذه المقاصد وتحديدها إلاّ بالرّجوع إلى النّصوص الشرعيّة من القرآن الكريم وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم. فلا نستطيع إذاً أن نقيم بعض المقاصد الفضفاضة أمام النّصوص الصّريحة الثابتة، سواءٌ أكانت نصوصَ كتاب الله أو نصوصًا من رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولا أن نتّخذ المقاصد والمصالح مأخذاً أساسيّاً للتّشريع، ونلوي النّصوص على أساسها. والحقّ أنّ المصالحَ والمقاصدَ إنّما تؤخذ من النّصوص، فما جعله الله ورسوله مصلحةً فهي المصلحةُ، دون ما نزعمه مصلحةً حسب آرائنا الشخصيّة. وقد اتّفق علماء مقاصد الشريعة، مثل الشاطبيّ، والغزاليّ، والشيخ وليّ الله الدهلويّ والشيخ طاهر بن عاشور رحمهم الله تعالى، كلُّهم أن الأحكام تدور على العِلَل، وليس على الحِكَم. هذه نكتةٌ كنت أريد أن أنبّه عليها، وأن يدور نقاشُنا فى هذا الموضوع على هذا الأساس.
قضيّة عقوبة الارتداد: لا أدرى لماذا نُثير هذه القضيّة فى مثل هذا الوقت. هل فرغنا من تطبيق جميع الأحكام الشرعيّة، وما بقي لدينا إلاّ عقوبة المرتدّ، حيث ندرس هذه القضيّة الآن؟ أقول: دعونا من عقوبة المرتدّ، فلنطبّق حرمة الخمر، حرمة الخنزير، حرمة الزنا؛ ولنطبّق عدل الإسلام الاجتماعيّ من وراء نظام الزكاة والصّدقات، وما إلى ذلك، ثم يمكن أن ندرس هذه القضيّة. ولكن هذه القضيّة تحتاج إلى دراسة معمّقة من قِبَل المختصّين بالفقه والقرآن والحديث فى جلسة متخصّصة، ولا نستطيع أن نحكم فى هذا الموضوع بمجرّد قولنا: إن الأحاديث الّتى جاءت هي غير صحيحة. الواقع أنّ هناك سبعة عشر حديثاً صحيحاً تدلّ على هذا. فما هو المراد من هذه الأحاديث؟ وماذا ذهب إليه الفقهاءُ فى هذا الموضوع؟ هذا موضوع يحتاج إلى جلسة اختصاصيّة من الفقهاء والمتمكّنين فى القرآن والسّنّة والفقه. وهذا أيضا نحتاج إليها حينما فرغنا من تطبيق الأحكام الشرعيّة الأخرى.
وهذا ما كنت أريد أن أقول. أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم ولسائر المسلمين.

كلمة ألقيت بديهة فى فى المؤتمر الثانى والعشرين للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف المصرية فى ربيع الأول 1431هـ -الموافق لــ فبراير 2010م- تحت عنوان: “مقاصد الشريعة وقضايا العصر”

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016