الاستعمار الغربي والروسي وجرائم الحرب في البلاد الإسلامية

تكالبت القوى العالمية والدول المستعمرة بما فيها روسيا والولايات المتحدة الأمريكية على الأمة الإسلامية، فشنت هجوما غير إنساني على عدد من الدول الإسلامية، فلم ترحم طفلا ولا تركت شيخا ولا عجوزا إلا استهدفته، ولم تترك بيتا ولا مركزا صناعيا وثقافيا مهما إلا قصفته، فترى طائراتهم الحربية تمطر قنابل وصواريخ على المدنيين ليل نهار فتقتل العشرات من الأطفال والشيوخ والنساء في آن واحد، وتنال من البنى التحتية بأشد الأسلحة فتكا ودمار؛ كل ذلك تحت كلمة "الإرهاب" التي استحدثتها هذه الدول لاستعمار العالم الإسلامي من جديد خاصة بعد حادثة 11 من سبتامبر، الحادثة التي لم يزل يكتنفها الغموض والضبابية.

عندما شعر قادة القوى الغربية والشرقية بالخطر الداهم الذي كان ينتظرهم من الصحوة الإسلامية المتمثلة في الأحزاب والحركات الإصلاحية والدعوية والجهادية، والتي ظهرت أخيرا ضد الأنظمة القمعية العميلة العلمانية المدافعة عن المبادئ الغربية ومصالحها، تصورا هيكل الخلافة الذي كان يوما عدوهم الأول، وحصن الإسلام الحصين، والسد المنيع أمام طوحاتهم ومخططاتهم التدميرية، فلم يبق أمامهم إلا تجنيد قواهم العسكرية لاستعمار العالم الإسلامي من جديد، وكان إعلان بوش الحرب صليبية إعلانا صريحا على أن هذه الحرب فوق الكلمة التي استحدثوها وهي الإرهاب وأن الكلمة تعني الإسلام بمعنى الكلمة. ولكن الاستعمار الأمريكي بعد احتلال العراق وأفغانستان وليبيا وعدد من الدول الأخرى شهدت مقاومة شرسة من المجاهدين، وباءت مخططات الدول الغربية بعد صمود الحركات الجهادية بالفشل، فخرجت وهي تجر أذيال الخيبة، وعندما بدت طلائع الصحوة الإسلامية في سوريا وقاربت النجاح، وعجزت الولايات المتحدة من تطميع المجاهدين ومن أن تستخدمهم في صالحها وتجعلهم ألعوبة بين يديها، أوعزت إلى روسيا باحتلال سوريا لتتدراك ما فاتها، ولتكمل الأهداف الاستعمارية الشرقية والغربية.

منذ أكثر من شهرين والاحتلال الروسي يقصف المدن والقرى في سوريا بشكل ممنهج وبوحشية وهمجية تذكرنا بالمجازر التي ارتكبتها روسيا في الدول الإسلامية الخاضعة لسيطرتها في القرن المنصرم.

جاء الاحتلال الروسي بعد أن أيقن النظام السوري بسقوطه، وعجز كثير من الدول المساندة للنظام عن الدعم العسكري والإنساني، فجاء ليقوي شوكة هذا النظام المتهالك، ويثبت عرشه المتهاوي، ويزيد في عمره لیتمکن من تدمير البنى التحتية وإبادة أكبر عدد ممكن من السوريين المتمسكين بإسلاميتهم. تجرّب روسيا الآن أحدث الأسلحة وأشدها فتكا ودمارا والتي استعمالها محظور دوليا، كل ذلك بعنجهية وغطرسة وبشكل يومي ومتواصل، وبتخاذل دولي وتواطؤ غربي وعجز عربي وإسلامي. وقد يكون رد الفعل من الدول العربية إلى حد الإدانة أو الحياد، وترى دولاعربية أخرى تشارك في إبادة الشعوب وتلطخ يدها بدماء شعوبها.
وتحديدا هذا الاستهداف السيئ والمقيت وهذا التواطؤ الشرقي والغربي لا ينال إلا من الاتجاه الخاص الرافض للحضارة الغربية وقيمها، الاتجاه الذي يصطبغ بصبغة العقيدة الإسلامية الصحيحة المتمثلة في الحركات الجهادية المدافعة عن كيانها ووجودها، مما يشير أن هناك اتفاقا وراء الستار لاستهداف مكوّن خاص بالتحديد. وإن كان هناك خلافات بين القوتين المتصارعتين المتغطرستين الشرقية التي تمثلها روسيا والغربية التي تمثلها الولايات المتحدة في تقاسم هذه البلاد المتقطعة الممزقة إلا أن هناك اتفاقا لاستئصال هذا المكون تحت ذرائع كثيرة من أهمها الإرهاب وتصفية الأرض من المتطرفين والإرهابيين على حد زعمهم. وقد كتب أحد مفكريهم : "إن الصراع الحالي ليس ببساطة ضد الإرهاب، ولكنه ضد العقيدة الإسلامية الأصولية، التي تقف ضد الحداثة الغربية وضد الدولة العلمانية، وهذه الأيديولوجية الأصولية تمثل خطرا أكثر أساسية من الخطر الشيوعي، والمطلوب هو حرب داخل الإسلام، حتى يقبل الحداثة الغربية والعلمانية الغربية والمبدأ المسيحي "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله". إذن الصراع هو ضد الإسلام، ضد العقيدة الإسلامية الأصيلة، العقيدة التي تثير في قلب صاحبها الاشمئزاز تجاه القيم الغربية، وتجاه الاتجاهات والدول العلمانية التي تدافع عن كيان الغرب ووجوده.

