تحقيق وجوب الرجم على المحصن

سم الله الرحمٰن الرحیم

ثم إن وجوب الرجم علیٰ المحصن کلمة إجماع فیما بین المسلمین، ولم یخالف فیه أحد من العلماء الذین یعتد بخلافهم، إلا ما حکی عن بعض الأزارقة من الخوارج، وسیأتی تحقیق ذلك إن شاء الله تعالیٰ.
لکن قامت طائفة فی زماننا ممن ینکرون حجیة السنة، أو یخضعن لکل ما جاء عن أهل الغرب من ضلال، أنکروا وجوب الرجم کحد شرعیّ، وتمسکوا بأن الله تعالیٰ لم یذکره فی القرآن الکریم صراحةً، وإنما المذکور فی القرآن جلد الزانی فقط، فلا ینسخ هذا الحکم بأخبار الآحاد.
وهذا القول باطل خارق للإجماع، ولم ینشأ إلا من عدم الاطلاع علیٰ أصول الاستدلال بالقرآن والسنة، والرد علیه بوجوه :
الأول : أن الرجم ثابت بالقرآن الکریم إشارة، ولم یکن مذکوراً فیه صراحة، کما أسلفنا قریباً.
الثانی : قد حققنا فی شرح حدیث عبادة فی الباب السابق أن حکم الرجم لیس نسخاً لحکم الجلد، وإنما هو زیادة علیه فی صورة إحصان الزانی، فیجب علیٰ المحصن کل من الجلد والرجم غیر أن العقوبة الأعلیٰ تقضی علیٰ الأدنیٰ بکونها مدغمة فیها، لأن الرجم عقوبة تأتی علیٰ النفس، فتقضی علیٰ ما دون النفس، وقد أیدنا هذا القول هناك بدلائل، وبقول الشیخ ولی الله الدهلوی رحمه الله، فراجعه، وحینئذ فلا حاجة إلیٰ القول بالنسخ أو التخصیص.
الثالث : إن تخصیص العام لا یعد نسخاً عند الجمهور، فیجوز تخصیص حکم القرآن بأخبار الآحاد عندهم، وأما الحنفیة فالتخصیص قسم من أقسام النسخ، فلا یجوز تخصیص القرآن بأخبار الآحاد، ولکنه یجوز عندهم بالأخبار المشهورة والمتواترة، کما تقرر فی أصول الفقه.
وغایة ما فی الباب أن تکون أحادیث الرجم مخصصة لحکم سورة النور، ویجوز هذا التخصیص عند الجمهور بأخبار الآحاد، وعند الحنفیة بالأخبار المشهور والمتواترة، وإن أحادیث الرجم متواتراً معنیً، فیجوز تخصیص حکم الجلد بها بالإجماع بین الجمهور والحنفیة.
تواتر أحادیث الرجم :
وکون أحادیث الرجم متواترة المعنیٰ قد صرح به غیر واحد من المحدثین والفقهاء، کابن الهمام فی فتح القدیر 5 : 13، والآلوسی فی روح المعانی 10 : 89، والشیخ ولی الله الدهلوی فی کتابه المعروف “حجة الله البالغة” 2 : 158.
وتتبعت بنفسی أحادیث الرجم فی الکتب المتداولة، فوجدت أنها مرویة عن اثنین وخسین صحابیاً، وسیتبین لك ذلك بالجدول الآتی، الذی ذکرت فیه اسم کل صحابی، مع خلاصة ما رواه، والکتاب الذی أخرج فیه حدیثه.

اسم الصحابی رضی الله عنهم أجمعین خلاصة ما رواه الکتب المخرج فیها حدیثه
1. أبو بکر الصدیق واقعة ماعز مسند أحمد 1 : 8
2. عمر بن الخطاب رجم رسول الله ﷺ صحیح البخاری، باب الاعتراف بالزنا وغیره
3. عثمان بن عفان حلة دم الزانی المحصن، ورجمه الدارمی، باب ما یحل به دم مسلم، 2 : 93 رقم 1302، وسنن النسائی، کتاب المحاربین، الحکم فی المرتد 2 : 161
4. علي بن أبی طالب الرجم بسنة رسول الله ﷺ صحیح البخاری، باب رجم المحصن، ومسند أحمد 1 : 121
5. عائشة أم المؤمنین 1۔ حکم الزانی المحصن الرجم صحیح مسلم، القسامة، باب ما یباح به دم المسلم، وأبو داود، باب الحکم فیمن ارتد ص : 598، والحاکم 2 : 367، الأماء المبهمة للخطیب البغدادی ص : 361، رقم : 177
  2۔ قصة الغامدیة  
     
6. عبد الله بن مسعود إباحة دم الزانی المحن البخاری، کتاب الدیات، باب النفس بالنفس، ومسلم، کتاب القسامة، ما یباح به دم المسلم
     
7. أبو أمامة ابن سهل 1۔ إباحة دم الزانی المحصن مشکوة المصابیح، کتاب القصاص معزیا إلیٰ الترمذی والنسائی
    مصنف عبد الرزاق 7: 321 رقم : 13339
  2۔ واقعة ماعز  
8. أنس بن مالك 1۔ إباحة دم الزانی المحصن مجمع الزوائد 6 : 260 وعزاه إلیٰ الطبرانی
