المستقبل الجديد

إن الإسلام هو خاتم الأديان، وهذا يتطلب أن يبقى الإسلام ديناً محفوظاً وقائماً في مختلف الظروف والأحوال. من أجل ذلك رتبت الحكمة الإلهية إزاءه تدبيراً مدهشاً للغاية، ففي القرن السابع الميلادي حين بدأ الإسلام يخرج من مكة كان في الوقت نفسه يقوى مركزه في المدينة لينطلق عصر الفتوحات على المستوى العالمي.
وفي العصر العباسي حين كانت تداس قلعة الإسلام بأقدام التتار فإنه قد تفجّر تحت أنقاض تلك القلعة ذلك العصر الذهبي المضيء في كنف الخلافة العثمانية في تركيا والإمبراطورية المغولية في شيه القارة الهندية.
وفي العقد الأخير من القرن العشرين يقف الإسلام على عتبة عهد جديد، إنه العصر الذي يشرق فيه فجر الإسلام ليبسط نوره على الكون فينفخ روح الحياة في العالمين.

في سنة 1942م هتف القادة السياسيون في شبه القارة الهندية منادين بجلاء الإنجليز من الهند، فلم يلبث أن تزلزل بنيان تلك الإمبراطورية العظيمة من تحت أقدامهم، واضطر الإنجليز إلى مغادرة الهند إلى غير رجعة في سنة 1947م.

لقد سلّموا الهند إلى أبنائها وقفلوا راجعين إلى بلادهم. إن حادثة كهذه تبدو اليوم في غاية البساطة، غير أنها كانت قبل سنة 1947م مدهشة وغريبة، حتى أن البعض لم يصدّق الأمر حتى آخر لحظة من وقوعه، ففي سنة 1946م كنت في كان بور وأتذكّر جيداً ما كتبته إحدى الصحف الأردية الصادرة فيها، لقد كتبت في كلمة التحرير: إن الإنجليز يخدعون الهنود بسراب الاستقلال، و كيف نتصوّر أنهم يستطيعون تحرير عصفور الذهب؟ وفي 15 أغسطس سنة 1947م شهد العالم عن كثب كيف وقع ذلك الحادث الذي كان غريباً قبل ذلك الوقت، حيث غادر الإنجليز الهند فعلاً.

وفي العصر الحاضر تتوفر لدينا أيضاً إمكانات لبعث الإسلام، غير أن السطحيين يرون أن هذا الأمر سراباً ليس غير، ويا ليتهم نظروا إلى الأمر في أناة وبصيرة نافذة، ليروا أن هذا هو الحقّ عينه، فالفرصة مواتية الآن
مواتية أكثر من أيّ وقت مضى لجعل الإسلام القوة الفكرية الغالبة في هذا العالم.
إن عالم اليوم يشهد تطوراً واسعاً في المجال العلمي والحضاري في مختلف مجالات الحياة، وذلك التطور جاء نتيجة لنهاية العصر الأسطوري ( عصر الشرك) وانطلاق عصر التوحيد بفضل الإسلام، وبعبارة أخرى إن هذه التطورات الجديدة وإن استخدمت في بادئ الأمر لأهداف مادية غير أنها في جوهرها كانت
لمقاصد دينية، لقد جاءت لخدمة الدين وهي نتاج لثورة دينية أيضاً.

إن الرقي العلمي والحضاري المعاصر هو دعامة للدين، وهو في الأصل إمكان جديد للدعوة إلى الله، وتذليل لكافة العقبات في طريق دعاة الحقّ، وتيسير لمهامهم الدعوية في مختلف جوانبها، وبهذا الاعتبار فإن كل تلك التطورات هي بمثابة تكميل لإجابة تلك الدعوة التي وردت في القرآن في قوله تعالى: " ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا " . ( البقرة:286)

فالثورة الصناعية الجديدة قد فتحت أمام الدعوة آفاقاً وإمكانات هائلة يسّرت من عملية الدعوة إلى أبعد حدّ، فوسائل الاتصال الحديثة هي من أجل إيصال صوت الحقّ إلى ربوع العالم في أقصر وقت ممكن، والاكتشافات الجديدة أيضاً هي من أجل عرض الدعوة الإسلامية بأدلة قائمة على أسس علمية رصينة، والثورة الديمقراطية من أجل تذليل العقبات أمام الدعاة ليستمروا في مهامهم دون أن يعترض أحد سبيلهم، وتقريب الحدود الجغرافية من أجل التيسير على دعاة الحق ّ ليتمكنوا من التنقل في يسر من مكان لآخر ليبلّغوا الناس- قبل أن يقبضهم ملك الموت - عن يوم الآزفة وعن خطة الله في الحياة.

لقد كان جانب النفع الدنيوي في الثورة الصناعية إضافياً وثانوياً، فوسائل العيش المريحة وإمكانات التجارة الواسعة وما إلى ذلك.. هي فوائد ضمنية.
إنها فوائد دنيوية للأعمال الدعوية الأصلية غير أن الأصل صار في طي النسيان، وتركّز جهد المسلمين وكفاحهم على الجانب الثانوي فحسب.

إن العصر الحديث بإمكاناته الهائلة ينادي المسلمين بأعلى صوته، انهضوا أيها المسلمون وانشروا الإسلام في أصقاع الأرض، وبلّغوا تعاليم الإسلام في أرجاء المعمورة .. إن أجلّ خدمة نقدّمها للعالم المعاصر هي أن نطلعه على دين الله المحفوظ، وليس ثمة دين محفوظ عدا الإسلام، والإسلام وحده فقط.

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016