من أنا؟

من أنا؟

فضيلة الشيخ الأديب / أبو طاهر المصباح- شفاه الله تعالى.

[هذا مَقال خَيَاليّ جادَ به يَرَاعُ الكاتب باللغة البنغالية، لقد أتحفَ لنا قلمُه السَّيّال هذه الكلمات عن أمور غيبية وعالم الغيب، وصوَّرها تصويراً بديعاً وبليغاً.. خرجتْ من صميم قلبه، فلعلها تَصِل إلى قعر أفئدة القرَّاء، حتى تتملَّك عليها.. فهذا الشعور الرقيق والْخَيَال الرائع الجذَّاب يَرُوق نظَرَ كلِّ قارىءٍ، ويُثْلِج صدرَ من قرأه بقلبٍ.. ويَجْدُر بالذِّكر هنا أن المقال قد نُشِر أول مرَّة في المجلة البنغالية "الكوثر" التي تصدُر عن مركز الدعوة الإسلامية داكا، بنغلاديش. عام 1435هـ-2014م عدد جُمادى الأولى/يناير، ومن هنا نقلتُ إلى اللغة العربية.. ليستفيد بها الطلاب الناشئون والمتطلِّعون..] المترجِم.

- أ -

ما كان لي اسمٌ، وما كان لي جِسْمٌ، كنتُ أُدْعَى بـ"رُوْح"، لا أذكُر شيئاً من ذلك الْحِين.. نعم، أذكر فقط أن الله تعالى جَمَع الأرواح، وكنتُ من بَيْن تلك الأرواح، وكنت شاهداً في جَلْسة الأرواح.. سمعت صوتاً من نور الغيب يُنادي: هل عرفتموني؟ من أنا؟ ألستُ بربِّكم؟ قالت الأرواح-وكنت قلتُ معهم-: بلى، أنت ربُّنا..!
لقد انقرضت قرون طويلة.. طويلة جداً بعد جَلْسة الأرواح، لا أعلم حساب السنين التي مضت بعدها.. كما لا أذكر شيئا مما جرى فيها..

قبل أيام عديدة قيل لي: قد تهيَّأتْ بِنْيَةُ جَسدك، فآنَ لك أن تنتقل من عالَم الأرواح إلى عالم الأجسام.. عجِبتُ به أولاً، فإني لا أدري حقيقة الجسم، وأين هو؟ وكيف هو؟ ماذا أعمل في ذلك العالم؟.. فعجِبتُ من كلام الملائكة، اهتَزَزْتُ فَجْأةً، فتساءلتُ: أنا؟ من أنا؟ من أين أتيتُ؟ وأين؟ لماذا هذا الظلام الحالك؟
ثم فُوْجِئتُ بأنه تَنوَّرَ حولي كثيراً، كأنّ المكان أعرفه، عِشْنا معاً في مكانٍ لاأستطيع الآن أن أُحَدِّده.. فزال عني الخوف.. واطمأنّ حالي.. ولكن لم يَتِمّ، أشعُر باضطرابٍ لا أعرف سببه، كأنّ شيئاً كان من قبلُ، وليس هو الآن..

فالأنوارُ تضحك على وجهي، كأنها تُسَلِّيني وتُطَمِّنُني.. سألتُهن متعجِّباً: من أنا؟ ومن أنتم؟ كأنِّي رأيتُكنّ من قبلُ؟

فرَدَّتِ الأنوار ردًّا لطيفاً: نحن ملائكة، وأنت إنسان، طالما تمكُثُ هنا نرعاك بأمر الله تعالى ونَحْمِيك.. لما سمعتُ كلمة "الله" فرحتُ بها، وزال عني ذلك القلق الذي اعْتَرَاني قبل فتْرَةٍ قصيرة.. ذكرتُ حينئذٍ تلك الْجَلْسَة التي شهِدتُها في عالم الأرواح، وذكرت الحوار الذي جرى بيننا وبين الله سبحانه.. ثم سألتُ الملائكة : لماذا أنا هنا؟ ولِمَ هذه الظُّلْمة؟ ولم يكُنْ كذلك في عالم الأرواح؛ كان فيه نورٌ، وكلُّ شيء كان هناك مُنَوَّراً..!
فأجاب الملائكة: كنتَ في عالم الأرواح.. ولقد خُضْتَ الآن في عالم الأجسام، قد خُلِق لك جسم-بإذن الله سبحانه-، ثم أُدْخِلتَ فيه..