  2۔ رجم رسول الله ﷺ مجمع الزوائد 6 : 264، والمطالب العالیة 2 : 116 رقم : 1812 عزواً إلیٰ أبی یعلیٰ
    مجمع الزوائد 6 : 268 عزواً إلیٰ الطبرانی
  3۔ واقعة الغامدیة  
     
9. جابر بن عبد الله 1۔ واقعة ماعز صحیح البخاری، باب رجم المحصن
  2۔ واقعة رجم الیهودیین أبو داود، باب رجم الیهودیین، وصحیح مسلم
  3۔ واقعة الغامدیة مستدرك الحاکم 4 : 363
  4۔ إباحة دم الزانی الثیب مجمع الزوائد 6 : 252
  5۔ رجم رجل لا یعرف اسمه أبو داود، باب الرجم ص : 609
     
10. عبد الله بن أبی أوفیٰ 1۔ رجم رسول الله ﷺ صحیح البخاری، باب رجم المحصن
  2۔ واقعة الیهودیین مسند أحمد 4 : 355
11. أبو هریرة 1۔ واقعة ماعز صحیح البخاری، باب لا یرجم المجنون
  2۔ واقعة العسیف صحیح البخاری، باب الاعتراف بالزنا
  3۔ واقعة الیهودیین صحیح البخاری،أبو داود، باب رجم الیهودیین ص :611
12. عبد الله بن عمر واقعة الیهودیین صحیح البخاری، باب أحکام أهل الذمة 2 : 1011
13. عبد الله بن عباس 1۔ خطبة عمر فی الرجم صحیح البخاری، باب الاعتراف بالزنا
  2۔ واقعة الیهودیین مستدرك الحاکم، 4 : 65 ومسند أحمد 1 : 261
14. زید بن خالد واقعة العسیف صحیح البخاری، باب الاعتراف بالزنا
15. عبادة بن صامت رجم الزانی الثیب صحیح مسلم، باب حد الزنا
16. جابر بن سمرة 1۔ واقعة ماعز صحیح مسلم، باب رجم الثیب
  2۔ واقعة الیهودیین مسند أبی داود الطیالسی ص : 105، رقم : 775
17. أبو سعید الخدری واقعة ماعز صحیح مسلم، باب رجم الثیب، وأبو داود، باب الرجم
18. عمران بن حصین 1۔ واقعة الغامدیة صحیح مسلم، باب رجم الثیب، وأبو داود، باب الرجم
  2۔ رجم رسول الله ﷺ مسند أحمد، 4 : 437
19. البراء بن عازب واقعة الیهودیین صحیح مسلم، باب رجم الثیب، وأبو داود، باب الرجم
20. بریدة بن الحصیب 1۔ واقعة ماعز صحیح مسلم، باب رجم الثیب، وأبو داود، باب الرجم
  2۔ واقعة الغامدیة سنن الدارمی 2 : 100، وأبو داود، باب الرجم
21. نعیم بن هزال واقعة ماعز أبو داود، باب الرجم
22. نصر بن دهر الأسلمی أیضاً سنن الدارمی 2 : 68 رقم : 2323، ومسند أحمد 3 : 431
23. معقب بن عمرو الأسلمی أیضاً طبقات ابن سعد 4 : 320 والإصابة 3 : 422 ترجمة معقب
24. أبو الفیل الخزاعی واقعة ماعز الإصابة 4 : 155، وعزاه إلیٰ ابن السکن، والکنیٰ والأسماء للدولابی ص : 48
25. عبد الله بن جبیر الخزاعی أیضاً أسد الغابة 5 : 274، ترجمة “أبی الفیل”
26.صحابی لم یسم بروایة عبد العزیز بن عبد الله القرشی أیضاً مجمع الزوائد، 6 : 267، باب اعتراف الزانی، ومسند أحمد 4 : 60 و 66 و 5 :374 و 378
27. سهل بن سعد 1۔ أیضاً مسند أحمد 5 : 339، ومجمع الزوائد 6 : 368
  2۔ رجم رجل لم یسم سنن الدارقطنی 3 : 99 و 169
  3۔ رجم الحبلیٰ من المقعد کنز العمال 3 : 89 وعزاه إلیٰ بن النجار
     
28. أبو ذر الغفاری 1۔ واقعة الغامدیة مسند أحمد 5 : 178
  2۔ واقعة ماعز مسند أحمد 5 : 102
29. أبو برزة الأسلمی واقعة ماعز مسند أحمد 4 : 423، ومجمع الزوائد 6 : 278، وعزاه للطبرانی
30. أبو بکرة واقعة الغامدیة أبو داود، باب المرأة التی الخ، ص:610
31. خزیمة بن ثابت أیضاً الإصابة 1 : 427، ترجمة 22 : 63 وعزاه لابن شبه
32. خزیمة بن معمر الأنصاری أیضاً مجمع الزوائد 6 : 265 باب هل تکفر الحدود، وعزاه للطبرانی
33. یزید بن طلحة التیمی واقعة الغامدیة مسترك الحاکم 4 : 364
34. اللجلاج رجم رجل لم یسم أبو داود، باب الرجم ص : 609، ومسند أحمد 3 : 479
35. سلمة بن المحبق یرجم الزانی الثیب مسند أحمد 3 : 476
36. قبیصة بن الحریث أیضاً مجمع الزوائد 6 : 264، باب نزول الحدود
