التَّنْصير في بنغلاديش، رِدّة ولا أبا بكر لها

 

 

   هذه بلادنا و مسقط رأسنا، وجدناها قبل أكثر من أربعين سنة، وجدناها بعد أن فديناها بملايين النفوس، و سكبنا في سبيل تحريرها بحارًا من الدماء والدموع، فكل ذرّة من هذه الأرض المقدَّسة أغلى علينا من حياتنا، و أثمن من أرواحنا، و أعزّ من عرضنا و حريمنا، فهل نعلم أنها قامت الآن على شفير مَهواة الهلاك، و كادت تزلق قدمًا و تضيع فيها ضياعًا؟ وقعت (شيتاغونغ) بمحافظاتها الثلاث الجبلية- (بانداربان) و (رانغاماتي) و (خاغراسوري)- فريسة للتنصير والتنفير، وانتشرت الوكالات التنصيرية في تلك المناطق انتشار النار في الهشيم، فجعلت تُضرم الثورة، و تولّد الفساد، و تَخطف الإيمان، و تُغري القبائليين بالخروج على الحكومة و نبذ طاعتها نبذًا!

  و رغم أنّ النصرانية نزحت من الغرب النائي إلى هذه البلاد، وألقت في حضنها عصاها، و استقرّ   بها نَواها، منذ أكثر من أربعة قرون طويلة، إلا أنها لم تظفر ببأس و إقدام، و طمأنينة و تمكّن، و جرأة و سلطان، مثل ما ظفرت به في الآونة الأخيرة، فقد تفجّر عدد المتنصرين الجدد في المناطق الجبلية و فاقَ كلَّ تقدير و تخمين، كما أفادت جريدة (أمارديش) اليوميّة في تقرير لها 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2011م ’أنّ في مدى العقدين الماضيين تم تنصير اثني عشَرَ ألف أسرة في (شيتاغونغ الجبلية)، و نيّفت الكنائس على مئتَين، بينما اعتنق النصرانية في خاغراسوري وحدها أربعة آلاف و واحدة وثلاثون أسرة منذ 1992 إلى 2010 للميلاد‘.

  لكن مما يزيد الطين بلّة أنّ هذا التدفق العارم للنصرانية، وهذا التفجّر العام للتنصير يتستّر و يحتمي بجنح الظلام، و يتسلّل- بحيل مختلفة- من مدارك وسائل الإعلام، فلا يدري به العباد والبلاد إلا قليلًا، كما أبرزت الإحصائيات التي قد أجريت عام 2011م أنّ عدد النصارى في بنغلاديش لم يتبدّل منذ 1992 إلى 2011م شيئًا، ولم يَعْرُهُ خلال هذه الفترة غير القليلة أيُّ زيادة أو نقصان! فهل لعقل أن يسوّغ هذه الظاهرة؟ لا شكّ أنها كذبٌ لا يخفى، و افتراءٌ يظهر و يتجلّى، وقد شهدت مذكِّرة لوكالة تنصيرية في البلاد بأنّ قرية (خليشا)  بمحافظة (رانغبور) كان يتواجد فيها نصرانيّ واحدٌ عام 1927م، ثم زاد هذا العدد و وصل في نهاية عام 2005م  إلى نحو ألفي نسمة في مئتَين و تسعين أسرة!

من أين جاؤوا إذن؟ لم يتوافد هذا العدد الهائل من النصارى من خارج هذه البلاد، وإنما أبناؤها الذين ولدوا من بطنها و درجوا في حِجْرها هم الذين تحوّلوا إلى النصرانية و زادوا الأزمة هولًا و استفحالًا، يتفجّر عددُ  المتنصّرين في البلاد تفجّر البركان بحُممه، والقبائليون يخلعون من أعناقهم ربقة دين آبائهم و أجدادهم فيدخلون في حظيرة النصرانية، وقد انقلبت بعضُ القبائل ظهرًا على عقبٍ، فتحوّلت إلى النصرانية بقضّها و قضيضها و عليتها و سوقتها، قد رانت الثقافة الغربية على حياة القبائليين و خيّمت على مشاعرهم و أحاسيسهم، مما جعلهم يتناسَوْن أو يَنْبُون بثقافة آبائهم و وطنهم؛ بل جعلهم يُشيحون بوجوههم عن جميع ممتلكات دينهم و عقيدتهم، و يُقبلون على حضارة الغرب إقبالا.

لا شكّ أن تقاطر المنصِّرين على هذه البلاد و توافد الوكالات التنصيرية على مناطقها الجبلية لم تستهدف ’الدعوةَ‘ ’والتبشير‘ فحسب؛ وإنما وَضْعُ حجر الأساس لدولة نصرانية مستقلة هو غايتها و نصب عينينها، تحتلّ (شيتاغونغ الجبلية) مكانة مهمّة في خريطة العالم، ومن ثَمَّ تَحمل محافظاتها الثلاث حيثيّة سياسيّة وجغرافية ملحّة، فلذلك يعلِّقُ عليها الغرب أهمّيّة كبرَى،  وبإمكانها أن تكون قاعدةً عسكريةً وحِصْنًا متينًا للغرب، و مركزًا قويًّا لبسط النفوذ و تعزيز السلطان على جميع مناطق جنوب آسيا، بما فيها (الهند) و(الصين) اللتان يعتبرهما الغرب من ألدّ خصومه و أعدى أعدائه، فاحتلالها للغرب يعني- في حقيقة الأمر- احتلال هذه المناطق برمّتها وامتلاك الغرب الدنيا بحذافيرها، و تأمين مستقبله- على الأقلّ- لبضعة قرون في (آسيا)، و تتجلّى هذه الحقيقة من خلال محاولات (الولايات المتحدة) عام 2011 لإنشاء ’الأسطول البحري العسكريّ السابع‘ في خليج البنغال،  وإن كانت المساعي لم تتحقّق و أخفقت في نهاية المطاف إخفاقًا. 

