شيخ الإسلام العلامة شبير أحمد العثماني (رحمه الله)

شيخ الإسلام العلامة شبير أحمد العثماني (رحمه الله) حياته – وأعماله – وتآليفه هو الإمام المحقق، ألمعي عصره، المحدث، الفقيه، المتكلم، البحاثة، شيخ الإسلام والمسلمين، شبير أحمد العثماني، ابن الأديب، الأريب، خاقاني الهند، فضل الرحمن العثماني –أحد مؤسسي دار العلوم بديوبند وصاحب الإمام محمد قاسم النانوتوي رحمه الله تعالى – ينتهي نسبه إلى سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، كما هو مذكور في كتاب "حيات عثماني" للأستاذ أنوار الحسن الشيركوتي رحمه الله.

ولد في بلدة بجنور (الهند) للعاشر من محرم الحرام سنة 1305 هـ/1889م، وسمّي من والده بـ "فضل الله" ولكنه اشتهر بـ "شبير أحمد" كما صرّح بذلك في خاتمة تفسيره للقرآن الكريم، فقال: "العبد الفقير فضل الله المدعو بـ "شبير أحمد" بن مولانا فضل الرحمن العثماني قد كان أبي سمّاني "فضل الله" وكان ينشد: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولو كره الأعداء من كل حاسد" كان رحمه الله التحق بالمكتب وهو ابن سبع سنين (والمكتب يعتبر كروضة للأطفال في ديار الهند) في مبدأ دراسته، جعل يدرس الكتب الأردية وغيرها لدى الحافظ محمد عظيم الديوبندي، عام 1312هـ، ثم شرع في تلقّي الكتب الفارسية في 1314هـ عند الأستاذ المنشي منظور أحمد المدرس بدار العلوم ديوبند، وأخذ بعد ذلك الكتب النهائية الفارسية من الشيخ العلامة محمد يسين رحمه الله –والد العلامة المفتي الكبير شفيع قدّس الله روحه – .

ومن عام 1319هـ شرع في دراسة العلوم الإسلامية والعربية، فتلمّذ على مشايخ الهند نبغاء العصر أمثال شيخ الهند العلامة محمود الحسن، والشيخ الحكيم محمد حسن، والشيخ مولانا غلام رسول الهزاروي، والشيخ مولانا محمد ياسين الشركوتي، وغيرهم رحمهم الله تعالى.

قرأ رحمه الله جميع المواد الدينية ونبغ فيها، وأتقن في العلوم الإسلامية والعربية: في الحديث، والتفسير، والفقه، وأصولها، والكلام، والمنطق، والفلسفة، والهيئة، والمعاني، والبيان، والنحو، والصرف، والأدب وغيرها، تخرّج من دار العلوم ديوبند حائزاً مرتبة الشرف الأولى في عام 1325هـ.

وكان رزقه الله الذكاء النادر، والفهمَ الدقيق، والإلمامَ التام على دراسته، فكان يدرّس –وهو طالب للعلم – كتب المنطق وغيرها، قال الشيخ حبيب الرحمن العثماني رحمه الله – مدير دار العلوم الديوبندية آنذاك – في التقرير السنوي لسنة 1333هـ عن العلامة شبير أحمد العثماني قدس الله روحه: "كان يصرف وقتاً كثيراً في تدريس الطلاب أيام طلبه، كان طلاب الصفوف النهائية يدرسون لديه جميع الكتب من الفنون المختلفة".

ثم إنه رحمه الله لما تخرج من دار العلوم ديوبند رشح مدرّساً نفس السنة، ولكن بعد عدّة أشهر سأل صاحب مدرس "فتحبوري" بدهلي أستاذاً لمدرستهم من مدير دار العلوم الديوبندية، فبعثه المدير – وكان شقيقاً لصاحبنا المترجم له – إلى دهلي رئيساً للمدرسين – وكانت هذه المدرسة أكبر المدارس بدهلي – فأخذ يدرّس الطلاب أمهات الكتب من الحديث والعلوم الأخرى.

ولكن أعضاء دار العلوم ديوبند لم يرضوا بإقامته وتدريسه هناك، فأعادوه إلى ديوبند، واستفاد منه الكثير من الطلاب الذين كانوا يفدون إلى دار العلوم من أرجاء العالم.

وفي 1328هـ أو 1327هـ سافر إلى الحجاز المقدس لأداء فريضة الحجّ بتوفيق الله سبحانه وتعالى، وكان باع داره وأرضه لمؤنة هذا السفر الشاسع، وفي المرة الثانية بعث مندوباً من جمعية علماء الهند، وذلك في 1344هـ.

وفي عام 1348 انتقل إلى جامعة دابهيل (الهند) مع إمام العصر الشيخ محمد أنور الكشميري رحمه الله، وتولى هناك تدريس الجامع الصحيح للإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري رحمه الله، وتفسير القرآن الكريم للبيضاوي، وغيرهما من الكتب الجليلة، وفي 1354هـ رجع إلى ديوبند رئيساً لها.

ولم يزل يؤدي واجبه بهذه الصفة إلى أن اعتزل عن دار العلوم في عام 1362هـ، واشتغل بجامعة دابهيل مرة أخرى لعدة أشهر، ثم عاد إلى ديوبند لما اعتراه من الأمراض والأسقام.

