طغيان المادة والمعدة

رووا أن شاعرة جاهلية هي ( كبشة بنت معد يكرب ) عاتبت أخاها عمرو بن معد يكرب ، وعيرته بميله إلى قبول دية أخيه المقتول فقالت :
ودع عنك عمْراً إن عمْراً مسالم ** وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم ؟
ما تتصور المرأة الجاهلية البسيطة أن بطن إنسان يتجاوز مقدار شبر فكيف لو رأت معدة الإنسان الحاضر ابن القرن العشرين ؛ تضخمت وكبرت حتى وسعت الأرض وتجاوزت حتى أصبحت لا يملؤها إلا التراب . نعم تضخمت معدة الحرص في الإنسان حتى صارت لا يشبعها مقدار من المال ، وتولد في الناس غليل لا يُرْوى وأُوارٌ لا يُشفى ، وأصبح كل واحد يحمل في قلبه جهنم لا تزال تبتلع وتستزيد ، ولا تزال تنادي هل من مزيد ؟ هل من مزيد ؟ تسلط على الناس – أفراداً وأمماً – شيطان الجشع والحرص فكأن بهم مساً من الجنون ، وأصبح الإنسان نهما يلتهم الدنيا التهاماً ، ويستنزف موارده حلالاً وحراماً ، ثم لا يرى أنه قضى لبانته وشفى نفسه ، والعهدة في ذلك على وضع الحياة الحاضرة وطبيعتها وكونها مادية صرفة لا تؤمن بالآخرة . وخليق بمن لا يعتد إلا بحياته الدنيا ولا يرى وراءها عالما آخر وحياة ثانية أن تكون هذه الحياة بضاعته ورأس ماله وأكبر همه وغاية رغبته ومبلغ علمه ، وأن لا يؤخر من حظوظها وطيباتها ولذائذها شيئاً وأن لا يضيع فرصة من فرصها ، ولأي عالم يدخر وهو لا يؤمن بعالم وراء هذا العالم ، ولا بحياة بعد هذه الحياة ؟ وقد عبر عن هذه النفسية الجاهلية الشاعر الجاهلي الشاب طرفة بن العبد في صراحة وبساطة فقال:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي
فدعني أبادرْها بما ملكت يدي
كريم يروِّي نفسه في حياته
ستعلم إن متنا غداً أينا الصَّدِي