37. عمار بن یاسر أیضاً مجمع الزوائد 6 : 253 باب لا یحل دم امرئ مسلم الخ
38. زید بن ثابت أیضاً مستدرك الحاکم 4 : 360 من کفر بالرجم الخ
39.عمرو بن العاص أیضاً أیضاً
40. أبی بن کعب أیضاً سنن البیهقی 8 : 211، ومستدرك الحاکم 4 : 359
41. العجماء أیضاً تلخیص الحبیر 4 : 51 حدیث 1745 وعزاه للطبرانی
42. النعمان بن بشیر الرجم بالزنی مع جاریة زوجته أبو داود، باب الرجل یزنی بجاریة امرأته ص : 612
43. وائل بن حجر قصة التی استکرهت علیٰ الزنا جامع الترمذی، باب المرأة التی استکرهت علیٰ الزنا
44. شبل واقعة العسیف سنن الدارمی 2 : 98 باب الاعترف بالزنا
45. عبد الله بن الحارث بن الجزء واقعة الیهودیین مجمع الزوائد 6 : 271 باب رجم أهل الکتاب
46. عبد الرحمان بن عوف خطبة عمر رضی الله عنه مسند أحمد 1 : 29 مسندات عمر بن الخطاب
47. أبو واقد اللیثی رجم عمر بالجابیة سنن البیهقی 8 : 215، باب ما یستدل به علیٰ شرائط الإحصان
48. عبد الرحمان بن غنم تأخیر رجم الحبلیٰ إلیٰ أن تضع ابن ماجة آخر حدیث من کتاب الدیات، ص : 193، وجمع الجوامع للسیوطی 1 : 444 وعزاه إلیٰ الطبرانی
49. معاذ بن جبل أیضاً أیضاً
50. أبو عبیدة بن الجراح أیضاً أیضاً
51. شداد بن أوس رضی الله تعالیٰ عنهم أجمعین أیضاً أیضاً
52. عبد الله بن حراد واقعة الغامدیة الأسماء المبهمة للخطیب البغدادی ص : 361 رقم : 177

فهؤلاء اثنان وخمسون صحابیاً رضی الله عنهم أجمعین، قد رووا حکم رجم الزانی الثیب، وهذا بالنسبة إلیٰ تتبعی القاصر، ولا یبعد أن یضاف إلیٰ هذا الجدول أسماء بعد تتبع أبلغ.
ولا شك أن هذا العدد أکثر من عدد رواة کثیر من الأحادیث حکم المحدثون بتواترها، مثل حدیث “أنزل القرآن علیٰ سبعة أحرف”، فإنه مروی عن سبعة وعشرین من الصحا بة، وحدیث “نضر الله امرء سمع مقالتی الخ”، فإنه مروی عن ثلاثین من الصحابة، کما فی وجیه النظر للجزائری ص : 49 طبع المدینة، فلیس هناك أدنیٰ شبهة فی ان أحادیث الرجم متواترة معنیً، وقد ذکر السیوطی فی نوع الثلاثین من تدریب الراوی ص : 374 و 375 أن التواتر فی القدر المشترك من الوقائع المختلفة یسمیٰ تواتراً معنویاً.
ثم قد روینا فی حکم الرجم حدیثاً تواتر لفظه أیضاً، وهو قوله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» وقد صرح المحدثون أن هذا الحدیث متواتر لفظاً، لأنه مروی عن أکثر من ثلاثین صحابیاً بهذا اللفظ بعینه، وراجع فتح الباری 12 : 33، وعمدة القاری 11 : 110، وتکملة شرح المهذب للمطیعی 16 : 400.
وقد اعترض علیه بعض الناس بأن المراد من لفظ «الحجر» فی هذا الحدیث هو الحرمان والخیبة، دون الرجم، لأن الرجم لیس عقوبة لکل عاهر، وإنما هو عقوبة لعاهر محصن، ولکنا قد حققنا فی شرح هذا الحدیث فی کتاب الرضاع من هذا الکتاب أن النبی ﷺ استعمل لفظ «الحجر» فی هذا الحدیث توریة لمعنیٰ الرجم، وإن مثل هذه التوریة لا یتکلف فیها بدقائق قانونیة، أو قیود منطقیة، فلا یخلوا الحدیث من إشارة واضحة إلیٰ الرجم، ومن ثم أخرج البخاری هذا الحدیث فی سیاق أحادیث رجم الزانی الثیب، وبه یظهر نفوذ رأی الإمام البخاری رحمه الله تعالیٰ.
فلما تواتر حکم الرجم لفظاً و معنیً، فلا مانع عند أحد من جعله مخصصاً لحکم سورة النور، حتیٰ عند الإمام ابی حنیفة، ومن وافقه، رحمهم الله تعالیٰ.
تاریخ واقعات الرجم :
وقد ادعیٰ بعض المستغربین من عصرنا أن واقعات الرجم کانت قبل نزول سورة النور، فأحادیث الرجم منسوخة بها، واستدلوا علیٰ ذلك بما أخرجه البخاری فی باب رجم المحصن عن أبی إسحاق الشیبانی «سألت عبد الله بن أبی أوفیٰ : هل رجم رسول الله ﷺ؟ قال : نعم، قلت : قبل سورة النور ، أم بعد؟ قال : لا أدری»وسیأتی عند المصنف فی أواخر باب رجم الیهود.
