أهمية اللغة والوسائل وموقف العلماء منها

 إن اللغة من أكبر الوسائل لنقل الأفكار إلى الآخرين وإطلاع الناس على أحوال العصر الآخر.

لا يخفى على أحد أننا نحن معشر المسلمين الآن فى معركة الغزو الفكري والثقافي , وإن الأعداء يستخدمون الأسلحة المختلفة, والوسائل الالحديثة المتنوعة لتحقيق أهدافهم , وإن المسلمين في هذه الأيام متجردون عن الأسلحة والوسائل ومتخلفون في ذلك , فلذلك سهل علي الأعداء نشرالأفكار الفاسدة, والتهم المختلفة ضد الإسلام ونبيّه ومتبعيه في الوسائل المسموعة والمرئية والمقروءة كالتلفاز, والراديو والصحف والمجلات والكتب, ولكن الأسف كل الأسف أن المسلمين ليست عندهم في هذه الأيام الوسائل المتوفرة للرد على تهم الأعداء التي ألصقت بالمسلمين ونبيّهم –صلى الله عليه وسلم- والإسلام.

فلذلك نرى المسلمين مظلومين في العالم وتجعلونهم الوسائل الحديثة التي في سلطة الأعداء ظالمين مع أنهم في الواقع من المظلومين , لأنه من كانت بيده وسائل الأعلام فيعتبر قوله في هذه الأيام, فتجعل الوسائلُ الظالمَ مظلوماً, والمظلومَ ظالماً , وإن الناس يؤمنون بالأخبار والتقريرات التي تذيعها الوسائل.

فلهذا يجب على المسلمين في هذه العصر أن يتخذ الوسائل أكثر من الأعداء لأن هذا لا يخالف التوكل , بل يتحتم عليهم أن يكونوا ماهرين في الوسائل الحديثة أكثر من الأعداء لأنه لا تمكن المقاولة بالآجر إذا كان خصمه يرمي إليه الأحجار ولقد صدق من قال: إن كنت ريحا لا قيت إعصارا, وإن الوسائل والمخترعات الحديثة هي آلات جمادية, ليست فيها قوة الإصلاح والإفساد وصلاحية التدمير والتعمير , بل يكون التعمير والتدمير نظرا إلى مستخدمها, فإن يستخدمها في الخير يكون خيرا وإن يستخدمها في الشر يكون شرا, كالسكين, يمكن أن تقطع به الأثمار أو تقطع به عنق أحد, قال العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي –رحمه الله تعالى – في كتابه القيم : [ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين, ص: 249] إن الموضوعات الجمادية لا ذنب عليها , فإنها خاضعة لإيرادة الإنسان وعقليته وأخلاقه, فهي في ذات نفسها ليست خيرا أو شرا, وكثيرا ما يكون خيرا في نفسها , فيحولها الإنسان شرا بسوء استعماله, وخبث سريرته وفساد تربيته, فليس الشأن في هذه الألات والمخترعات, إنما الشأن فيمن يستغلّها وفي الغرض الذي يستعملها له. وقال أحد من المستشرقين المنصفين : لو كان محمد بن عبد الله حيا لاستخدم الوسائل الحديثة لنشر الإسلام.

وإن كتب التاريخ والسيرة لخير شاهدة على أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- أول من استخدم المنجنيق.

وكذلك حث النبي –صلى الله عليه وسلم- زيد بن ثابت –رضي الله تعالى عنه- على تعلم اللغة السريانية.

فلهذا يجب على علماء بنغلاديش أن يتخذوا الوسائل الحديثة ويتمهروا في اللغة العربية ويتضلع من اللغة الأم, ولا يعتبر أن اللغة البنغالية هي لغة الهنود, بل كل لغة من الله تعالى ومن علامات قدرة الله تعالى,لأن من آيات الله سبحانه وتعالى أنه خلق في العالم ألسنة مختلفة , كما عبر القرآن عن هذا المعني بأصدق تعبير بحيث قال: ((وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ)) [الروم: 22] وإن اللغة واللسان من أكبر الوسال لنقل الأفكار من أحد إلى آخر ومن جيل إلى جيل قادم , ومن عصر إلى عصر آخر, لولا اللغة لما انتقلت الأفكار والعلوم إلينا , فلهذا يجب على الداعي أن يتمهر في اللغة, ويكون له ذوق نزيه في اللغة بوجه خاص في اللغة التي يريد بها أن يخدم الإسلام والقوم والوطن, لأن اللغة في الواقع وسيلة كبرى في إفهام الناس وإقناعهم وإفحامهم وإحقاق الحق وإبطال الباطل , وبوجه أخص يتضلع من لغته الأم , لأن الله تعالى أرسل كل نـبي بلغة قومه , كما قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)) [إبراهيم: 4]

إن هذه حقيقة لا يختلف فيها عدو ولا صديق أن أهل الفكر والبصيرة يطلعون على أنه ليس المراد بلسان القوم هو أن يفهم لسانهم و يفهم فقط, بل يتمهر في اللغة والأدب حتى يفوق أهل زمانهم ويتأيد بقوله تعالى: ((ليبين لهم)).

وقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنا أفصح العرب .