عجِبتُ من كلامهم، وجعلتُ أتحرَّك لأعرِفَ جسمي، فالتفَّ حولي الملائكة وقالوا لي: لاتتحرّك كثيراً، فإن أمَّك تتألَّم به..! ثم عجِبتُ أكثر من ذلك؛ فإن "الأم" لم أسمع به أبداً في عالم الأرواح، ما أحلى هذه الكلمة!

* * *

الأم! ما أدراك ما الأم!؟ ما مَظْهَرُها وما شَكْلُها! فكنتُ أُفكِّرُ وأعْجَبُ: "الأم"! مَنْ أمي! أين هي؟ كيف أذهب إليها؟

قال الملائكة ضاحكين: أنت الآن في رَحِم أمِّك وبطنها، ومن ثَمَّ ترى هذه الظُّلُمات، تعيش هنا مُدَّة، حتى إذا جاء أمر الله تخرُج من بطن أمك إلى الدنيا.. فتشُوْف أمَّك-إن شاء الله تعالى، وهي تعطِف عليك كثيرا.. وهي تُربِّيك بِمَشَقَّة وعَنَاءٍ كما حَمَلتْك كُرْهاً..!

الرَّحِم والبطن والدنيا.. لاأدري ما هي؟ كلمة "الأم" تَحْلُوْ لي أكثر.. سألتُ الملائكة: هل تُعَاني أمي من مَشَقَّةٍ لأجْلِي؟ قالوا: بلى، ولكنها تتحمل كلَّ عناءٍ لسعادتك، هي تُحِبك أكثرَ من حياتها..

فأردت حينئذ أن أتحرَّك، ولكن أعْرَضْتُ عنه، فإني ذكرتُ قولهم بأن أمي تتألم بِحَرَكتي. أمي! كيف أنتِ؟ أبغى أن أراكِ يا أُمَّاه!!

***

ما هذا الصوت؟ هَزَّةٌ رقيقة، ونَبْضَةٌ خفيفة، تتواصل ولاتنقطع، لم أسمع بها من قبلُ! ولم يكن هذا في عالم الأرواح، ثم سألتهم عنها مستغرِباً.

فضحِك الملائكة من استغرابي، وقالوا: يا هذا! هذا قلبكُ، والقلب يَنْبِضُ إلى ما يحيا الإنسان، فإذا مات انقطع عنه.. وأما الصوت الذي تسمعُه، فهو نَبْضةُ قلبِ أمِّك، فقلبُك يَنْبض بنبضةِ قلبِها.. وشُفْ شَرَيَانك لاصِقٌ بِشَرَيانِ أمِّك.. ومن هُنا تجد النَّفَسَ من نَفَس أمك، وتتناول غِذاءَ من جسم أمِّك بواسطة هذا الشَّرَيان.. فأنت الآن بِضْعةٌ من أمك..

القلبُ والحياة، الموت والغذاء؛ كلُّها كلمات جديدة لا أعرف معناها، فسألت عنها الملائكة، فردُّوا عليَّ مبتسمين: ما دام الروح في جسد الإنسان يَحيا، فإذا فارقه وخرج منه يموت، ثم يعود الروح إلى الله سبحانه..
فقلتُ قلِقاً: أخْرِجْني من جسدي، لايطيبُ لي شيء، أنا أريد أن أعود إلى الله عز وجلَّ حالاً..

قال الملائكة: لا يمكن هذا، بل لا بدّ أن يعيش الروح في جسد الإنسان إلى ما شاء الله أن يعيش في جسده، فإذا جاء أمرُ الله لايستأخر ساعة ولايستقدِم، فيخرج من جسده ويعود إلى خالقه سبحانه..