ولکن هذه الروایة لا تجدی فی أمر التاریخ شیئاً؛ لأن حاصلها أن عبد الله بن أبی أوفیٰ رضی الله عنه لم یکن یعلم تاریخ واقعات الرجم.والتحقیق أن واقعات الرجم کلها، أو أکثرها علیٰ الأقل، قد وقعت بعد نزول سورة النور. لأن سورة النور نزلت فی قصة إفك عائشة رضی الله عنها بعد غزوة بنی المصطلق متصلاً، واختلف المؤرخون فی تاریخ هذه الغزوة، فقیل إنها وقعت فی السنة الثالثة، وقیل : فی الخامسة، وقیل : فی السادسة، وذکر موسیٰ بن عقبة، وهو من أثبت أهل السیر، أنها وقعت فی الخامسة قبل غزوة الأحزاب، ورجحه الحافظ فی الفتح 7 : 232 و 233 بدلائل متعددة، وبه أخذ العینی فی العمدة 8 : 266 وذکر أنه قول الواقدی أیضاً.
فالراجح إذن، أن سورة النور نزلت فی السنة الخامسة من الهجرة، وغایة ما فی الباب أن تکون نزلت فی السنة السادسة. وإن واقعات الرجم کلها وقعت بعد هذه السنة. وتدل علیٰ ذلك دلائل کثیرة :
1۔ إن أول واقعات الرجم واقعة الیهودیین، لما أخرجه عبد الرزاق فی مصنفه 7 : 316 رقم : 330 عن أبی هریرة، قال : «أول مرجوم رجمه رسول الله ﷺ من الیهود» ولما سیأتی عند المصنف أن النبی ﷺ قال بعد رجم الیهودیین : «أللهم إنی أول من أحیا أمرك إذ أماتوه»، ولما أخرجه أحمد فی مسنده 1 : 261 عن ابن عباس أنه قال بعد حکایة قصة الیهودیین : «فکان مما صنع الله عز وجل لرسوله فی تحقیق الزنا منهما».
وقد ذکر صاحب السیرة الحلبیة 2 : 334 أن رجم الیهود وقع فی السنة الرابعة، ولکنه لم یأت علیٰ ذلك بدلیل، وحقق الحافظ فی الفتح 12 : 152 (باب أحکام أهل الذمة) أنه إنما وقع بعد فتح مکة فی السنة الثامنة، واستدل علیٰ ذلك بأنه شهده عبد الله بن الحارث ابن الجزء رضی الله عنه، لأنه یقول بعد حکایة قصة الیهودیین : «فکنت فیمن رجمهما» رواه البزار والطبرانی، کما فی مجمع الزوائد 6: 271. وإن عبد الله بن الحارث إنما قدم المدینة مسلماً مع والده بعد فتح مکة.
قال العبد الضعیف عفا الله عنه : ویؤیده أیضاً أن أبا هریرة کان مع النبی ﷺ حین أتاه الیهود فی هذه القضیة، لما أخرجه ابن جریر فی تفسیر سورة المائدة 6 : 35 عنه، قال : «کنت جالساً عند رسول اللهﷺ إذ جاء رجل من الیهود الخ» وثابت أن أبا هریرة إنما أسلم فی السنة السابعة، فلا جرم أن رجم الیهود إنما وقع بعد السنة السابعة، فلا جرم أن رجم الیهود إنما وقع بعد السنة السابعة.
ویؤیده أیضاً أن الزانیین کانا من أهل فدك، وإن أهل خیبرهم الذین بعثوا بهذه القضیة إلیٰ رسول الله ﷺ کما تقدم فی روایة مسند الحمیدی، فالظاهر أنهم فعلوا ذلك بعد ما جاءت خیبر تحت حمکه ﷺ فی السنة السابعة، وما ذکره الحافظ فی الفتح 12 : 167 عن ابن العربی عن الطبری : «وکانت خیبر حینئذ حرباً» لم أجده فی تفسیر الطبری.وما وجدت له سنداً یعتمد علیه، وإنما ذکره بعض المفسرین بدون إسناد، ویعارضه ما ذکره البخاری أنهم کانوا أهل ذمة، ذکره العینی فی باب الرجم فی البلاط من عمدة القاری 11 : 153 عن ابن الطلاع.
ثم قد أسلفنا عن الحمیدی فی مسنده 2 : 541 أن الذین بعثوا بهذه القضیة إلیٰ إخوانهم من أهل المدینة قالوا لهم : «فإن أمرکم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمرکم بالرجم فلا تأخذوا عنه» وهو یدل علیٰ أن عقوبة الزانی فی الإسلام بالجلد کانت قد الشتهرت حینئذ.وإن عقوبة الجلد إنما عرفت بسورة النور، لأن عقوبة الزانی قبل ذلك کانت حبساً، کما هو مذکور فی سورة النساء. فالظاهر أن هذه الواقعة کانت بعد نزول سورة النور.
وأخیراً، ولیس آخراً، إن آیة سورة المائدة التی ذکرناها فی أول هذا المبحث قد نزلت فی قصة الیهودیین، وإن سورة المائدة من آخر القرآن تنزیلاً. لما رواه السیوطی فی الدر المنثور 2 : 252 عن حمزة بن حبیب، وعطیة بن قیس أن النبی ﷺ قال : «المائدة من آخر القرآن تنزیلاً، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها» وقد ذکر المفسرون أن المائدة نزلت بعضها فی الحدیبیة، وبعضها فی فتح مکة، وبعضها فی حجة الوداع. کما فی تفسیر القرطبی 6 : 30. ویظهر منه أن أقدم ما نزل من المائدة لا یتقدم علیٰ الحدیبیة، وإنها وقعت فی السنة السادسة، فغایة ما فی الباب أن تکون هذه الآیات نزلت بعد الحدیبیة، ولما کانت غزوة بنی المصطلق متقدمة علیها، فإن سورة النور نزلت قبلها.
