الجوّال: كم ربحنا.. وكم خسرنا؟
الجوّال: كم ربحنا.. وكم خسرنا؟

إننا نعيش في عصر يمُوج بالتقنية (التكنولوجيا)، نعيش في زمانٍ توفّرت فيه كل الوسائل، بل تميّزت وتطوّرت- ما يفُوق الخيال- . وآباؤنا كانوا يقطعون مسافات شاسعة بمشقّة كبيرة جدا، ويصلون إلى أهدافهم المنشودة ودروبهم المقصودة بعد زمان طويل، وفي بعض الأحيان يرحلون بالمشي على الأقدام، وأما الآن فنحن تطورنا-وكسلنا أيضا- حيث أننا نقطع المسافة-مهما طالت-في أقصى سرعة وأقصر مدّة .
كما أنّ وسائل المواصلة ترقّت وتطوّرت، كذلك وسائل الاتصال تنوّعت وازدهرت، فلما كانت المراسلة أو بعثُ السُّفراء أو البُرُد هي الوسيلة الوحيدة قبل مدةٍ غير قصيرة، حتى تحسّنت حالنا وترقّت إلى أن فاجأنا عصر الإبداع والابتكار، فأنجب العصر عديداً من المبتكرات العجيبة المتميّزة، ومنها الجوال.
إنّ الجوال— إخوتي القرّاء— من أعجب المخترعات في العصر الحديث، وهو نعمةٌ باهرة من نعم الله سبحانه الجليلة، ينبغي أن نشكره جل في عُلاه، انطلاقاً من قوله عزّ من قائلٍ: (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.

فالجوال لا يزال نعمة لنا، ما دُمنا نستخدمه كنعمةٍ، ونراعي آدابها، ونؤدّي حقوقها، وإلا تعُود علينا بخسائر فادحة- فضلا عن فوائدها وعوائدها- وترجع بعواقب وخيمة-كما يشهد لها الواقع! فيلزمنا مراعاة أساليب استخدام الجوال وآدابه (ويطالع في هذا المجال كتاب "أدب الهاتف" للدكتور بكر عبد الله أبو زيد- يرحمُه الله-.
ولكن استوقفني يوماً هذا السؤال بأننا: كم ربحنا بالجوال وكم خسرناه؟ فهل تساءلنا قطّ عن هذا؟ وكم توقّفنا عند هذا؟! رأيت وجرّبت فوائد الجوال وأضراره، فانتفعت به وتضرّرت أيضاً، ولكنّ "إثمه أكبر من نفعه "، ولا سيّما لطالب العلم. لقد صدق الشيخ الأديب أبو طاهر المصباح— حفظه الله وشفاه عاجلا ومتّعنا بقلمه السيال- حين قال: "الجوال كالأفعى"، يبتلع من طاوعه، ويهلك من لا يبالي به ويلهو! فطالب العلم لا ينبغي له استخدام الجوال في فترة الدراسة والطلب، فضلا عن التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية!
لعل بعضاً منا يعترض عليّ لهذا الحظر والمنع الباتّ، فيتذرّعون لإباحة استخدام الجوال للطلبة والجيل الحاضر- بحضارة العصر وتمدُّنه! فأقول لهم: مهلاً، إن العصر مهما تقدّم وتطوّر، انحلّت معه الأخلاق وانحطّت، كما تدهورت مستوى الدراسة من حيث الإتقان والرسوخ في العلم، والمهارة والاضطلاع في الفنّ بالنسبة إلى ما كان من قبل. بل الحال آلت إلى ما يُرثى لها، ويُبكى لها دما؛ والسبب الذي يذكُر لها الخبراء أنه تكثرّت في هذا العصر مُعوّقات وعراقيل في طريق طلب العلم- ما لم يحلُمها أكابرنا إباّن دراستهم. فمن تلك المُعوّقات "الجوال".
والجوال يُخلّ بانهماك الطالب ويصرف همّته عن الطلب، كما يُفسد الأخلاق، ويسلب أغلى زاد الطالب وهو الوقت، فيُضيّعه فيما لايعنيه.
ولله درّ الشاعر_
الوقت أنفس ما عُنيت بحفظه * وأراه أسهل ما عليك يضيع
فأرجو من المربّين الكرام أن يمنعوا أبناءهم من استخدام هذه الأفعى السّامّة، ويُجنّبوهم عنها ويتجلّدوا أمام توسُّلهم وتذرُّعهم بذرائع تافهة، ولايلينوا في هذا الأمر مهما كان، فإنّ خطره كبير، وعاقبته وخيمة جدا.
كما أطلب من الطلبة الأعزّة- بُناة المستقبل والأجيال الواعدة- أن يحذروا هذه العائقة التي تعُوق في طريقهم إلى الطّموح والسُّموّ، فلو لم تستخدموا هذا الحُطام وتتعاطوا هذه الآلة السامّة والمُعوّقة، سوف تأتيكم الدنيا وهي راغمة على حدّ قول النبيّ -صلى الله عليه وسلم.
اللهم احفظنا وأبناءنا من الفتن-مما ظهر منها وما بطن، ووفّق وُلاة أمورهم لما فيه صلاح دُنياهم وأُخراهم. آمين وصلّى الله وسلم على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

نجيب الله الصديقي
الأستاذ/ بمدرسة المنهل القوميّة النّموذجية، أتّرا، داكا، بنغلاديش
ظهر يوم السبت
5/ ربيع الثاني/ 1437ه—16/يناير /2016 م

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016