طيِّب، أنا روح، فإذا عُدْتُ إلى الله، فماذا يصير حال الجسد؟

قالوا: تريد أن تطَّلع على كلِّ شيء! حسناً، فحينئذ يُقْبَر الجسد ويُدْفَن تحت الأرض..

-القَبر! ما هو؟

-لا تفهم معناه الآن، عندما تذهب إلى الدنيا تُدْرِك ذلك جيداً، فَحَسْبُك أن تعلم أن القبر يُشْبِه ببطن أمِّك الذي تعيش فيه الآن.

ثم سألتهم عن الدنيا وما يجري فيها؟

قالوا: الدنيا، هي التي تذهب إليها بعد أن تخرج من بطن أمك، وفيها تَكْبُر يوماً فيوماً، وحينئذ يجب أن تُطيع الله، فمن أطاع الله، فهو يَنْعَمُ ويَأمَنُ بعد موته في القبر، ومن عصى الله يُعَذَّبُ فيه.. ثم يُخْرِج الله جميع الناس من القبر، فيجمعهم في المحشر ويقضي بينهم.

فمن كان منهم صالحا، أدخله الجنة ويَخْلُدُ في نعيمها. ومن كان عاصياً وشَقِياًّ يُلْقى في جهنم ويُخَلَّد في عذابها الغليظ.

قلتُ: أحسنتم،لقد كشفتم لي الأمر تماماً، فأنا أطيع الله، ولاأعصيه أبداً في الدنيا، لأني أريد أن أدخل الجنة، ولا أريد أن أُلْقَى في جهنّم..

*****

- ب-

أنا هنا-في بطن أمي- مُرْتاحٌ ومسرورٌ، لاأذى لي وألَم.. أتحدّث مع الملائكة وأستأنسُ بهم، وأطَّلِع على أمور كثيرة، عرفتُ منهم أن أمي تتحمل مَشَقَّاتٍ كثيرة وعَنَاءً كبيراً، كما علمتُ أنها تقوم وتقعُد،وتمشي وتعمل بِحَمْلي الثقيل.. فلماذا تُكاَبِد أمي هذه الآلام والأَذِيَّة..!

كلَّما أَكْبُر يَكْبُر معي أَلَمُ أمي.. فأنا أيضاً الآن بدأتُ أَتألَّمُ لأَلَمِها.. فكنت أرجو أن أتحرَّك كثيراً، ولاأفعل ذلك.. ولكن لا أتذكَّر ذلك دَوْماً..

ذات يومٍ حَرَّكتُ يَدَايَ ورِجْلاَيَ، فتَأفَّفَتْ أمي، فسمعتُ ذلك بأُذنيَّ، وغضِبتُ على نفسي.. لِمَ آذَيْتُها!

ولما كثُر حَجْمي قليلاً، فأفهم الآن كثيراً، وأفهم متى تنام أمي وتَصْحُو.. قال لي الملائكة يوماً: شُفْ أمَّك تصلي الآن، فهي تصلي بِجَهْدٍ كبير، ولكنها لاتترُك الصلاة رَغْمَ هذا التعب والعَناَء، فإنها أمر الله العظيم إلى عِبَاده المؤمنين، وإنَّ الصلاة عِمَادُ الدِّين، فمن أقامها فقد أقام الدِّين..

ذاتَ يومٍ فُوْجِئتُ بصوتٍ شديد، فتحرَّكتُ منه فَزِعاً، فتأَوَّهَتْ أمي وسكتتْ،حتى تَوَقَّفَتْ نَبْضَةُ قلبها أو كادت.. فأَنَّ لها قلبي، سألتُ الملائكة: ما حدَثَ الآن؟ قالوا: أمُّكَ في هذا الحين تعبانة وضعيفة جداً، تَخْطُوْ بِخُطًى ثقيلة، فإنك حَمْلٌ ثقيل، مع ذلك تقوم بشؤونها كلِّها، واليوم عَثَرَتْ حتى فقدَتْ وَعْيَها..