واعترض بعض الناس الیٰ ذلك بأن قصة الیهود تدل علیٰ أن الیهود کانوا مقیمین إذ ذاك بالمدینة، وقد وقع إجلاء بنی النضیر فی السنة الثانیة، وقتل بنی قریظة فی السنة الخامسة، فلتکن قصة زنا الیهودیین قبل الخامسة، وقبل سورة النور.
ولکن هذا الاستدلال غیر مستقیم. أما أولاً فلأن غایة ما یثبت منه أن قصة زنا الیودیین وقعت بعد قتل بنی قریظة، ولکنه لا یدل علیٰ کونها قبل سورة النور، لأن قتل بنی قریظة وقع بعد وقعة الأحزاب متصلاً، وقدمنا عن موسیٰ بن عقبة أن غزوة بنی المصطلق التی نزلت فیها سورة النور وقعت قبل غزوة الأحزاب.
وأما ثانیاً، فلأن الیهود لم یستأصلوا بعد قتل بنی قریظة من شأفتهم، وإنما قبی منهم بالمدینة بقایا، ویدل علیٰ ذلك ما أخرجه البخاری وغیره أن درع النبی ﷺ کان مرهوناً عند رجل من الیهود عند وفاتهﷺ.
ویقول السمهودی فی وفاء الوفاء 1 : 309 : «إن إجلاء من بقی من طوائف الیهود بالمدینة کان بعد قتل قریظة» ثم ذکر بعد ذلك أن الطوائف الباقیة من الیهود إنما أخرجوا من المدینة بعد السنة السابعة من الهجرة، ولم یزل بیت المدراس باقیاً إلیٰ هذه السنة. ثم ذکر فی موضع آخر من وفاء الوفاء 1 : 163 أن یهوداً من بنی ناغصة لم یزالوا مقیمین فی شعب بنی حرام، حتیٰ نقلهم سیدنا عمر إلیٰ قریب من مسجد الفتح.
فلما ثبت أن رجم الیهودیین أول ما وقع من واقعات الرجم، وأنه وقع بعد السنة السابعة فسائر واقعات الرجم متأخرة عن آیة سورة النور، فلا یمکن نسخها بسورة النور.
2۔ وأما واقعة رجم ماعز رضی الله عنه فلم یثبت لی تاریخها فی شیئ من الروایات الصحیحة. غیر أنه أخرج الحاکم فی مستدرکه 4 : 361 عن ابن عباس فی قصة ماعز : «ثم قال رسول الله ﷺ لمن کان معه : أبصاحبکم مس؟ قال ابن عباس : فنظرت إلیٰ القوم لأشیر علیهم، لم إلیٰ منهم أحد….الخ» مما یدل علیٰ أن ابن عباس کان حاضراً حین جاء ماعز رضی الله عنه إلیٰ النبی ﷺ، وإن ابن عباس جاء إلیٰ المدینة مع أمها فی السنة التاسعة، کما صرح به الحافظ فی الفتح 12 : 106، فیظهر منه أن قصة ماعز کانت فی السنة التاسعة أو بعدها، ولکن روایة حاکم هذه مرویة عن حفص بن عمر العدلی، وقد ضعفه أکثر المحدثین. ورموه بالأوهام فی الأسانید، والاختلاط فی الأسماء، کما فی التهذیب 2 : 410، ومن ثم تعقب الذهبی تصحیح الحاکم لهذا الحدیث، فلا یوثق بهذه الروایة.
ولکن رجم الیهودیین کان قبل قصة ماعز رضی الله عنه کما أسلفنا، فلا جرم أنها وقعت بعد السنة السابعة، وبعد نزول سورة النور.
3۔ وأما رجم الغامدیة فقد ثبت بعدة روایات صحیحة أنه وقع بعد نزول سورة النور، لأنه سیأتی عند المصنف فی هذا الباب فی هدیث بریدة رضی الله عنه أن خالد بن الولید رضی الله عنه رماه بحجر، وإن خالد نن ولید رضی الله عنه إنما جاء إلیٰ المدینة مسلماً فی السنة الثامنة من الهجرة، کما یقول هو بنفسه فی قصة إسلامه : «قدمنا المدینة علیٰ رسول الله ﷺ أول یوم من صفرسنة ثمان» راجع طبقات ابن سعد 4 : 252.
وما قاله بعض المؤرخین أنه أسلم یوم الحدیبیة فی السنة الخامسة فهو وهم، صرح به الحافظ فی الإصابة 1 : 413 وابن الأثیر فی أسد الغابة 2 : 93. ولعل منشأ الوهم انه رضی الله عنه وقع فی قلبه الإسلام عند الحدیبیة، ولکنه لم یتفق له الإسلام إلا فی السنة الثامنة، کما حکیٰ هو بنفسه فی قصة إسلامه، راجع لها البدایة والنهایة 4 : 238 إلیٰ 240 فی واقعات السنة الثامنة. فلعل ذکره الجنوح إلیٰ الإسلام لبس علیٰ بعض الرواة تاریخ إسلامه.
