فليكن النبي صلى الله عليه وسلم أسوة القادة والحكام!!

يعيش العالم العربي حالة من الفوضى واللااستقرار، وقد أنهكت الحروب الأهلية والطائفية قواه، لا يتخلص من فاجعة إلا ويدخل في أسوأ منها، أزمات فوق أزمات، الشعوب في واد والحكام في واد، الشعوب تطالب بشيء والحكام يفرضون عليها شيئا، الشعوب تتكلم بلغة والحكام يتكلمون بلغة أخرى، وهناك منافسة في السلطان وتشاحن وتباغض، وهناك قتل وقصف وتدمير وتخريب. ولا تتحدث عن الكوارث التي حلت أخيرا بالبلاد العربية. وما يوم حليمة بسر.

ولكن السؤال الذي يتساءل به كل مسلم واعي الضمير: لماذا هذه الفوضى وهذه الأزمات؟ ألِإِسلام هذه البلاد، ألكونها اتخذت محمدا صلى الله عليه وسلم قائدها ومرشدها؟ ألم يرفع هذا الإسلام الذي يدينون به رؤوسَهم، وجعلهم قادة العالم وهم اليوم يتجرعون كأس الذل والهوان؟
وإذا تتبعنا الأوضاع الراهنة لأدركنا أن المشكلة تكمن في حكامنا وقادتنا، لأن الحكام هم قطب الأمة التي تدور رحى الحياة حولهم، والناس على دينهم، ويهتفون بهتافاتهم. وإن المشكلة الكبرى أن الحكام لم يرتموا في حضن النبوة، بل اتخذوا حكام الغرب إمامهم، يتكلمون بلسانهم، ويهتفون بهتافاتهم، والمشكلة أنهم أحلوا الحضارة الغربية محل الحضارة الإسلامية، ودانوا بها وبفلسفاتها ومناهجها الفكرية والعقدية كما يدين المسلم بالإسلام بمعنى الكلمة، بل واستماتوا في سبيلها وتحمسوا لتنفيذها وكبتوا كل من يعارضها فكرا ومنهجا.
إن حكام العرب لم يعتزوا بنبيهم يوما أمام الغربيين، بل قد يستحيون أن يذكروا النبوة أمامهم إرضاء لهم وإعلانا أنهم ليسوا متعصبين في مذهبهم، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ـ فداه أبي وأمي ـ لا يهمهم كثيرا. آه يا نبي الله على أمة تستحيي أن تذكرك أمام الأجانب!. إن مؤتمرات حكام العرب خالية من ذكر النبوة، ولا تشم منها إلا رائحة القومية العربية البغيضة، وإلا العصبية الجاهلية، وإلا الاعتزاز والفخر بالحضارة الغربية الماجنة!.
يا حكام العرب! ماذا جنى نبيكم عليكم إذ تعادون دينه و تأنفون عن ذكره؟ أليس هو الذي أخرجكم من جزيرتكم الضيقة إلى العالم الفسيح؟ أليس هو الذي رفع رؤوسكم بعد أن كنتم خاملي الذكر لا توصفون إلا بالوحشية والبربرية، وليست لكم إلا صحراء قاحلة لا عشب فيها ولا ماء؟ أليس هو الذي جعلكم عمالقة بعد أن كنتم أقزاما، وأعزكم بعد أن كنتم أذلاء، وصيّركم سادة بعد أن كنتم عبيدا للأمم الجبارة.
إن سر عظمتكم يا قادة العرب وسيادتكم على العالم هو الاعتزاز بالنبوة، وتبليغ رسالتها إلى الجبابرة وفراعنة العصر.
إن سر انتصاركم يا قادة العرب أنكم كنتم تمثلون دينا أبى الله إلا إظهاره، وتحملون رسالة أبى الله إلا تعميمها، وكنتم تعيشون لا لبطونكم وشهواتكم؛ بل للأمة أجمع للعالم البشري كله.
إن النبوة سر عظمتكم، ومنبع خير وسعادة لكم، وهي الكفيلة لإخراجكم من هذا المأزق الذي وقعتم فيه، فعضوا عليها بالنواجذ، واعتزوا بها، وادعوا إليها، وانشروا رسالتها، واذكروها في مؤتمراتكم وأمام العالم بكل صراحة واعتزاز، لتستيعدوا كرامتكم المفقودة. وقد عرف الإمام أبو الحسن الندوي الداء الفاشي فيكم ووصف الدواء الناجع لكم، فأصغوا إليه إذ يقول: "فالإسلام هو قومية العالم العربي , ومحمد صلى الله عليه وسلم هو روح العالم العربي وإمامه وقائده والإيمان هو قوة العالم العربي التي حارب بها العالم البشري كله فانتصر عليه ,وهو قوته وسلاحه اليوم كما كان بالأمس , به يقهر أعداءه , ويحفظ كيانه ويؤدي رسالته. إن العالم العربي لا يستطيع أن يحارب الصهيونية أو الشيوعية أو عدواً آخر بالمال الذي ترضخه بريطانيا أو تتصدق به أمريكا ,أو تعطيه مقابل ما تأخذ من أرضه من الذهب الأسود , إنما يحارب عدوه بالإيمان والقوة المعنوية , وبالروح التي حارب بها الدولة الرومية والإمبراطورية الفارسية في ساعة واحدة فانتصر عليهما جميعاً".
ههنا تتوجه المسؤولية إلى العلماء الذين هم مصدر القوة والروح في الأمة أن ينفخوا روح الاعتزاز بالنبوة في الحكام والقادة ويصارحوا القادة بالنبوة ولا يخافوا في ذلك لومة لائم.
ولقد كان من مآثر الإمام السرهندي الكبرى أنه قام بإعادة الثقة والإيمان بحتمية النبوة المحمدية وخلود رسالتها، يقول الإمام الندوي: "إن عمله التجديدي الأساسي الذي تدور حول سائر أعماله الإصلاحية التجديدية، ومنبعه الأصيل الذي تتفجر منه ينابيع جميع مآثره الإصلاحية وجهوده الثورية، وتتحول إلى نهر يجري في العالم الإسلامي كله، هو ذلك العمل الإصلاحي العظيم الذي تجلى في إعادة الثقة والإيمان إلى قلوب أبناء الأمة الإسلامية بخلود الرسالة المحمدية وحاجة الناس إليها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وترسيخ جذور هذه العقيدة المهمة" (رجال الفكر والدعوة 3/195).
إن نفس الثورة التي خرجت على النبوة المحمدية بطريقة علنية سافرة ونادت بأن عهد النبوة قد انقضى، وأن الألف الثاني عهد قيادة جديدة ملائمة مع العصر، إن نفس الثورة قد قامت اليوم بنفس القوة والصراحة في الألف الثالث وتنادي بأعلى صوتها أن عصر النبوة قد انقضى، وأنه عصر الرجعية والتخلف، وأن العصر الجديد يحتاج إلى قيادة جديدة ملائمة لهذا العصر.
فهل من مجدد في الألف الثالث ينبض فيه العرق النبوي ويصيح صيحة السرهندي ليعيد الثقة والإيمان بحتمية النبوة المحمدية؟!
وأخيرا إلى الراية المحمدية يا حكام العرب، إنها راية العز والشرف، راية الكرامة والرفعة، اعلموا أن كل راية غير الراية المحمدية لن تضمن لكم الحرية والنجاة، بل توقعكم في الهلاك والدمار، فدعوا الرايات الغربية، واضربوا الرايات القومية والوطنية البغيضة عرض الحائط وتشبثوا بأهداف النبوة.

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016