آه..! كم تتحَمَّل لي أمي من أذًى! حدِّثوني أيها الملائكة، كيف يزول الكَرَب عن أمي..؟

قالوا: بل سَلِ الله تعالى أن يُنَفِّسَ عنها ويُفَرِّج عنها، ويُسَهِّل أمرَها..

ومن ذلك الْحِين أدعو الله سبحانه أن يُفَرِّج عن أمي الكرَب ويُعْطِيَها القوَّة..

فلما سمِع الملائكة دعائي قالوا: أنت ولدٌ طيِّب، يتقبل الله منك..

"وَلَد"! هذه كلمة جديدة،سألتهم عن معناها، فضحكوا من سؤالي، وفَهَّمُوني معناها..

مرةً سمعتُ أمي تتلو القرآن الكريم، وكنت لا أفهم تلاوتها من قبلُ، بعد أن انتهتْ من تلاوتها رفعتْ يَدَيها لتُنَاجِي الله، فإذا هي تَبْكي في دعائها، وتقول: أيْ ربِّ! احفظ ولدي وعافِهِ، اللَّهمَّ اجْعَلْه بَارًّا صالِحاً تقِياًّ، وتقبَّلْه عالِماً ربَّانياًّ، وداعِيَةً مُخْلِصاً..

تعجَّبْتُ.. أمي ما رَأَتْني، ولَمْ آتِ إلى الدنيا بعدُ، مع ذلك كم كانت هُمُومُها فيَّ..! حيث أنها ما سألتْ شيئاً لنفسها من الله تعالى.. بل دَعَتْ لي فقط..

قال الملائكة: في هذا الحين أنت حُلْمُ أمِّك وأُمْنِيَّتُها، فلها تَحْلُم بك وتُفَكِّرُ، وتدعو لك وحدَك..

-أمي طيِّبة وحبيبة! أليس كذلك أيها الملائكة؟
-كلُّ الأمهات طيِّباتٌ لأولادهنّ، وكلُّهنّ لا يتحمَّلن هكذا..

بعد أياَّمٍ قال الملائكة: قد حان مَوْعِدُ مجيئك إلى الدنيا، ودَناَ ذلك اليوم، فانْتَبِه لما نقول لك الآن..

عندما تأتي إلى الدنيا، وتكبُر يوماً، فلا تُؤْذِ أمَّك، ومن آذى أمَّه لايُحِبُّه الله، ولايدخُل الجنة، فَيَصِل النارَ.

وحينئذٍ سألت مستغرباً: لِمَ؟ لِمَ أُوْذِي أمي؟ وهي تتحمل هذه المكابدة القاسية، وتُعاني هذه الآلام يَنُوءُ بها الأبطال..!

قالوا-متلطِّفين-:ولكن بعض الناس يَنْسى هذا في الدنيا، وينسى معاناةَ الأم، فيُؤْذيها..!
قلتُ لهم: تُلاحظوني أيها الملائكة! أنا لا أكون أمثالم، فلا أُوذي أمي أبداً..

***

كم كنتُ صغيراً، وكم كان جسمي صغيراً، أماّ الآن فلستُ كذلك، بل كبِرتُ كثيراً، قال لي الملَكُ -المؤَكَّل فِيَّ: إن في الدنيا هَوَاءً يستنشِقه الإنسان بأنفه، ثم يُخرجه من أنفه، وهذا يقال "النَّفَس"، وبه يعيش الإنسان.

أمي الآن في الدنيا تتنفَّسُ وتُخرجُ النفَسَ، وأنا أعيش على أنفاسها، فإني بِضْعَةٌ من أمي..

*****

-ج-

حدَّثني الملَك ذات مرَّةٍ عن الأب، فسألتُه-مستفهماً: "الأب"! فمن هو؟ عرفتُ أمي، وأسمع نَبْضاتِ قلبها، ولكن الأب فلا أعرفها!

فأجاب: لاتعرِفه هنا كما عرفتَ أمَّك، فإذا خرجت إلى الدنيا، عرَّفَتك أمُّك بأبيك. أبوك أيضاً يُحبُّك شديداً، وهو أيضاً في شَوْقِ كبيرٍ إليك.

