الحج عبادة ومدرسة تربوية

 سماحة الأستاذ المفتي محمد قاسم القاسمي
أستاذ الحديث والإفتاء بجامعة دار العلوم زاهدان

 

الحج ركن من الأركان الأربعة العملية للإسلام فرضه الله وأوجبه على من استطاع إليه سبيلا، الحج عبادة و مدرسة تربوية مستقلة وقد خص الله سبحانه الحج بفضيلة عظيمة لم ترد لأي عبادة أخرى من الصلوة والصيام والزكوة إذا وفّى الحاج الشروط وراعى الآداب والتزم بها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من حج فلم يفسق ولم يرفث رجع كيوم ولدته أمه" فالحج المبرور ولادة جديدة كان الحاج يستأنف الحياة من جديد.

فطوبى لمن أدركته عناية الله وقبل حجه وتوبته؛ وهذا من فضل الله سبحانه على المسلمين المعاصرين إنه سيّر لهم طريق الحج وبينما كان المسلمون في قديم الزمان يتجشمون المشاق ويركبون الأهوال أو المخارف حتى يصلوا إلى الحرمين الشريفين ويتشرفوا بالحج والعمرة وزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وكم من عباد صالحين كانوا يتنمون الحج ولكن لم تتوفر لهم الأسباب فلم تتحقق أسمى أمانيهم في حياتهم حتى انتقلوا إلى رحمة الله وفارقوا الحياة؛ أما اليوم نرى ملايين من الرجال والنساء يصلون إلي بيت الله الحرام عبر ساعات قليلة.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى شيء يؤسف وذلك أن كثيرا ممن يتشرفون بالحج لا يعرفون حقيقة الحج ولا يحصلون على معانيه السامية وهذا الذي ينبغي أن يتنبه إليه أهل العلم والفكر وخواص الأمة؛ يقول الإمام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي: "اعلم أن حقيقة الحج اجتماع جماعة عظيمة من الصالحين في زمان يذكر حال المنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ومكان فيه آيات بينات قد قصده جماعات من أئمة الدين معظمين شعائر الله، متضرعين راغبين وراجين من الله الخير وتكفير الخطايا، فإن الهمم إذا اجتمعت بهذه الكيفية لا يتخلف عنها نزول الرحمة والمغفرة وهو قوله صلي الله عليه وسلم: ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة". الأركان الأربعة نقلا عن حجة الله البالغة.
ويقول الداعية المفكر الإمام السيد أبو الحسن الندوي.
"ومن مقاصد الحج الرئيسية تجديد الصلة بإمام الملة الحنيفية ومؤسسها إبراهيم الخليل والتشبع بروحه والمحافظة على إربه والمقارنة بين حياتنا و حياته، وعرضها عليها واستعراض ما يعيش فيه المسلمون في العالم، وتصحيح ما وقع في حياتهم من أخطاء أو فساد أو تحريف، وإعادة ذلك كله إلى أصله ومنبعه، فالحج عرضة سنوية للملة تضبط أعمال المسلمين وحياتهم يتخلصون بها من نفوذ الأمم والمجتمعات التي يعيشون فيها." ( الأركان الأربعة 219)

ويقول الإمام المفكر بشأن مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم: "وكان من الطبيعي بعد ذلك كله أن يحنّ المسلم لا سيما الوافد من مكان بعيد إذا قضى حاجته وأدّى مناسكه إلى مهجر خاتم المرسلين ومثواه الأخير ومأزر الإسلام إلى المسجد الذي انبثق منه النور، وانطلقت منه موجة الهداية والعلم،إلى المدينة التي آوى إليها الإسلام وأقبل ترابها بدموع الصحابة رضي الله عنهم ودمائهم".
فيصلي في المسجد الذي تعادل ركعة فيه ألف ركعة في غيره ويقف في مواقع وقف فيها الشهداء والصديقون والسابقون الأولون فيستمد منها الصدق والإيمان والحب والحنان والبطولة والشهادة في سبيل الإسلام ويصلي ويسلم على هذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج بدعوته و جهاده من الظلمات إلى النور و من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها وذاق لأول مرة حلاوة الإيمان وعرف قيمة الإنسان. ( الأركان الأربعة/ 229)

