المبادئ الإسلامیة لمشروعیة اللباس

بسم الله الرحمٰن الرحیم

إن أکبر ما یحتاج إلیه الإنسان بعد الطعام والشراب هو اللباس الذی یستر به عورته، ویدفع عنه الحر والبرد، ویتجمل به فی المجامع، وبما أن الإسلام دین تشمل أحکامه جمیع شعب الحیاة، فإنه لم یدع باب اللباس هملاً، بل وضع له مبدئ وأحکاماً لا یجوز لمسلم أن یخالفها. وقد یزعم الإنسان المعاصر أن اللباس والزینة من الأمور العادیّة البسیطة التی تخضع للتقالید الرائجة فی کل عصر ومصر، ولا علاقة لها بأحکام الحلال والحرام، فإنها لیست من الأمور الجذریة التی تقوم علیٰ أساسها الحیاة، ولکن هذا الزعم إنما نشأ من قلة التدبر وعوز الاطلاع علیٰ ما یؤثر اللباس فی حیاة الإنسان، والواقع أن اللباس والزیّ، وإن کان أمراً یتعلق بمظهر الإنسان دون مخبره، غیر أن له أثراً عمیقاً علیٰ سیرته وخلقه وأحواله النفسیّة، فإن من اللباس ما یغرس فی النفوس بذور الکبر والخیلاء، ومنه ما یربی فیها التواضع لله، ومنه ما ینشئ فیها الأخلاق الحسنة، ومنه ما یمهد لها السبیل إلیٰ الإسراف والأشر والبطر وغمط حقوق الناس، فمن زعم أن اللباس لیس إلا مظهراً من المظاهر، ولا صلة له بالسیر والأخلاق الکامنة فی الصدور، فقد جهل طبیعة الإنسان. ولذلك لم یترك الإسلام أمر اللباس سدیً، ولکن الإسلام لا یسلك فی شأن من شئون الحیاة إلا طریقاً یتفق مع الفطرة السلیمة، ویتجاوب مع مقتضیات الطبیعة، وبما أن الإنسان جبل علی التنوع فی أنواع اللباس والطعام، فإن الإسلام لم یقصره علیٰ نوع دون نوع، ولم یقرر للإنسان نوعاً خاصاً، أو هیئة خاصة من اللباس، ولا أسلوباً خاصاً للمعیشة، وإنما وضع مجموعة من المبادئ والقواعد الأساسیة یجب علیٰ المسلم أن یحتفظ بها فی أمر لباسه، ثم ترکه حراً فی اختیار ما یراه من أنواع الملابس، ولیس هناك ما یمنع التطور فی أنواع اللباس، ما دام الإنسان یحتفظ بهذه المبادئ، ویفی بشروطها الواجبة. فمن مقدمة هذه المبادئ أن اللباس یجب أن یکون ساتراً لعورة الإنسان، فالإسلام یلزم الرجل أن یلبس ما بین سرته ورکبتیه، ویلزم المرأة أن تستر کل جسدها ما عدا وجهها وکفیها وقدمیها، ، فستر العورة من أهم ما یقصد باللباس، قال الله سبحانه وتعالیٰ : يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا فبین الله سبحانه وتعالیٰ أن مواراة السوءة، وهو ستر العورۃ، من أعظم مقاصد اللباس، وإن اللباس الذی یخل بهذا المقصد بهمل ما خلق اللباس لأجله، فیحرم علیٰ الإنسان استعماله، فکل لباس ینکشف معه جزء من عورة الرجل والمرأة، لا تقره الشریعة الإسلامیة، مهما کان جمیلاً، أو موافقاً لدور الأزیاء، وکذلك اللباس الرقیق أو اللاصق بالجسم الذی یحکی للناظر شکل حصة من الجسم الذٰ یجب ستره، فهو فی حکم ما سبق فی الحرمة وعدم الجواز. والمبدء الثانی : أن اللباس إنما یقصد به الستر والتجمل، أما الستر فلما سبق، وأما التجمل فلأن الله سبحانه وتعالیٰ سماه زینة فی قوله : ﴿خذوا زینتکم عند کل مسجد﴾ وفی قوله تعالیٰ : ﴿قل من حرم زینة الله التہ أخرج لعباده والطیبات من الرزق﴾ وقد أخرج النسائی عن أبی الأحوص عن أبیه، قال : »دخلت علیٰ النبی ﷺ فرآنی سیئ الهیئة، فقال : ألك من شیئ؟ قلت نعم، من کل المال قد آتانی الله تعالیٰ، فقال : إذا کان لك مال فلیُر علیك»، وعن ابن عمر رضی الله عنهما أن النبی ﷺ قال : «إن الله یحبّ أن یریٰ أثر نعمته علیٰ عبده« أخرجه الترمذی 5 : 124 وحسّنه. وأما ما یقصد به الخیلاء والکبر أو لأشر والبطر أو الریاء، فهو حرام ورُوی عن النبی ﷺ قال : کلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا فی غیر إسراف ولا مخلیة، وقال ابن عباس : کل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان سرف أو مخیلة ذرهما البخاری تعلیقاً فی أوائل اللباس. والمبدأ الثالث : أن اللباس الذی یتشبه به الإنسان بأقوام کفرة، لا یجوز لبسه لمسلم إذا قصد بذلك التشبه بهم، قال ابن نجیم فی مفسدات الصلاة من البحر الرائق 2 : 11 « ثم اعلم أن التشبه بأهل الکتاب لا یکره فی کل شیئ، فإنا نأکل ونشرب کما یفعلون، إنما الحرام هو التشبه فیما کان مذموماً وفیما یقصد به التشبه، کذا ذکره قاضی خان فی شرح الجامع الصغیر، فعلیٰ هذا لو لم یقصد التشبه لا یکره عندهما»، وقال هشام فی نوادره : «رأیت علیٰ أبی یوسف رحمه الله تعالیٰ نعلین محفوفین بمسامیر الحدید، فقلت له : أتریٰ بهذا الحدید بأساً؟ فقال : لا، فقلت له : إن سفیان وثور بن یزید کرها ذلك، لأنه تشبه بالرهبان، فقال أبو یوسف رحمه الله تعالیٰ : کان رسول الله ﷺ یلبس النعال التی لها شعور، وإنها من لباس الرهبان» فقد أشار إلیٰ أن صورة المشابهة فیما یتعلق به صلاح العباد لا تضر، وقد تعلق بهذا النوع من الأحکام صلاح العباد، فإن من الأراضی ما لا یمکن قطع المسافة البعیدة فیها إلا بهذا النوع من الإحکام، کذا فی المحیط فی المتفرقات، وراجع له الفتاویٰ الهندیة 5 : 333، الباب التاسع من الکراهیة. والمبدأ الرابع : أن لبس الحریر حرام للرجال دون النساء، وکذلك إسبال الإزار إلیٰ الکعبین لا یجوز للرجال ویجوز للنساء. وقال الإمام الشیخ ولیي الله الدهلوی رحمه الله تعالیٰ فی حجة البالغة 2 : 189 : «اعلم أن النبی ﷺ نظر إلیٰ عادات العجم وتعمقاتهم فی الاطمئنان بلذّات الدنیا، فحرم ر‍ءوسها وأصولها وکره ما دون ذلك، لأنه علم أن ذلك مفض إلیٰ نسیان الدار الآخرة، مستلزم للإکثار من طلب الدنیا، فمن تلك الرءوس اللباس الفاخر، فإن ذلك أکبرهمهم وأعظم فخرهم، والبحث عنه من وجوه : منها الإسبال فی القمص والسراویلات، لا یقصد بذلك الستر والتجمل اللذین هما المقصودان فی اللباس، وإنما یقصد به الفخر وإراءة الغنی ونحو ذلك، والتجمل لیس إلا فی القدر الذی یساوی البدن …..ومنها الجنس المستغرب الناعم من الثیاب، قال ﷺ : من لبس الحریر فی الدنیالم یلبسه یوم القیامة…. ومنها الثوب المصبوغ بلون مطرب یحصل به الفخر والمراآة، فنهی رسول الله ﷺ عن المعصفر والمعزفر….. ولا اختلاف بین قوله ﷺ : إن البذاذة من الإیمان ….. وبین قوله ﷺ : إن الله یحب أن یریٰ أثر نعمته علیٰ عبده ….. لأن هناك شیئین مختلفین فی الحقیقة، قد یشتبهان بادی الرأی، أحدهما مطلوب والآخر مذموم، فالمطلوب ترك الشح، ویختلف اختلاف طبقات الناس، فالذی هو فی الملوك شح ربما یکون إسرافاً فی حق الفقیر، وترك عادات البدو واللاحقین بالبهائم واختیار النظافة ومحاسن العادات، والمذموم الإمعان فی التکلف والمراآة والتفاخر بالثیاب، وکسر قلوب الفقراء، ونحو ذلك، وفی ألفاظ الحدیث إشارات إلیٰ هذه المعانی کما لا یخفیٰ علیٰ المتأمل».

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016