ولكن المؤامرة لم تنْتَهِ، ولم تكن حرب الغرب النصراني ضدّ الإسلام والشرق لأن تضع أوزارها؛ بل الغرب الاستعماريّ من شأنه أن يتجدّد في الحيل والعوامل، و يتفنّن في الطرق والوسائل، ولكنه يتوحّد في الأحلام والآمال، فها هي (تيمور الشرقية)- دولة نصرانية مستقلة- كانت قبل 1998م ولايةً غضّةً شابّةً لأندونيسيا المسلمة و جزءًا مهمّا منها، ولكن الغرب طَمِعَ فيها طمعًا، ومدّ إليها يدَ الجشع والخيانة، فلم تُطِق (أندونيسيا) الحفاظَ عليها، حتى فُجعت بها 20 مايو (أيّار) 2002 بعد سلسلة لاإنتهائية من محاولات الغرب و مؤامراته، نتيجةً لخيانة مدهشة للأمم المتحدة، و عصبيّة عَمْياء لجميع الدول الغربية المتنصِّرة، وانفصلت تيمور الشرقيّة عن أندونيسيا .

و- كذلك- هذه (السودان الجنوبية) التي برزت الآن في خريطة العالم كدولة نصرانية مستقلّة، كانت قبل سنوات عضوًا جليلًا من دولة (السودان) المسلمة، ولكن الغرب المنصِّر تسلَّلَ بخيله و رجله في حَرَمِها، و توغّل في عروقها و شرايينها، واستغلّ تأخر المسلمين وانحطاطهم فيها، وأقبل ينصِّر الناس بوجه عام حتى جاء العام 2011م و أحال أرضًا مسلمةً تعبد الله وحدَهُ أرضًا متنصِّرةً تعبد عبدًا لله و تُشرك به إلهًا غيرَه!

ما من أرضٍ يسكنها المسلمون على ظهر المعمورة إلا وقد وضعها الغربُ تحت أنظاره و أطماعه، و أثَّرَ  بمهابته و جلاله في حياتها و حياة أبنائها، وحاول التدخّل في كل أمر من أمورها، و تَرَكَ آثارًا عميقةً في قلوب سكانها بشتى الهتاف والنَّعَرات، فإن كانت بقعة من بقاع الأرض تتطاول على أبنائها و تحرمهم من خيراتها و ثرواتها، و تتركهم في حياة ضيِّقة لا ينبغي للإنسان أن يعيشها، فإن كان الظالم- حاشا لله- مسلمًا ، يهبّ الغرب ثائرًا مهتاجًا، و يُطلق عليه تهديدًا و وعيدًا، حتى يهزّ به العالم هزًّا، وإن كان الظالم غيرَ مسلم-وكان المسلم هو المظلوم- يُبادر الغرب و يَحشو في أذنيه قطنًا، فلا صرخةٌ تُلامس سَمْعَهُ، ولا استغاثةٌ تَهُزُّ قلبَه، وقد جرّب  العالم في العقود الأخيرة من ذلك مثل ما لم يجرّبه قطّ، ومن هنا لا ندري ما إذا كانت بنغلاديش مع شيتاغونغ الجبلية تسلك مسلك أندونيسسا و السودان المسلمة! وقد برزتْ إرهاصاتها، و انبلجتْ بوادرها!!

ومن لا أن لورد إريك إبيبوري (Lord Erick Evibury)- ذلك الداهية الْخَدُوع الذي له يدٌ بيضاءُ و دورٌ أثّارٌ لتهديم كل من أندونيسيا و السودان و توليد دولتين نصرانيتين جديدتين منهما- إنه قد عُيِّنَ رئيسًا لـ ’لجنة شيتاغونغ الجبليّة‘  (CHT) التي تعمل على مراقبة الحريّة الإنسانية المزعومة في شيتاغونغ الجبلية و توسعة إطار الأمن والسلام فيها.

لا عجب أن هذا الأمر يقرع لنا ناقوس الخطر، و يدقّ لنا باب الهول والهلاك، إن كان (إريك) قد أحرز النصر والغلبة و فاز في خطّته السابقة، فإنه سيفوز في هذه المغامرة أيضًا، و سيحظى بقصب السبق في هذه الحلبة، وإن نعرات الحرّية و أحلام الغرب البعيدة المدى والآثار سوف تتحقّق، فرغم أن الحكومة و أرباب السلطة في غفلة مذهلة و مربكة عن هذه القضيّة الخطيرة- ولا ندري بالسبب الغامض العامل في بواطنها- إلا أن المسؤولين عن القوّات ومقرّ الجيوش قد حذّروا الحكومة والجماهير من هذ المصير مرارًا و تكرارًا، فيا له من تَغافُلٍ استبدَّ بالحكومة وأصحابها! ويا لها من يَقَظةٍ طال انْتظارها!!

 

بقلم/ فضيلة الشيخ مولانا نجم الدين
نائب الرئيس بالجامعة الإسلامية
أكبر كمبلكس، مير بور، داكا، بنغلاديش

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016