قلتُ: خيراً، لا أَتْعَبُ الآن أكثرَ من هذا، متى عرَّفَتْني هي بأبي عرفتُه، فلا أعرف الآن إلا أمي الْحَنُوْن..

***

ما لأمي! لماذا تفعل هكذا! قُلْ لي أيها الملَك من فضلك؟ فإني أخاف! كلما أتحدَّث إلى الملك أو أسأله، ترتسمُ في وجهه بَسْمَةٌ نورانية.

فقال-مبتسماً-: قد بدأ أَلَمُ أمك، يُسمَّى بـ "الْمَخَاض". قبل أن تَلِدَ الأم تَمْخَضُ هكذا، وحينئذ تُعاني آلاماً أشدَّ ما كانت عانتْ من قبلُ، ولكنها تستحمل كل الأذى لتتكَحَّلَ عيناها بِفِلْذَةِ كَبِدِها، وتحتضِنَ مولودها.. لما أدركتُ ألمها اِعْتَرَاني الْبُكاَء، ولكن ما قدَرْتُ أن أبكي..

قال الملَك: تخرُج إلى الدنيا ثم تبكي فتضحك به أمك وتفرح، حتى تنسى كل الآلام التي عاناها..

فَجْأَةً أسمع أمي تبكي، وتقول باكية: أمي! لو مِتُّ أنا من هذا، أتمناكِ تُرَاعي ولدي، واعطِفي عليه.

عجيب! إنّ لأمي أماًّ! ولكن لماذا تموت هي؟

قال الملك: بعض الأمهات تموت عند وَضع ولدها، فهل تدري أنها مع كل هذا تتمنى أن تموت، ويلِدَ مولودُها صحيحا وسالماً، ويعيش ولدها بروحها..

فأصابني البُكاء مرةً ثانية: أمي، أمي، ما أطيبَكِ! وما أحلاكِ! لاتشعُرين بنفسك مع ما تُعانين من غُصَصٍ وآلام، تُخاطِر نفسَك، ولكنك تفكرين بي فحسْبُ.. لا تخافي يا أمَّاه! لا يَحْدُث لك شيء. ياربِّ! احفظ أمي، وأطِلْ بقائها بالصحة والعافية، حتى أراها في الدنيا.. آمين..!

***

فَجْأةً! صَرَخَتْ أمي وخرجتْ من فمها "الله"، فبكَيْتُ معها، تعجبت لما أنني أسمع بكائي مع صُرَاخ أمي-كما سمعتُ أحداً يقول: "الحمد لله". كنتُ أسمع هذه الكلمات طَوَالَ هذه الْمُدَّة في أصوات الملائكة.. ولكن هذه المرة ليست هي أصواتهم! فمن هم؟ لماذا هم مبسوطون بهذا الحدِّ؟ وأمي؟ وأين هي الآن؟

ثم سمعت واحداً يقول: احتَضِني ولدَكِ.. وشُوْفِي مولودكِ الجميل الوَسِيم، وَهَبَكِ الله ولداً بارِعَ الِجَمَال! شُفْتُ أمي في هذه المرة، كنت في بطنها قبل قليل، وما تألَّمتْ!

ولكنّ الآن ارتسمتْ في وجهها بَسْمَةٌ عريضةٌ، وأصابها فرحٌ غامِرٌ؛ شاهدتُ ضحكة الملائكة-وهي ضحكة حسنة، وضحكة أمي أحسن وأحلى، ضحكاتُ الملائكة نورانية، وضحكاتُ أمي جَنَّتية..!

لم تقدِر أمي أن تحتضنني، رأتني ومسَحتْ على رأسي بيَدَيها الحانِيَتين،كم مسحني الملائكة! وكم دلَّلوني! وكم مَسْحَةُ أمي وتدليلُها! بينهما فَرْقٌ شاسعٌ! فحاولتُ أن أضحك من رُؤْية أمي، ولا أستطيع ذلك الآن،بل أقدر أن أبكي، فجعلتُ أبكي؛ وكان الملائكة عَلَّموني اليمين والشِّمال، وقالوا: متى جئتَ إلى الدنيا أُذِّن في أُذُنِك الْيُمْنى وأُقِيم في أُذُنك الْيُسْرى.