إن هذه الحرب الكونية الكبرى التي تستهدف العالم الإسلامي الآن بالتحديد وتنال من وجوده يمكن أن تترك تبعات سيئة على مستقبل الشرق الأوسط وبالأخص الدول التي تتمتع بشعوب حية الضمائر، بشعوب يقلقها استعمار بلادها واستغلال مواردها، والتي تطالب استعادة حريتها وكرامتها، ولا يركعها تهديد المستعمرين ولا يصرفها كيد الكائدين ولا يخوفها ما يمطرونها من الأسلحة الفتاكة المدمرة على رؤوسها، وهذه الحرب يمكن أن تبيد نفوسا أكثر، وتغير خريطة كثير من البلاد الإسلامية حسب رغبات وتطلعات الدول الأمريكية والروسية، ولعل المستقبل ـ لا قدر الله ـ يشهد جرائم إبادة أكثر وتهجيرا قسريا أكبر لتغيير الخريطة التي يتمناها الغربيون والمستعمرون.

ههنا يتساؤل كل مسلم غيور حي الضمير، ماذا واجبه تجاه هذه المحن والأزمات، وماذا يمكن له أن يقدم لبني جلدته الذين يحترقون تحت القصف الروسي أو الأمريكي، وإلى أين سيكون مصير هذه البلاد المستهدفة؟

ولا شك أن المسؤولية أولا تتوجه إلى الدول الإسلامية التي تمتلك قوة الدفاع، إذن هل عملت بواجباتها تجاه هذه الأزمات؟ وهل طالبت الدول المستعمرة لإيقاف هذه المجازر؟ ولا شك أن كثيرا من الدول الإسلامية تلعب دورا كبيرا لإيقاف هذه الحرب المفضوحة، ولكن المشكلة أنها دائما تتكأ على القوى الغربية وتلتمس منها المساعدة، بينما ليس بينها أي اتفاق أو اتحاد لحل الأزمات!

ولا شك أن توسل قادة الدول الإسلامية إلى القوى الشرقية والغربية لن يثمر شيئا، بل قد يزيد النار اشتعالا، وقد أثبت الغرب والشرق إخلاصهما، وظهر للقادة أنهم تهمهم مصالحهم أكثر فأكثر، وقد يعدون بعض االدول الإسلامية بحل المشكلة، فإذا خلف الستار يخططون لتدمير تلك الدول، ويستهدفونها من الخلف بخنجر مسمومة. إذن ليس الحل أن نتوسل إلى الغرب والشرق، وليس الحل أن نتقاتل ونتناحر، ويبيد بعضنا بعضا تحت مسميات استحدثتها الدول المستعمرة لإبادتنا، بل الحل الأمثل أن تتفق الدول الإسلامية على بعض الكليات المشتركة، وتوحد كلمتها تجاه الأزمات والتحديات التي تستهدف جميع المكونات الموجودة في الشرق الأوسط، وتقف تجاه عدوها المشترك وقفة صادقة مخلصة.

إن الأسلوب التدميري سواء كان من قوى الشرق أو الغرب أو من الفئات المتصارعة بين السنة والشيعة ليس الحل أبدا، ولا يزيد هذا الأسلوب النار إلا اشتعالا، كما هو مشهود اليوم على الساحة، إذن فليجلس عقلاء العالم الإسلامي على طاولة المفاوضة والحوار، ويبادروا إلى إيقاف هذه المجازر البشعة التي لا تنفع إلا الاستعمار الغربي، وإلا الدول المستعمرة.

وعلى الشعوب الإسلامية شرقا وغربا أن تدفع عنها غبار الكسل، وتتوب إلى الله تعالى وتتضرع إليه، وتشارك إخوانها في دعواتها، (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا. الآية.) لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، وما ذلك على الله بعزيز.

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016