أمريكا وموقفه المزدوج تجاه التدخل الروسي

لم تكن لأمريكا ولا للدول الغربية الأخرى استراتيجية واضحة بشأن سوريا منذ اندلاع الثورة، فبينما كانت أمريكا تؤيد المعارضة في بعض تصريحاتها لم تكن متحمسة يوما في دعمها وتقويتها. ولم يزل يكتنف الموقف الأمريكي الغموض والالتباس بعد التدخل الروسي السافر، ولم يصدر أي تصريح أمريكي أو إدانة جادة من شأنه أن يضع حدا للمأساة التي باتت تنذر بمزيد من القتل والدمار جراء القصف الروسي العنيف. هنالك عوامل عديدة تجعل أمريكا تتلكأ عن حل للأزمة السورية، من أهمها:

ـ هنالك أهداف مشتركة بين روسيا وأمريكا في وأد الثورة السورية، لذلك التدخل الروسي ربما يكون بمثابة إكمال المشروع الأمريكي والروسي والصهيوني، وعليه فإن الولايات المتحدة قد تتفاءل بالتدخل الروسي وتباركها، خاصة وأنها تكمل ما عجزت عنها الولايات المتحدة الأمريكية. فقد قال أحدهم "إن أهدافنا ليست مناقضة لأهداف عدوِّنا." لذلك ما نشاهده اليوم من تدخل روسي في سوريا هو تحقيق لأهداف أميركية بعضلات روسية.

ـ وهناك من يرى أن الصمت الأمريكي حيال التدخل الروسي رسالة واضحة لإلقاء روسيا في الفخ، والحد من عنجهية بوتين وإيقاعه في حرب لا خلاص له منها، خاصة وأن أمريكا جربت مثل هذه الحروب في أفغانستان والعراق وذاقت ويلاتها، فقد قال أحدهم: "إن بوتين سيواجه غضب العالم الإسلامي بأسره، بما فيه المسلمين الروس". وسيجد نفسه في وضْع "مَن تسلق شجرة لا يستطيع النزول منها." وأضاف: "إن تسُّرع بوتين للتورط في سوريا ربما هو الذي سيرغمه في النهاية إلى البحث عن حل سياسي هناك.".