ثم لو سلم إسلامه بعد الحدیبیة علیٰ سبیل الفرض، فإنه یثبت به علیٰ الأقل أن قصة الغامدیة وقعت بعد الحدیبیة، وقدمنا أن سورة النور نزلت فی غزوة بنی المصطلق، وکانت قبل الحدیبیة بکثیر.
ومن هنا صرح غیر واحد من المحدثین أن قصة الغامدیة وقعت فی السنة التاسعة، راجع السیرة الحلبیة 3 : 502 وأوجز المسالك 6 : 13 باب ما جاء فی الرجم.
4۔ وأما قصة العسیف فقد ثبت بعدة دلائل أنها کانت بعد نزول سورة النور :
أما أولاً، فلأن أباه قال للنبی ﷺ : «إن ابنی هذا کان عسیفاً علیٰ هذا، فزنیٰ بامرأته، فافتدیت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالاّ من أهل العلم، فأخبرونی أن علیٰ ابنی جلد مائة وتغریب عام» مما یدل علیٰ أن عقوبة مائة جلدة للزانی کانت مشروعة حینئذ، ولم تشرع هذه العقوبة إلا بنزول آیة الجلدة فی سورة النور، وکانت عقوبة الزنا قبل ذلك الحبس فی البیوت، وقد صرح بذلك ابن عباس حیث قال : «کن یحبسن فی البیوت، فإذا ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت، حتیٰ نزلت هذه الآیة فی النور الزانیة والزانی الخ» أخرجه الطبرانی کما فی مجمع الزوائد 6 : 263، فقول أهل العلم هذا من أثبت الشهادات الداخلیة علیٰ أن هذه القصة کانت بعد سورة النور.
وأما ثانیاً، فإن قصة العسیف شهدها أبو هریرة رضی الله عنه، حیث قال : «کنا عند النبی ﷺ فقام رجل» أخرجه البخاری فی باب الاعتراف بالزنا، وإن أبا هریرة إنما أسلم فی السنة السابعة.
فثبت، والحمد لله تعالیٰ، أن واقعات الرجم کلها وقعت بعد نزول سورة النور، ثم إن حکم رجم الزانی الثیب لم یثبت بهذه الواقعات فقط، وإنما ثبر بأحادیث قولیة کثیرة، مثل حدیث عبادة بن صامت رضی الله عنه، الذی مر فی الباب السابق، وإنه ورد بعد نزول آیة النور قطعاً، لأنه أول حدیث ذکر حکم الزانی بعد ما کان عقوبته الحبس، وإنه مشتمل علیٰ عقوبة مائة جلدة، التی لم یثبت إلا بسورة النور.
وکذلك قوله علیه السلام :«الولد للفراش، وللعاهر الحجر» قد تکلم به النبی ﷺ فی خطبة حجة الوداع بعد نزول سورة النور بکثیر، وقد ذکرنا أنه حدیث متواتر.
ثم لم یزل الخلفاء الراشدون، وجمیع الصحابة رضوان الله علیهم أجمعین، یعتقدون الرجم کحکم شرعی محکم، ولم یرد عن أحد منهم القول بنسخه، فالقول بنسخ حکم الرجم قول باطل لا دلیل علیه.
الإجماع علیٰ وجوب الرجم :
ثم إن حکم الرجم ثابت بالإجماع أیضاً، وهو حجة مستقلة، وقد حکیٰ الإجماع علیٰ هذه المسئلة غیر واحد، ونحکی ههنا عبارة کتابین قد وضعا لجمع المسائل المجمع علیها، فحسب.أولهما کتاب الإجماع لابن المنذر رحمه الله، وهو من رجال القرن الثالث، حجة فی علم مذاهب الفقهاء، یقول فیه(ص : 142 رقم 632): «وأجمعوا علیٰ أن الحر إذا تزوج حرة تزویجاً صحیحاً، ووطئها فی الفرج انه محصن، یجب علیهما الرجم إذا زنیا» وثانیهما کتاب مراتب الإجماع، لابن حزم (ص : 129) یقول فیه : «واتفقوا أنه إذا زنا کما ذکرنا، وکان قد تزوج قبل ذلك…أن علیه الرجم بالحجارة حتیٰ یموت».

انت فریضة کما تقول، کما
کان الزنا فریضة الرجم

وکان حکم رجم الزانی الثیب معروفاً بین المسلمین یعرفه کل أحد، حتیٰ ذکره الشعراء فی أشعارهم، وضربوا به المثل لأمر ثابت مسلم عند الجمیع، لا شبهة فیه، یقول النابغة الجعدی رضی الله عنه :
حکاه ابن منظور فی لسان العرب 17 : 79 مادة «زنیٰ» والخطابی فی غریب الحدیث 1 : 357، والنابغة الجعدی هذه من شعراء المخضرمین، ویقال : أنه وفد علیٰ النبی ﷺ، وأدرك صفین، فشهدها مع علی رضی الله عنه، ثم سکن الکوفة فسیره المعاویة رضی الله عنه إلیٰ أصبهان، راجع الأعلام للزرکلی 6 : 58، وله ترجمة مبسوطة فی الإصابة للحافظ 3 : 508.