وقال الشيخ المفكر الإسلامي الكبير والداعية الحليم الخبير العبير العلامة أبو الحسن على الحسني الندوي –رحمه الله تعالى رحمة واسعة- مخاطبا علماء بنغلاديش في حفلة انعقدت في رحاب الجامعة الإمدادية بـ "كشورغنج" في الرابع عشر من مارس سنة 1984 للميلاد: يجب عليكم أن تقبلوا اللغة البنغالية برحابة الصدر, وتمارسوها بالجد والاجتهاد, فمن قال: إن اللغة البنغالية لا جدوى فيها , ومن قال: إن هذه اللغة هي لغة الهنود ؟ ومن أفتى أن التدرب على اللغة البنغالية لا ثواب فيها ويكون الثوب في ممارسة اللغة العربية والأردية ؟ فيجب عليكم أن ترتدعوا عن هذه الضلالة والفكر الفاسدة لأن هذه تدل على السفاهة والجهالة, ويكون مصير هذه الفكرة وخيما للأيام المقبلة.

إن اللغة والأدب وسيلة الفكر , وسيلة الفكرة البناءة أو وسيلة الفكرة التدميرية, فاجعلوا اللغة البنغالية والأدب البنغالي بناء , وإلا ييستغل أعداء الإسلام في الشر, فستعملوا اللغة البنغالية, والأدب البنغالي في الخبر والصلاح وفي الإيمان والقعيدة وإلا يستغل الأعداء هذا السلاح والوسيلة في التخريب والتدمير وفي الشرك والكفر , واحتلّوا مكانه مرموقة في حقل الأدب , ويكون عندكم أشاوس الكتاب وجهابذة الأدباء والخطباء المصاقع, وتكون لكم مكانة فائقة ممتاز في كل حقل من اللغة والأدب, ويكون أسلوب الكتابة جذابا حتى ينقطع الناس إلى مؤلفاتكم ومقالتكم منقطعين عن مقالات ومؤلفات غير المسلمين, ومصنفات المسلمين الذين يتنفسون برية الغرب, وحضارته؛ وبفضل الله تعالى كان زمامه اللغة الأردية والأدب الأردي في أيدي علماء الهند, وإنهم يستعملون هذه الصلاحية في خدمة الإسلام.

إن بعض الناس يكون ماهرا في اللغة والأدب ولكن لا يعرف أين يستخدم صلاحيته وفي أي شيء و نصر أي أمر يستعمل مقدرته , إن الذي يُطلع كيف ينتفع بصلاحيته ومقدورة لغته وأدبه وقوته انتفاعا حقيقيا كاملا, وكيف يشكر نعمة الله ويحظر على الإنسان أن يكون بصلاحيته وطاقته التي شرفه الله تعالى معينا على الظلم والجريمة والإثم والعدوان, كما قال كليم الله موسى عليه السلام ((قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ)) [القصص: 17] وقال سليمان عليه السلام : ((هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)) [النمل: 40]

ولا ينبغي لأحد من المسلمين أن يستغل صلاحيته من اللغة والأدب في التدمير, كما يفعل الأدباء واللادينون , بل يستعمل لنصر الدين والأفكار الصحيحة وإعانة المظلومين وإثبات الحق وإبطال الباطل, ويستخدم هذا المقدرة والملكة لإنشاء حكومة أفضل وجيل أمثل, ويجعلها وسيلة كبرى لتربية الفرد والأمة, وأدة قوية لبناء مجموعة بشرية صالحة.

وفي الأخير : لا يخفى على أحد أن الثامن من فالغون (الحادي والعشرين من فبرائر) يوم اللغة الأم الدولي, وإننا قد أرقنا دماء كثيرة و أرواحا موفورة في جعل هذه اللغة – اللغة البنغالية- كلغة الدولة عام 1952 للميلاد, ونجحنا في تحقيق هذا الهدف, ولكن نحن في أي شيء نستخدم هذا الاستعداد؟ نستخدم هذا الاستعداد في سبيل الإصلاح والهدي والرشاد وخدمة الإسلام و تنمية البلاد, ولا نتبجح بأننا قد فزنا في جعل هذه اللغة كلغة الدولة, لأن الفخر والتبجج لا يجدي شيئا لترقية البلاد, ولتوطيد صلة العباد بالله إلى يوم التناد,إذا تستخدم هذه النعمة في الفسق والفساد والاضطهاد, وإن ينفد الورق والقلم والمداد؛ بل يتفكر وقت الفتح والظفر في هذا الارشاد (( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا )) [سورة النصر: 1-3]

و أخيرا لا آخرا: أقول للعلماء و خدام اللغة والأدب أن يراعوا اللغة والأدب حتى لا ندخل الكلمات البنغالية في اللغة الأردية , كما لا ندخل الألفاظ الأردية في اللغة العربية عند الكتابة والحوار, وكذلك لا نستعمل الكلمات الإنكليزية وكلمات اللغات الأخرى في اللغة البنغالية وقت المحادثة والتحرير حتىالوسع , بل نستعمل اللغة الواحدة إلى النهاية, ولا ندخل أثناء التكلم والإنشاء كلمات لغات أخرى, ولكن لو يستعمل أحد كلمات عربية أو أردية في اللغة البنغالية واضعا نصب أعينه الدعوة الإسلامية وتقريب الناس إلى الكلمات والمصطلحات العربية والأردية, فلا حرج, ولكن الأسف كلّ الأسف أن بعض الناس يمزج الكلمات الإنكليزية متأثراً بها في اللغة البنغالية وكلمات لغات أخرى في لغة ويعتبر أن هذا من سعادته و مهارته في لغات مختلفة, ويتبجج بذلك, ولكن هذا الأمر في الواقع يدل على ضعفه وعدم قدرته على المحادثة والتحرير بلغة واحدة, ولكنه لا يشعر, فلهذا يتحتم عليه أن يقلع عن هذه الفكرة, ويتبنى الفكرة الصحيحة .

اللهم ! وفقنا للسداد والرشاد, والتقى والعفاف.

 

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016