موقف الدول الإسلامية
لم يكن للدول الإسلامية ومع الأسف أي موقف واضح وصارم تجاه الأزمة السورية، اللهم إلا بعض تصريحات باردة لا تغني عن التغيير شيئا، بينما كان داعمو الأسد من أول يوم يتحمسون لإبقاءه ولا يألون أي جهد في دعمه ماليا ومعنويا. ولكن بعد أن جاوز الحزام الطبيين جاء التدخل السعودي التركي ليضع حدا من هذه المجازر التي يرتكبها النظام وداعموه في سوريا، ولكن أنى له ذلك.
وقد أربكت تصريحات وزير الخارجية السعودي السياسة الأمريكية التي فضلت الصمت حيال المجازر السوري، لذلك وطبقا لبعض التقارير قد ألمحت لروسيا بالتدخل لتربك حليفتها الماردة السعودية ودول الخليج. وهذا ما جعل السعودية على مفترق الطرق وأمام خيارين؛ إما أن تتراجع عن موقفها الداعم للمعارضة وتترك الأمر لروسيا وحلفاءها وتقبل إصرار روسيا الصريح وأمريكا غير الصريح على إبقاء الأسد لمدة أطول، بقدر ما يمكنهم نقل دفة القيادة إلى نخبة علمانية تراعي مصالحها ولا تكون خطرا على الغرب وعلى إسرائيل بالتحديد، وإما أن تواصل دعمها اللوجيستي والعسكري للمعارضة.
ومن جانب فإن السعودية بادرت إلى تشكيل ائتلاف عربي وإسلامي موحد يضم عشرات الدول الإسلامية والعربية لحمايتها وحماية الدول العربية من أي عدوان خارجي، ومع أن بعض الدول الإٍسلامية لا تظهر رغبة جادة في هذا التحالف كالإمارات ومصر وغيرهما إلا أنها أولى خطوة للتدخل في سوريا بعد أن قارب التحالف النجاح في اليمن.
ولکن من الصعب القول بأن السعودية ستنجح في هذه المبادرة خاصة وأن الكثير من الدول الإسلامية علقت مشاركتها بالمباركة الأمريكية التي لا ولن ترغب في التدخل البري والجوي الإسلامي في سوريا وحتى دعم المعارضة بالأسلحة الثقيلة والمضادة للطيران. فقد جاء في تصريحات أحد القادة السعوديين: " دخلنا في حرب حقيقية، ينبغي أن نزيد من دعمنا للمعارضة، لكن الوقوف ضد روسيا ليس بالأمر السهل، فذلك يتطلب موافقة الولايات المتحدة الأمريكية، كما حصل من قبل مع أفغانستان، لكن المشكلة الآن تكمن في البيت الأبيض، حيث أن القرار لم يتخذ بعد". فمعنى ذلك أن السعودية لن تكون جادة في حل الأزمة إلا إذا حصل تواطؤ أمريكي على ذلك.
ویقال إن القضية السورية شهدت انسحاب عدد من حلفاء الرياض في المنطقة، فبعد انسحاب مصر التي أشادت بالضربات الجوية، فضل الأردن والإمارات التراجع أيضا عن دعمهما للسعودية. إذ إن كل طرف له حساباته المعقدة، فالقاهرة تشيد بالضربات الروسية لرغبتها في القيام بضربات مماثلة بليبيا، بحسب الصحيفة.
أما موقف الإمارات المعادي للإخوان المسلمين والمجموعات المسلحة المتشددة فلم يتغير، وبالنسبة الأردن فإنه يرفع شعار الحياد، نظرا لحدوده الممتدة مع سوريا، وخوفا من انتقال الصراع لأراضيه.
وأما تركيا وإن كانت تجتهد لحل الأزمة وتستميت في ذلك إلا أن قضاياها الداخلية الساخنة وخاصة مع الأكراد الماردين قد تشغلها عن القَضية السورية.
وتأتي مناورات "رعد الشمال"، التي تنطلق شمالي السعودية بمشاركة 20 دولة عربية وإسلامية، والتي تعد الأكبر من نوعها في المنطقة، تحمل رسالة مفادها أن هذه الدول كلها تقف صفا واحدا لمواجهة التحديات، والحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة. ولكنها لم توضح بعد رسالتها إزاء الأزمة السورية، هل تتدخل فعلا أم لا، وإلى أي مدى تكون مشاركتها ومساندتها للمعارضة السورية.

ـ هل حققت روسيا شيئا في سوريا، وإلى أين سيكون مصير بوتين؟
ولا شك أن روسيا رغم تكبدها الخسائر من المعارضة المسلحة إلا أنها قلبت الموازين إلى حد كبير وحققت الكثير من أهدافها في تدخلها في سوريا حيث منعت الجيش السوري من الانهيار الكامل، وكسبت انتصارات كبيرة على الأرض خاصة بعد أن اتبعت سياسة الأرض المحروقة وسوّت البيوت والمباني بالأرض في قصفها العنيف.
ولکن هل تستطيع روسيا بهذه الغارات الجوية هزيمة المعارضة تماما، وهل تضمن لها الأراضي المحتلة الاستقرار، ثم كيف تكون معاملتها مع حلفاءها في تقاسم الأماكن المحتلة، هذه وغيرها من الأمور بالأخص بعد أن شاهدت روسيا صمودا جادا من المعارضة رغم عنف القصف، يجعلها في ارتباك، ويجعل مستقبلها غامضا.
ومن ناحية أخرى ستكون تكلفة التدخل مرهقة للإقتصاد الروسي المتردي خصوصا إذا طال أمد الصراع وإذا استمر دعم الدول العربية ودول الخليج للمعارضة السورية المسلحة.
وهذا ما جعل بعض المحللين يقولون بأن التدخل الروسي مغامرة كبيرة من بوتين، ويشبهون هذا التدخل بالتدخل السوفييتي في أفغانستان الذي انتهى بسقوط الاتحاد السوفييتي، لذلك لن يكون الأمر سهلا بالنسبة لروسيا في سوريا، وقد أدرك بوتين ذلك جيدا فبادر في أول يوم من تدخله إلى الحوار والمفاوضة مع المعارضة السورية.