كنت لاأدري الأذان والإقامة، ولكن صدق ما قالوا، أُذِّن وأُقِيم في أُذُنَيَّ، فتوقَّف بكائي، استمعتُ للأذان والإقامة، ما أحلى الكلمات! وما أحسنَها!!

بينما كنتُ في بطن أمي، كنت لا أعرف الليل والنهار، وأما الآن فأعرفها.

***

أمي ضعيفة ومُنْهَكَةٌ، حيث لا تستطيع أن تنهض وتتحرَّك بسُهولة.. فراحتْ تنظرُ إليَّ ثم قالتْ: "أمي! ارفعني وأَجْلِسيني، أحتضنُ ولدي، فأقبلتْ واحدةٌ تُشْبهُ أمي بالمرَّة.

أَيْوَه! هذه أمها! فتذكَّرتُ قَوْلتَه القديمة التي قالت يوماً:

أمي! لو مِتُّ أنا من هذا، أتَمناَّكِ أن تُرَاعي ولدي، واعطِفي عليه، وربِّيه تربيةً حسنةً.. وهكذا.."

فأجلسَتْ تلك المرأةُ العطوفُ باهتمامٍ وحَذَرٍ بالِغَين، ثم أخذتني فوضعتْني في حِجْر أمي، فضَمَّتْني إلى صدرها وقبَّلتْ بين جَبْهتيَّ قُبْلةً عميقةً، وخرجتْ من قعر فؤادها كلمة "الحمد لله"، وهي كلمة سمعتها في عالم الأرواح. ما أعذَبَ هذه الكلمة!

سمعتُ من الملائكة أن حِضْن الأم دافئ وناعِمٌ ومُريحٌ، فمتى أخذتني أمي في حضنها انقطع بكائي، وهي تنظر إليَّ بعينٍ يملؤها الفرح والسرور، أُراها قد اطمأنتْ بي كثيراً وسعِدَتْ، وأنا أيضاً أَرْنُوْ إليها باستغراب، أريد أن أنادي: أمي! أمي! ولكن لاتخرج مني إلا أَنَّاتُ الصِّبْيانِ الرُّضَّع:وا!.. وا!..

فمسحتْ أمي على رأسي وتُدَلِّل عليَّ فتقول: لا تبكِ يا ولدي، لا تبكِ!

فاستغربتُ وقلتُ: لاأبكي يا أُمَّاه! إنما أنا أُناديكِ. رغمَ كلِّ ذلك، لا أستطيع الآن إلا البكاء.

*****

-د -

بينما كنت في حضن أمي، إذ قام امرؤ بين يدَيها، فقالت: أصبحتَ أباً، أفلا تحتضن ابنَك! فتذكرتُ كلمة "الأب" سمعتها من الملائكة. وقالت: أن أمي تعرِّفني به، فها هو ذا!

أبي يريد أن يحتضن، ولكنه يخاف! أمي لم تكُن تفعل كذلك، فلما يخاف هو؟ فرفعتني أمي إلى أبي بِحَذَرٍ شديد ونَبَّهَتْ: خُذْه بحَذَر حتى يقعّ. ما لها تَحْذرين عليَّ!

فغلب عليَّ الضحك، وتحوَّل الضحك إلى البكاء.. وا.. وا..!! فارتاع منه الأب، وخاف أمي أكاد أقع من حِجْره، فردَّني إلى حضن أمي بسُرْعة، وهي أيضا أخذتني وقالت: عندما يكبُر قليلاً تستطيع أن تحمله.

