حديثي مع مذكرتي
حديثي مع مذكرتي

حين تنام الأرض، وينام من فيها، وتغرق الدنيا في بحره، ويسبح أهلها في أمواجه، آتي إليك، وأقرِّبكِ مني، وآخذكِ بيدي، وأحكي لكِ حلو حياتي ومرّها.

لِمنْ أبوح أحاديث قلبي إلا أنت! ومن يحتفظ بأحاديثي مثلك! أنتِ رفيقتي من تسع سنين، وتحملين ذكرياتي لكل هذه المدة الطويلة، وتحفظها لجيل بعد جيل، وكنتِ لي نعمتْ الصديقة، والرفيقة!        

أما أنا فلم أؤدِّ حقّك جيداً، إنْ حضرت ليلة، غبتُ عنك أسبوعاً، وقد وعدتُكِ، عند لقائنا الأول، كما وعدتُ قبلكِ لاثنتين، ولكن لم أوفِ بعهدي...

ولكنْ دعِينا نرجع إلى الحديث، ونبدأ قصتنا من جديد: هل أخبرتكِ عن بيتنا المملوء بذكريات طفولتي؟ البيت الذي ولدتُ فيه، ونشأتُ فيه، وقضيت فيه أحلى أيام حياتي! وما أجمل تلك الأيام! وما أروع ذكرياتها!

كنت أرجع من المدرسة بعد العصر، ما إنْ وضعتُ حقيبتي إلا طِرتُ إلى السقف، وكان هذا السقف كالملعب لنا، كنا نعلب فيه ونرتع، وكنا نسوق فيه الدراجة، هل قصصت عليك كيف تعلمت سواقة الدراجة؟ علَّمني السواقة أخي وأختي الكبيرة، وكانا يمسكان بي من الخلف، وحين أبدأ تحريك المِجداف يتركاني، فأسقُط! وكنت أسقط وأسقط حتى تعلمت السواقة! وكنا نعلب فيه أحياناً بالكرة، كما كنا نستدفئ فيه بالشمس في أيام الشتاء، وفي أيام المطر كنا نغلق مخارج المياه، ونحبسها في السقف، فيصبح بُحيرة نسوق فيها قوارب الأوراق! وكنا نتبلَّل بتلك المياه، ونلعب بها، ونرشُّها على بعضنا!

وعندما تهبُّ الريح كنت أودُّ أن أطير في الهواء الطلق، يخيِّلني كأن طرفيْ خِماري جناحيَّ، يمكنني الطيران عليهما، وكنتُ أخاطب الريح بقلبي: أيتها الريح! أريد الطيران فيكِ بجناحيَّ هاتين! خذيني معك، ولكنها لم تحملني يوماً مع الأسف، ولم أتمكن من الطيران منشور الجناح ولو مرة واحدة! فحزنتُ جداً، وسلَّيتُ نفسي أني طير مسكور الجناح كببغاء أختي الكبيرة.

لم أقصص عليك قصة الببغاء، فدعيني أقصّها باختصار: كانت لأختنا الكبيرة ببغاء جميلة، وكان تلك الببغاء مكسورة الجناح، فلم تكن تستطيع الطيران جيداً؛ وكانت تحب أختي، كما كانتْ أختي تحبه، إنْ لمسَه أحد منا نقرَه، أما أختي فكانت تدخل أنملتها في فيها فتُخرِجها بلسان الشفقة، وفي بعض الأحيان كانت أختي تأتي إلى السقف وطيرها بيدها، ثم ترسلها في السقف، فتحاول الطيران من شجرة الليمون إلى شجرة الباباي قليلاً قليلاً، ما أجمل ذاك المنظر! وما أروعه! طير يطير حولنا، ويلعب معنا، ولا يخافنا، ولا يهرب منا!

ذكرياتٌ لا تنسى! ذكريات تسير معي أينما سِرتُ، وتمشي معي أينما مشيت!

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016