وأراد بعض من لا علم له أن یقدح فی هذا الإجماع الثابت بما حکی عن بعض الخوارج أنهم انکروا الرجم، والحقیقة أن الخوارج اثنتان وعشرون فرقة ذکرها الشهرستانی فی الملل والنحل، ولم یذکر إنکار الرجم إلا عن فرقة واحدة تسمیٰ «الأزارقة» الذین کانوا یکفرون علیاً وعثمان وطلحة والزبیر، وعائشة، وابن عباس رضی الله عنهم بأسمائهم، وسائر المسلمین حتیٰ أنهم کانوا یکفرون الخوارج الذین سکنوا فی دیار المسلمین، ولم یهاجروا إلیٰ الأزارقة، واستباحوا دماء جمیع هؤلاء، حتیٰ الصبیان منهم، کما بسطه الشهرستانی فی کتابه «الملل والنحل» 1 : 185، 186، وذکر البغدادی فی «الفرق بین الفرق» ص : 83 أنهم کانوا یمتحنون من هاجر إلیهم من الخوارج بعرض أسیر من الأسراء عندهم، فإن قتل ذلك الأسیر صدقوه، وإلا کفروه وردوه، وإن محاربتهم ضد المسلمین، وإثارة الفتن فی العالم الإسلامی أمر معروف فی التاریخ، راجع لتفصیله الکامل للمبرد 3 : 1038.
وظاهر أن الفرقة التی تکفر جمیع المسلمین، وتستبیح دمائهم، ولا یستحل الإقامة بین أظهرهم، فإنها قد سدت علیٰ نفسها جمیع طرق العلم الصحیح، فلا جرم انها وقعت فی ضلالات، کإنکار الرجم وإنکار وجوب الصلاة علیٰ الحیض، وإنکار جمیع الصلوات، إلا رکعة واحدة فی الصباح، وأخریٰ فی المساء، وجواز الحج فی کل شهر کما حکی عنهم، أو عن بعضهم، ابن حزم فی الفصل 1: 189.
فیاتری، هل یقدح قول مثل هذه الفرقة الضالة المضلة فی ثبوت الإجماع؟
الرد علیٰ من زعم أن الرجم تعزیر :
وهناك فرقة أخریٰ من بعض أهل العصر، تدعی أن الرجم إنما عاقب به النبی ﷺ بعض الزناة تعزیراً، ولم یکن ذلك حداً شرعیاً، وإن أکبر ما استدلوا علیٰ ذلك حدیث النعمان بن بشیر رضی الله عنه فی الرجل الذی یقع علیٰ جاریة امرئته، قال فیه : «لأقضین فیها بقضاء رسول الله ﷺ : لئن کانت أحلتها له لأجلدتها مائة، وإن لم تکن أحلتها له رجمته»أخرجه الترمذی فی الحدود، (رقم 1475).
قالوا: إن رسول الله ﷺ قضیٰ فی هذا الرجل بجلد مائة إن کانت زوجته أحلت الجاریة له، مع أنه زان محصن، فظهر أن الرجم لایجب فی جمیع الصور زنی المحصن، ولو کان حداً لما جاز تغییره إلیٰ الجلد.
وهذا استدلال باطل، أما أولاً فلأن الترمذی تکلم علیٰ إسناد هذا الحدیث، وأما ثانیاً فلأنه لو ثبت إسناده أن هذا الحدیث علیٰ کون الرجم حداً أدل منه علیٰ کونه تعزیراً، وذلك لأن تحلیل المرأة جاریتها لزوجها شبهة فنیة فی المحل، وإن مثل هذه الشبهة یسقط بها الحد دون التعزیر، کما أسلفنا فی بدایة کتاب القسامة، فلو کان الرجم تعزیراً لما سقط بهذه الشبهة، فلما أسقطه النبی ﷺ بها تیقنا أن الرجم حد یسقط بالشبهات، وأما جلد مائة فی هذه الصورة، فهو تعزیر بعد سقوط الحد الأصلی، ولذلك قال ابن مسعود رضی الله عنه «لیس علیه حد، لکن یعزر» ذکره الترمذی تعلیقاً.
ومن هنا استدل بعض الفقهاء بهذا الحدیث علیٰ أن التعزیر یجوز بمقدار أسواط الحد وبأکثر منها، کما هو مذهب الإمام مالك، والطحاوی رحمهم الله تعالیٰ، ولا یجب أن ینقص من مقدار الحد راجع تحفة الأحوذی 2 : 334 والعرف الشذی ص : 474).وسیأتی الکلام علیٰ ذلك فی باب قدر أسواط التعزیر، إن شاء الله تعالیٰ.
ثم إن الفرق بین الحد التعزیر أن الأول مقدر من الشرع، لا یجوز لأحد أن یغیره إذا ثبت بشروطه، والثانی مفوض إلیٰ رأی الحاکم والقاضی. فما فعله النبی ﷺ أو أمر به من حیث الشارع صار حداً، وما فعله من حیث الحاکم أو القاضی صار تعزیراً. وهناك دلائل کثیرة تدل علیٰ أن النبی ﷺ رجم الزناة، وأمر به من حیث الشارع، کتشریع أبدی خالد :
1۔ قدمنا أن الله سبحانه وتعالیٰ أشار إلیٰ الرجم فی سورة المائدة. وجعله «حکم الله» وإن العقوبة المقدرة بحکم الله حد.