هذه ناحية من حياته الدراسية والتدريسية، ولكن الله خلقه لتشييد هذا الدين، فقام بأعمال عظيمة في ميادين نشر الإسلام والعلم الصحيح، وفي مجال الوعظ والإرشاد والجدل مع كفرة الهند (الهندوس)، وكان رحمه الله يتقن حجته في إحقاق الحق وإبطال الباطل، وله – جزاه الله تعالى عن كافة المسلمين – جهود جبارة في هذه المجالات، وظني أنه لم يبق بلد من بلاد الهند إلا وقد ارتجّ بصوته صوتِ الحق والدعوة إلى الله، كانت له ملكة خاصة لإبداء علوم المتكلم فيلسوف الإسلام قاسم العلوم والخيرات الإمام حجة الإسلام محمد قاسم النانوتوي رحمه الله تعالى، فجعل هذه العلوم المعقدة على متناول من المحصلين متقاربة إلى الأذهان.

كان رحمه الله من خيرة العلماء العاملين الذين يرشدون الأمة طريق الرشد والهداية، ينيرون لهم سبل الخير والسعادة في جميع نواحي حياتهم الاجتماعية والثقافية، والسياسية، وكان العلامة العثماني لم يدع ميداناً من ميادين السياسة يتعلق بصالح المسلمين إلا وساهم فيه مساهمة فعالة، وأيّد تأييداً بالغاً لجمعية المسلمين في الهند "مسلم ليك"، وكانت هذه الجمعية الحزب الوحيد الذي يمثّل الشعب المسلم آنذاك ضدّ أعدائهم الإنجليز والهندوس.

ولما برز قرار استقلال باكستان: أيّده بكل صراحة وقوّة، وله رحمه الله جهود بنّاءة مشكورة في تأسيس باكستان، مصاحباً لقائد المسلمين محمد على جناح، وكان واجه في هذا المجال وقائع مريرة من جوانب مختلفة من العلماء والشعب، ولكن لم يزل صوته يعلو يوماً فيوماً حتى استقلّت باكستان عام 1947م، التمس منه محمد علي جناح يومئذ أن يكون أول من يرفع راية باكستان التي كانت أنشئت باسم الإسلام وللإسلام؛ اعترافاً بجهوده الجبّارة في تحرير باكستان.

إنه رحمه الله لم يعش بعد استقلال باكستان إلا سنة وأربعة أشهر، ولكن الله عز وجل شيّد به نظام باكستان في أول شؤونه، وقد أدّى أعمالاً عظيمة لهذه الدولة في هذه المدّة القصيرة، ولمساعيه الجليلة اتخذت حكومة باكستان قراراً لدستور هذه الدولة الحديثة أن أساس قانونها إنما يكون القرآن والسنة.

وكان إلى جانب ذلك بمكان من السلوك والإحسان، متَّصفاً بالتقوى، والورع، والخلق الحسن، والشفقة على الخلق، والتواضع، والمسكنة، ورقة القلب، والخشية لله ، وغير ذلك من الصفات الكريمة، وكان دائم الذكر لله، وتلاءً للقرآن الكريم.

وقد كتب على جوانب حياته الكريمة تلميذه الأستاذ أنوار الحسن الشيركوتي رحمه الله تعالى: على حياته العلمية باسم "تجليات عثماني". وألف كتاباً آخر باسم "أنوار عثماني" جمع فيه مكاتيبه العظيمة الجدوى، التي راسل بها مشاهير أهل العلم والسياسة.

وأخرج كتاباً آخر باسم "خطبات عثماني" وضمّ فيه خطباته رحمه الله تعالى في ترك الموالاة مع الإنجليز والكفار وغير ذلك.

وألف كتاباً جامعاً وجيزاً حول حياة العلامة العثماني رحمه الله، وسماه: "حيات عثماني"، ولكنه لم يتم، فإن المنية حالت دون أمنيته.

انتقل العلامة العثماني إلى رحمة الله بيوم الثلاثاء 21 صفر 1369هـ الموافق 13 ديسمبر 1949م في بلدة بهاولفور، وكان سافر من كراتشي إليها لافتتاح الجامعة العباسية، فأعلنت إذاعة باكستان بوفاته، وساد على البلاد جميعها الألم والحزن وشعرت بذلك الأوساط العلمية خاصة ونعاه العالم الإسلامي، وما أعظمَ ما خسره شعب باكستان بوفاته! نُقلت جثّته من بهاولفور إلى كراتشي، وصلّى عليه عدد كثير ينيف على مائتي ألف مصلٍّ، وأمّهم العلامة الكبير المفتي محمد شفيع نور الله مرقده.

حلف الزمان ليأتين بمثله حنثت يمينك يا زمان فكفِّرِ إنه رحمه الله لم يخلف أحداً من أولاده النسبية، إنما أولاده هي كتبه العلمية التي احتلّت مكانة مرموقة لدى العلماء والمحققين، وإنما يعرف الفضل من الناس ذووه، فقد خلف كتباً ورسائل تبقى على مرّ الدهور والأزمان، تشهد بعلوّ كعبه، وسعة اطّلاعه على العلوم الإسلامية، ولوعته وحرقته لتبليغ الدعوة الإسلامية.

أما أولاده الروحية وأبناء أفكاره وبنات بنانه فهي كالتالي:

الفوائد التفسيرية. الإسلام. العقل والنقل. إعجاز القرآن. الشهاب. الدار الآخرة. الهدية السنية. لماذا وقع التكرار في الآيات والقصص القرآنية. تحقيق خطبة الجمعة. لطائف الحديث. الحجاب الشرعي. سجود الشمس. خوارق عادات. الروح في القرآن. الأمالي على صحيح البخاري. معارف القرآن. فتح الملهم، بشرح صحيح مسلم.

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016