عش.. وعصَافير
عش.. وعصَافير

عُشٌّ.. وعصَافير


وقفتُ في شُرفة بيتنا، فإذا حرب شديدة بين مجموعتين من العصافير لبيت صغير، وهذا البيت الذي اشتعلتْ لأجله الحرب: كَرتُون بِسْكُويتٍ صغيرٌ معلَّق في الشرفة، لعلَّ طيوراً ضائعة تأوي إليه، لا لإيقاد الحرب لأجله بين الطيور.

في بداية الأمر، لم تقترب منه الطيور، ولعلَّها تظنها فخَّاً للاصطياد، والآن؟ وبعد مضيّ مدة، تتنازع للسطيرة عليه!

وكنت أشاهد هذه الحرب بقرب منها، وأحاول أن أفهم كلام تلك العصافير المتنازِعة، وأصغي إليها جيداً، فأحسستُ كأن المجموعة الكبيرة من العصافير تدَّعي أن العش عشهما؛ لأنها أوَّل من رأتْه! وهنا صاحتْ مجموعة شابّة من العصافير، وقالتْ: إنها أحق بالعش من المجموعة الكبيرة؛ لأنها طارتْ إليها أولاً، وإنْ وصلتْ متأخرة! ثم تناجتْ المجموعتان، وتحادثتْ فيما بينها، كأنها استشارتْ في أمر مهم جداً! ثم طارتْ المجموعة الكبيرة تاركة البيت للمجموعة الشابة شفقة عليها، ورحمة بها! يا لَلفرحة! ويا لَلسعادة!

وهنا بدأ العصفوران إعداد عشهما الجديد بنشاط ورغبة، وشغلَا وقتهما وأوقاتهما في تجهيز هذا البيت الجديد، فتارة تدخل هذه في البيت بالعشب الجاف، وتارة يخرج ذاك منه ليأتي بغيره، وهكذا يسير العمل الشاق من الصباح إلى المساء، لا يُرى عليهما أثر التعب ولا الملل!

وبعد أيام قليلة تحوَّل كَرْتون البسكويت إلى عش جميل بسعيهما الحثيث، وصار بيتاً تحلم به العصافير، والآن هما يغنيان معا، ويجلسان على أعشاب البيت أوعلى حديدة الشرفة معا، ويطيران في الهواء الطلِق ليجمعَا الطعام معا، وهكذا تمر الأيام الجميلة في محبة ومودة!

وفجأة لاحظتُ فيهما تغيُّرا كبيرا، فكثُر ذهابهما وإيابهما، وحين يعودان أجد أفواههما مملوءة بالطعام، فاطلعتُ على بيتهما في خفاء! فرأيت فيه العجب! ثلاثة أفراخ من العصافير الصغار! مفتوحة الأفواه في انتظار الطعام!

وكبُرتْ الأفراخ الصغيرة مع مرور الأيام، ولمَّا استطاعت الطيران شيئاً فشيئاً، بدأتْ تثب! وتلعب! فما أكثر فرحتها! وما أجمل فرحة أبويها!

وفي أيام معدودة أجادت الطيران جيداً، فطارتْ إلى الخارج، وما أجمل تلك اللحظة التي تضرب فيها الأفراخ الصغار أجنحتها في فضاء الخلاء المفتوح! وبدأت الأفراخ تطير في الصباح وترجع في المساء، وهكذا كانت عادتها كل يوم، وذات مساء لم تعدْ إلى عش أبويها! ولا أدري ماذا حلَّ بها؟ وهل هجم عليها العدو؟ وهل أضاعتْ الطريق في الخلاء الواسع؟ ولمَ لمْ ترجع إلى منزلها كعادتها كل يوم؟

ولكنْ! بعد مرور أيامٍ، رأيتُ الأفراخ الصغيرة تلعب على الأشجار القريبة وأبواها تنظر إليها بعين المودة والمحبة! فعجبتُ منها! واندهشتُ! فما السبب؟ ما الذي منعها من العودة إلى بيت أبويها؟ وكنتُ أظنُّها ترجع إلى عش الأبوين في مساء ذاك اليوم، ولكنها لم تعدْ إلى البيت الذي كان موضع ولادتها، ومنبت صِغَرها، ورفيقها في الشدة والرخاء، وملجؤها في الأمطار الغزيرة كأنه أم حنون!

امتلأ قلبي بالحزن! وتسألتُ نفسي: هل أفراخ الطيور الصغار كبنات حوَّاء؟ وهل تترك تلك أيضاً، حين تكبُر، عش الماضي الجميل كما تترك بنات حواء بيت الآباء والأمهات؟ ألا ترغب العودة إلى العش المملوء بذكريات الماضي الغابر؟

ولماذا؟ أليستْ لديها أجنحة تمكِّنها من الطيران كلما شاءتْ؟

ولماذا لا تعود إذن؟

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016