وكل إنسان متمدن اليوم – إلا من عصمه الله بالإيمان – يرى هذا الرأي ويذهب هذا المذهب في الحياة ، إلا أنه قد يجرؤ على أن يصرح به ، وقد لا يملك ذلك اللسان البليغ الذي يعبر عن ضميره ؛ والسبب الثاني : - هو الأدب العصري – بمعناه الواسع – الذي لا يتحدث إلا عن المادة وأصحابها ، ويخنع لأهل الثراء وأصحاب الاحتكار وأصحاب الإنتاج ، الخنوع الذي لا يليق بالأدب الشريف العالي ، فيكتب دقائق حياتهم في تفصيل ، وينشر ألقابهم وأسماءهم بقلم عريض وكل نفس من أنفاس مدحه وتقريظه وكل فصل من فصول روايته ينتهي إلى نتيجة مادية أو إلى بطل من أبطال المادة ، ويزين للقارئ المذهب الأبيقوري تارة بالتلميح وتارة بالتصريح ، ويحث الشباب على التهام الحياة وانتهاب المسرات نثراً وشعراً وفلسفة ورواية وتحليلاً وتصويراً ، فلا ينتهون منه إلا بالروح المادية والتقديس لرجال المادة . وكذلك المجتمع الذي لا يقدر إلا الغني الظريف متناسياً كل ما فيه من رذيلة ولؤم أصل وسوء خلق ، ويتجنى على الإنسان الذي لا يترجح في ميزانه مهما كثرت مواهبه وطاب عنصره وسما جوهره ، ويلمِّح وقد يصرح بأن الفقير لا يستحق الحياة ، ويعامله معاملة الدواب والحمير والكلاب ، فيرغم الإنسان – إذا لم يكن ثائراً على المجتمع – على أن يخضع لشريعة مجتمعه ، وأن يتجمل ويتظرف لمجتمعه ، فلا يلبس إلا لغيره ولا يتأنق إلا لغيره . وهذا المجتمع لا تزال مقاييسه للشرف والظرافة تتغير ومعاييره للإنسانية تتبدل وتتحول ومطالبه تتنوع وتتكثر ، حتى يضيق الإنسان بها ذرعاً ويلجأ إلى طرق غير شريفة لتحصيل المال وإلى كدح وكد في الحياة ، وهناك هموم تتوالى ولا تنتهي ومتاعب تتسلسل ولا تنقطع . وزاد الطين بلة تنافس المصانع والمنتجين والصناع ؛ ففي كل صباح يتدفق على المدينة سيل جديد من أحدث المنتجات وأحدث طراز من السيارات والسجائر والأزياء والقبعات والأحذية والأدهان والأطلية وأسباب الزينة والزخارف والأجهزة ولا يجلب منها شيء قياماً بالواجب وسدّاً للعوز ، بل كله في سبيل الاستغلال الصناعي والاحتكار التجاري ، ولا تلبث هذه المنتجات التي هي من فضول الحياة أن تدخل في أصول المعاش ولوازم المدينة ، والذي لا يتحلى بها لا يعد من الأحياء . ولهذه الأسباب ولغيرها ارتفعت قيمة المال في عيون الناس ارتفاعاً لم تبلغه في الزمن السابق ، وبلغ من الأهمية والمكانة مبلغاً لم يبلغه – على ما نعرفه – في دور من أدوار التاريخ المدون ، وأصبح المال هو الروح الساري في جسم المجتمع البشري والحافز الأكبر للناس على أعمالهم ونشاطهم المدني ، وقد يدفع المخترع إلى الاختراع والصانع إلى صناعته والسياسي إلى مقالته والمرشح إلى انتخابه والعالم إلى تأليفه ، حتى القادة إلى الحرب ، فهو القطب الذي تدور حوله رحى الحياة العصرية كما يقول الأستاذ (جود) معلم الفلسفة وعلم النفس في جامعة لندن: "إن النظرية المهيمنة السائدة على هذا العصر هي النظرية الاقتصادية ، وأصبح البطن أو الجيب ميزاناً لكل مسألة فبمقدار اتصالها بالجيب وتأثيرها فيه يقبل الناس عليها ويعنون بها" . إذا حكمت على عصرك وطبائعه وأذواقه وأنت بمعزل عن الحياة ، وبنيت حكمك على مؤلفات ومقالات إنما تكتب في زاوية من زوايا الكتب فإنك تغالط نفسك ، وقد تقرأ في هذه الكتب الفلسفية أو المقالات العلمية التحليلية كأنك في عصر متمدن راق تتحكم فيه معايير الأخلاق وتسود فيه المثل العليا ويغشاه سحاب الفضيلة والنبل ، وتحلق عليه روح الديانة والعلم ، ولكن الواقع غير ذلك ، فإن هذه الكتب إنما ألفت في عالم الخيال الذي يعيش فيه مؤلفوها ، وإن أهواءهم وأذواقهم هي التي خلقت لهم عالم خيالياً يصفونه ويصورونه في كتبهم ، حتى يخيل إلى القارئ أنه هو العالم المحيط به .. وللأهواء عجائب وخوارق . ولكنك إذا اتصلت بالحياة عن كتبٍ لا عن كُتبٍ ، وخالطت الناس ودرست أحوالهم وأصغيت إلى حديثهم في البيت وفي القطار والبستان وعلى المائدة وفي السمر ، رأيت ( الذهب ) حديث النوادي وشغل الألسنة وهوى القلوب ، والبداية والنهاية في كل موضوع ، والقطب الذي تدور حوله رحى الحياة . إن شاعراً عربياً يلعن الصعلوك الذي لا يتعدى نظره ولا يسمو فكره عن لباس وطعام ويقول :
لحا الله صعلوكاً مناه وهمه ** من العيش أن يلقى لبوساً ومطعماً 
فكيف إذا أشرف هذا الشاعر على هذه المدينة وهي تجري بفلاسفتها وسياسييها ونوابغها وعلمائها وكتابها وأشرافها وأغنيائها وفقرائها وراء غاية لا تتعدى لبوساً ومطعماً مهما تنوعت أشكالها وتضخمت ألقابها ؟! فالحياة كلها جهاد في سبيل اللباس والطعام .


المصدر:شبكة نور الإسلام الشيخ ابو الحسن الندوي.

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016