هنالك ينبغي أن يفكر العلماء و المصلحون إلى أي مدًى تتجلى هذه المعاني في الحج وإلى أي مدًى تشاهد هذه الحقائق في حياة الحجاج.
ولا ريب أن الأرض لا تخلو من عباد الله الصالحين وإنه يوجد جموع الحجاج الحاشده ورجال صالحون ونساء صالحات يأتون من كل فج عميق.
فيلتزمون بالأداب ويغتنمون الفرص ويعبدون ربهم ويسيلون الدموع حول بيت الله الحرام و يبتهلون إلى الله فتراهم ركعا، سجدا وطائفين وعاكفين.
ولكنهم قليلون بالنسبة إلى الكثرة الكاثرة من الحجاج، وهذا الذي يولم القلوب ويشوش الخاطر؛ ومع الأسف ترى كثيرا ممن تمنوا الحج وقطعوا المسافات الشاسعة وأنفقوا أموالا باهظا حتى وصلوا إلى الديار المقدسة ولكن الغفلة لم تفارقهم فيضيعون أوقاتهم إما للشراء في الأسواق أو النوم في الفنادق المريحة أو المحادثة والكلام أو تشغلهم الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي فأجسامهم في المسجد الحرام وأرواحهم في عالم آخر.
وهذه هي الظاهرة المولمة التي ينبغي للعلماء في كافة البلاد أن يتفكروا لإصلاحها.
وفيما يلي اقتراحات بهذا الشأن :

1- ينبغي أن يهتم العلماء سيما أهل القلوب منهم بتعليم الحجاج وتوجيهم وتلقينهم وتبصيرهم وتوعيتهم، ويخصصوا لهم جلسات لهم يبينون لهم حقائق الحج وآدابه وأهمية أدب المكان واغتنام الفرصة وكيفية الدعاء في ضوء الكتاب والسنة ويحذروهم من تضييع الأوقات والأعمال التي لا تليق بشأن الحجاج. ولا يكتفون بما تبرمجه المنظمات الحكومية .
2- ينبغي أن يرافق الحجاج طائفة من العلماء العاملين المخلصين أهل التجارب لتذكير الحجاج أثناء رحلتهم إلى أن يعودوا إلى ديارهم.
3- ونقترح على الدولة السعودية والمعنيين بشأن الحج في تلك البلاد أن يسمحوا لعلماء البلاد بالوعظ والإرشاد لحجاج بلدهم حتى يخاطبوهم بلغاتهم في أوقات خاصة.
ومما يؤسف أنهم لا يسمحون لأحد إلا لطائفة خاصة يتكلمون باللغة العربية وأحيانا بالأردية وهذه الطائفة أيضا لا يتكلم إلا حول مسائل قليلة خلافية فيها آراء للعلماء الآخرين بينما الحجاج جميعا بحاجة إلى التذكير والتبصير.
وعلى كل؛ توجب الأوضاع الراهنة على أهل العلم أن يلفتوا أنظارهم إلى الحج والحجاج كي لا تفقد الروح الحقيقي من الحج وأعماله ولا يتحول الحج (لا قدر الله) إلى أعمال وتقاليد فارغة أو يغلب على الحج طابع النزهة والتجارة والانشغال بالدنيا ومظاهرها الجوفاء والمادية الرعناء وشئون السياسية والاجتماع، إذن لا يعود الحجاج إلى بلدهم تائبين صالحين، يحملون أنوار اليقين والعبادة والأعمال الصالحة؛ ولا يؤثرون في الآخرين فلا يحدث تغيير إيجابي في حياتهم فيحرمون بركات الحج وروحه فيكون ذلك ماسأة في حياة الأمة كما ونخشى أن ينزل عقاب الله على أهل الغفلة والبطالة والذين يكتفون بالصورة دون الحقيقة والله من وراء القصد.
حسبنا الله ونعم الوكيل.

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016