2۔ إن رسول الله ﷺ أعلن غیر مرة أن الرجم حکم الله تعالیٰ مما یدل علیٰ أنه لیس حکما وقتیاً، وإنما هو تشریع أبدی خالد :
(ا) فمنها ما سیأتی عند المصنف رحمه الله فی قصة الیهود فی حدیث البراء بن عازب رضی الله عنه أنه ﷺ قال عند الحکم علیها بالرجم : «أللهم أنی أول من أحیا أمرك إذ أماتوه».
(ب) قد تقدم فی حدیث عبادة رضی الله عنه أنه ﷺ قال : «خذوا عنی، خذوا عنی، فقد جعل الله لهن سبیلاً» فنسب حکم الرجم إلیٰ الله سبحانه.
(ج) سیأتی فی قصة العسیف أنه ﷺ قال : «لأقضین بینکما بکتاب الله» ثم حکم علیٰ المرأة بالرجم، فهو دلیل علیٰ أن الرجم کان حکماً مفروضاً من الله تعالیٰ.
3۔ قد تقدم فی باب ما یباح به دم المسلم عن عبد الله بن مسعود رضی الله عنه مرفوعاً : «لا یحل دم امرئ مسلم یشهد أن لا إله إلا الله، وأنی رسول الله إلا بإحدیٰ ثلاث : الثیب الزانی، والنفس بالنفس، والتارك لدینه المفارق للجماعة» وقد ثبت هذا الحدیث عن غیر واحد من الصحابة رضی الله عنهم، وقد وقع فی حدیث عائشة عند الحاکم فی المستدرك 4 : 367 « زان محصن فیرجم، ورجل یقتل متعمداً، فیقتل به أو یصلب».
ووجه الاستدلال بهذا الحدیث أن النبی ﷺ قد قصر فیه إباحة الدم المسلم علیٰ ما وجب فیه إعدام الجانی حداً، أو قصاصاً، وإلا فقد ثبت عنه ﷺ إعدام الجانی علیٰ سبیل التعزیر فی مواقع أخریٰ غیر هذه الثلاث، مثل قتل اللوطی ومن شرب رابعاً، وغیرهما. فتبین أن الحدیث إنما یتحدث عما یجب فیه القتل حداً، أو قصاصاً، ولا یتحدث عن القتل علیٰ سبیل التعزیر، والرجم مذکور فی جملة هذه الثلاث، فهو دلیل علیٰ کونه حداً.
4۔ إن خطبة سیدنا عمر رضی الله عنه من أوضح الدلائل علیٰ کون الرجم حداً، فإنه جعله فریضة الله، وحکم بضلال من ینکره، ولا یقال ذلك فی تعزیر، لأنه مفوض إلیٰ رأی الحاکم.
5۔ إن من یقول فی عصرنا أن الرجم تعزیر، فانه یرید أن حد الزانی هو الجلد، ولکن إذا رأی الحاکم من الجانی ما یقتضی التشدید أکثر من ذلك رجمه تعزیراً ومقتضیٰ ذلك أن لا یرجم کل زان محصن، وإنما یرجم من عرف منه ارتکاب الزنا بما یقتضی التشدید فی العقوبة. ولکننا نریٰ فی قصة ماعز، والغامدیة رضی الله عنهما أنهما أتیا رسول الله ﷺ تائبین، نادمین علیٰ ما فعلا، معترفین بجنایتهما، وکانت الغامدیة رضی الله عنها تعرف أن إقرارها یؤدیها بالرجم إلیٰ الحجارة حتیٰ تموت، ولکنها طلبت ذلك خشیة من الله سبحانه، ثم أمهلت حتیٰ تضع وترضع ولدها، ولم یبعث لها رسول الله ﷺ بعثاً، ولا سجل اسمها فی دفتر أو قنطر، ولا أتبعها أحداً من الشرطة، ولکنها بعد وضع حملها جائت بنفسها دون أن یطلبها أحد، علیٰ رغم أنها صارت أما لولد رضیع، وکم یکون خاطرها قد تعلق بهذا المولود؟ وکم تکون عواطف الإشفاق علیه قد عرضت فی سبیلها، ولکنا بإیمانها الراسخ، وعقیدتها الجازمة، وعلاقتها القویة بالله ورسوله، قد اجتازت جمیع هذه العوائق، وعرضت نفسها لهذه العقوبة التی تقشعر لها الجلود.
أفهل کانت الغامدیة هذه یستحق التشدید فی عقوبتها أکثر من حدها المفروض فی کاب الله تعالیٰ؟ بعد ما ظهر منها من الاستسلام لحکم الله ما لا یتصور من مجرم عادی؟ وإنی والله لا أجد نفسی فی شك أنه لو کان الرجم تعزیراً، ولو کان رسول الله ﷺ یستطیع إلغاءه فی حق مجرم لألغاه فی حق الغامدیة رضی الله عنها بعد ما ظهر منها ما ظهر من توبتها، وندامتها، واستسلامها لأمر الله سبحانه وتعالیٰ.
6۔ من المعروف المسلم عند الجمیع أن الرجم لا یجب إلا بشهادة أربع من الرجال العدول. وهذا دلیل علیٰ کونه حداً، لأن التعزیر لا یجب له نصاب من الشهادة أقویٰ من النصاب العادی، وفی هذا القدر کفایة ومقنع لطالب الحق إن شاء الله تعالیٰ.

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016