ـ بوتين يستخدم سوريا ورقة مساومة لحل جميع قضاياه
لذلك يرى البعض أن روسيا تعرف بأنها لن تكسب انتصارات في سوريا إلا أنها تأمل لتجعل روسيا ورقة مساومة لحل قضاياها المعقدة مع الغرب خصوصا فيما يتعلق بأوكرانيا وجزيرة القرم، وأن يكون لها يد في حل الأزمة السورية، وأن تحافظ على قواعدها العسكرية الوحيدة في الشرق الأوسط.
ولكن مع هذا يرى بعض الخبراء الروسيين بأنه لا حق لروسيا التدخل عسكريا في سوريا خاصة وأنها منهكة اقتصاديا، ومستهدفة من الدول الغربية والإسلامية، فقد قال أحد خبراءهم “لیس لدى روسیا الحق في الدخول في مغامرة سیكون من المستحیل الخروج منها. نحن لا نحتاج إلى أفغانستان ثانیة، وخاصة على خلفیة الأزمة الأوكرانیة التي تمتص الحیاة من بلادنا بالفعل”.

أمريكا وروسيا وجهان لعملة واحدة
ومهما يكن من شيء فإن الولايات المتحدة لن تسمح بانهيار مفاجئ لنظام الأسد بدون وجود بديل علماني شرس ينسجم مع التطلعات الأمريكية والصهيونية، لذلك ربما تتواطأ مع روسيا ما دامت المعارضة السورية الإسلامية الصبغة تكافح الروس والنظام.
ولن نقول بأن أمريكا لا تختلف مع روسيا أو أنها لا تعي مخاطر السيادة الروسية في سوريا، ولعلها تساند المعارضة جزئيا لإيقاف المد الروسي، إلا أنها لن ترضى بالسيادة السعودية التركية السنية الصبغة، لذلك لم تزل في تردد وتلكؤ حتى يتم إيجاد تسوية تتفق عليها الأطراف الدولية وانتقال منظم للسلطة إلى نخبة علمانية ترضاها الأطراف الدولية ولا يخشى جانبها الصهيونية اليهودية.
ولیعلم أن هذه الحروب الطاحنة في دول الشرق الأوسط مخطط لها منذ مدة طويلة لإنهاك شعوب هذه المنطقة المؤمنة وإشلال قواها خاصة بعد أن بدا فيها الجدية نحو انطلاق حضاري شامل متمثل في الثورات الإسلامية، فمن الغباء أن نقول بأن قوى شرقية أو غربية تخلص في حل الأزمة السورية.

الحل الوحيد للأزمة السورية:
إنه لا حل للأزمة السورية إلا بوحدة جميع الأطراف الإسلامية والعربية؛ الوحدة في المنهج، الوحدة في الفكر، الوحدة في العقيدة، الوحدة في الاتجاه ووحدة المصلحة، وما دامت بعض الدول موقفها ضبابية، وما دامت بعضها الأخرى تتحيز إلى فلان وفلان، وما دامت أخرى مزدوجة في موقفهاغير صريحة حيال الأزمة أو غير مخلصة في حلها، فإنه لن يكون هناك حل ناجع للأزمة، وستفشل الثورة ـ لا قدر الله ـ وتترك تبعاتها على الدول الإسلامية الأخرى آكلة الأخضر واليابس، فحينئذ لا ينفع الندم.
إن الحرب في سوريا دينية وعقدية قبل أن تكون وطنية وعربية، ولا حل لها إلا تحت راية دينية خالصة، وإنه لا محل للوطنية والعروبة في هذه الحرب، فليعلم دعاة الوطنية وليعلم المتبجحون بالعروبة.

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016