فتغيّر لون أبي قليلاً، وأردت أن أقول حينئذ: ما بكيتُ يا أبتي! كنت ضحكتُ، وكلن ضحكي يتحول بكاءً!.
ومنذ ذلك الحين أرى أبي مرة أو مرتين يومياً.. متى صَحَوْتُ من النوم رأيت أمي، ولو لم أرها أرها أريد أن أُنادي: أمي! أمي! ولكنه يتحول إلى بكاء وصُرَاخٍ:وا.. وا..!

ثم تُهْرَع إليَّ أمي وحملتني في حضنها، وسقتني لبنا من صدرها، وهو لبن طازَجٌ شَهِيٌّ، ما أعذبه! وما أطْيَبه! من أين يأتي هذا اللبن! من الجنة! حدَّثني الملائكة أن في الجنة نهر اللبن! وهل هذا يأتي من ذلك؟

***

حينما كنت في بطن أمي كانت الملائكة تُصاحبني، وكانت صحبتهن تحلو لي، ولما أتيتُ إلى الدنيا لم أرَ هنّ، فرأيت اليوم الملائكة، فطابتْ نفسي، كنت نائماً في الْمَهْد، لما رفعتُ بَصَري، رأيتُ الملائكة فضحكتُ، ولم يتحوَّل هذا الآن إلى البكاء، فلما شاهدتني أمي أضحك سُرَّتْ كثيراً، حتى ضمَّتْني إلى صدرها وقبَّلتْ بين جبهتيّ، قالت: ابني رأى الملائكة، فيُضاحكون!

تعجبَّتُ: هل رأتْ أمي أيضا الملائكة! وهل يراهم الكبار؟

***

قال أبي يوماً: شُوْفي! ابني يُناديني أولاً، ردَّت أمي ضاحكة: لِمَ! من تحمَّل هذا الأذى! ابني يناديني أولاً.
كنتُ أسمع كلامهما وأفهمه، ولكن لا أستطيع أَرُدَّ عليهما بل أستطيع أن أبكي، نعم أستطيع الآن أن أضحك أيضاً.

*****

-هـ-

ذات يومٍ كنت نائماً في المهد، فجاءني ذلك الملك-الذي صحِبْتُه مدة طويلة-قلتُ له: لماذا لاتأتيني الآن، فإني ابتُليتُ بمصيبة كبيرة!

قال الملك: ما هي؟

قلتُ: من أُنادي أولاً؟ أمي أو أبي؟ ما ناديتُ أحدهما أولاً إلا ويتأذَّى به الآخَرُ!

قال الملك: نادِ من بَدَا لك! ولابأسَ. فاخترتُ أن أُنادي أمي لما تحملتْ من عناء ومَشَقَّة!

فقال الملك: هل نسِيتَ الله! وهل نسيت جَلْسَة الأرواح، من مَنحك لأبيك وأمك! ومن أعطاك أباك وأمَّك! أليس الله قد أعطاك ووَهَبَك كُلَّ هذه الأشياء؟

-بلى!! فهمتُ أيها الملك، أذكر الله تعالى وأشكره قبل كلِّ شيء.
عجيب! قد تعجَّب أبي وأمي، وقالا بمرة واحدة: "الله".
سمعت أبي يقول : ولدُنا نطَق بــ "الله"! فرحتْ أمي، وسُرَّ أبي، فضَمَّتْ أمي إلى صدرها.
قال أبي: أنا أُوَزِّع اليومَ الْحَلْوى بمناسبة هذه الفرحة.

***

على كلٍّ؛ لما أكبُر، فهل أنسى كلَّ هذه الأشياء؟ هل أنسى عالم الأرواح، جَلْسَة الأرواح، الملك النوارني، بطن أمي وحضنها، ونطقي الأول بكلمة "الله"؟
لا.. لن أنساها ما دُمتُ حياًّ، ولاينبغي أتغافل عنها إطلاقاً.
اللهم إني أسألك التوفيق والسَّداد، والثَّبَاتَ والرَّشاد. آمين!

************

نقله إلى العربية-
نجيب الله الصديقي
خادم الطلبة
بمدرسة المنهل القومية النموذجية، أترا، داكا، بنغلاديش.
(12/5/1436هـ- 2/4/2015م صباح الثلاثاء)

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016