ملوك الطوائف الجدد

ما أشبه الليل بالبارحة، التاريخ شاهد أننا لم نخسر الأندلس بسبب قلة العدد والعتاد، ولكننا ضيعناها بسبب الوهن وضعف الهمم، وقبل كل شيء بسبب الخلاف، والشجار، والغدر، والخيانة القاتلة التي توارثناها من ابن سلول، فعندما كان القائد يوسف بن تاشفين يبحر البحر الأبيض لإنقاذ دولة الإسلام في الأندلس من وحوش الفنسو، كان ثمة في الأندلس من كان يبيت مع الفنسو للقضاء على يوسف بن تاشفين، ولم يجدوا أي حرج في بناء الشراكة والصداقة مع النصارى ضد المجاهدين البربر، ولم يكن ذلك إلا لخوفهم على عروشهم وقصورهم التي كانت تمتلئ بالراقصات والخمور، وأما بنو عباد فكانوا منشغلين بالشعر الرومانسي والأدب الهزلي التافه عندما كان النصارى يجربون قوة عضلاتهم وحدة سيوفهم على رقاب المسلمين في ثغور أشبيلية، فخافت على مجالسهم الأدبية من جيوش البربر ظنا منهم أنهم بدويون لا قبل لهم بالعلم والأدب، فيدمرون ما بنوا من قصور الأدب والثقافة، ولكن القدر الإلهي شاء أن يفشل مخططاتهم، فكان ليوسف نصر عظيم في ميدان الزلاقة وفي غيرها، وكتب لدولة الإسلام البقاء لثلاثة قرون أخرى.

وبعد سقوط غرناطة، في بداية القرن السادس عشر، حاول العثمانيون لاستعادة الأندلس، فجهزوا حملة بحرية ضخمة، ولكن ملوك المغرب الأقصى خافوا على عروشهم مرة أخرى، ففضلوا الأسبان النصارى على إخوانهم العثمانيين، وقدموا جزيرة بادس القريبة من الساحل الأندلسي للأسبان خشية سقوطها بيد العثمانيين، ولكن العثمانيين تمكنوا من تحريرها وتطهيرها من الأسبان، ولم تلبث إلا أن سقطت مرة أخرى بيد الأسبان بسبب خيانة المسلمين أذناب ملوك الطوائف، فباءت محاولة العثمانيين الأخيرة بالبفشل، ولم تزل الأندلس محتلة بيد النصارى إلى يومنا هذا.

وفي بداية القرن العشرين عندما بدأت القوى الصليبية تتكالب للقضاء على آخر الخلافة الإسلامية نجد أذناب الطوائف يتحركون مرة أخرى، فيوقدون شعلة التمرد ضد الخلافة العثمانية باسم الثورة الكبرى، والتي كانت في الحقيقة الخيانة الكبرى والخسارة العظمى، في حين أن الأتراك كانوا يدافعون عن مقدسات الإسلام بصدورهم العارية نجد أولئك الخونة يطعنونهم في ظهورهم، ويرتبون الأوراق مع الجاسوس الإنجليزي لورنس لاقتلاع جذور آخر دولة الخلافة، فيعرضون دمشق للتدمير الكامل، ويقدمون فلسطين لليهود والنصارى بطبق من ذهب، ويساهمون بشكل مباشر لتنفيذ خطة سايكس بيكو، ويعرضون شعوب جزيرة العرب وبلاد الشام والعراق لويلات من الإبادة والتشرد والذل، مما يقشعر الجسم من ذكر أهوال تلك الحقبة، وهم السبب الحقيقي والمباشر لضياع القدس، وكل ما حل بها، وما سيحل من الإهانة والتدمير والقتل اليومي لشعبها، يتحملون أكبر قدر من وزرها.

وكأن التاريخ يعيد نفسه اليوم، فأحفاد هؤلاء الخونة ملوك الطوائف الجدد أطلوا رؤوسهم من جديد، وهم بدل أن يظهروا شيئا من كرامتهم وشهامتهم المتبقية، وبدل أن يبذلوا شيئا ضئيلا لقومهم، يهرولون إلى عواصم غربية، ليستندوا إلى أوليائهم، ويستنجدوا بهم ضد إخوانهم للبقاء على عروشهم والاحتفاظ على دويلاتهم، يجلسون في البيت الأبيض والكرملين، ويخططون مع الأعداء لاقتلاع جذور بعض حكام المسلمين الذين يسعون جاهدين لإعادة مجد الإسلام من جديد، وتوفير الحياة الكريمة للأمة الإسلامية.

هناك هاشمي يقود دولة تسمى بالهاشمية، يجلس في الكونجرس الأمريكي مع اليهود ويتآمر ضد العثماني الجديد على خطى جده، وهناك مستعمرة عربية تفتح بابها للتغريب بمصراعيه، وتغرق شعبها في الفسق والفجور باسم التطور والتقدم والرفاهية، وتكرس كل طاقاتها من الأموال والإعلام لصد قوى الإسلام وعرقلة مسيرتهم، وثمة دويلات أخرى تعمل كل شيء للاحتفاظ على قصورها، ليس لهم أدنى هم بالدين وبمن ينتسبون إليه.

فهل ملوك الطوائف الجدد اليوم يقدمون لنا أندلسا أخرى مهزومة..؟!

رحماك يا رب...!!

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016