تقديم لإقناع الضمير{تعريب نحو مير}

تقديم لـ إقناع الضمير

{تعريب نحو مير}

 

لفضيلة الأستاذ الكاتب الأديب الشيخ محمد ولي خان المظفِّر حفظه الله   

                               رئيس قسم التّخصص في الأدب العربي بالجامعة الفاروقية بكراتشى ، وأستاذ الحديث بها، وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية (الرِّياض)

الحمد لله الذي خلق اللَّوح والقلم، وعلّم الإنسان مالم يعلم، وأفضل الصَّلوات والتسليمات على محمَّد المبعوث إلى العرب والعجم، وعلى آله وصحبه الذين هم مفاتيح الرَّحمة ومنا بيع الحكم، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

وبعد: فلما بدأ الإسلام يبثُّ أشعةَ نوره إلى آفاق العالم، واتسعت دوائر الفتوحات الإسلامية، ودخل الناس في دين الله أفواجًا ، فاختلفت وتغيرت على أثر ذلك لغاتهم وألسنتهم باختلاطهم فيما بينهم عرباًوعجماً، وظهر بالتالي في اللسان العربي مما يُعدُّ عيباً ولحناً عند العرب قاطبةً.

فأشار العلماءالعرب بعد ما زاد اللحن وفشا وعمَّ بكثرة الاختلاط أن يضعوا للجُمل ضوابط تُعرف بها أحوال أواخر الكلمة والكلام، من حيث الإعراب والبناء، وكيفية تركيب بعضها مع بعض، كي يصان الذهن عن الخطأ اللفظي في كلام العرب.

فقد رأوا – كماقالوا- : "جاء عليٌّ "، و"لعب محمَّدٌ"، و"أكل إبراهيمُ" فأرادوا أن يسمُّوا ضمة ياء "علي"، ودال"محمَّد"، وميم " إبراهيم" رفعاً، والضَّمة علامة له، وأن يسمُّوا هذه الكلمات فاعلاً، وأن يضعوا قاعدة عامَّة :"الفاعل مرفوع" وهكذا قد ظهر اللحن من قبلُ في صدر الإسلام، فقد رُوي أنَّ رجلاً قد لحن عند النَّبي في حضرته، فقال: (( أرشدوا أخاكم فقدضلَّ)).

وماورد من أمثلةِ هذا كثيرٌ، لكنَّه لم يكن يضر، إلاَّ أنه لما كثر اللحن والعيب لاختلاط العجم بالعرب وبالعكس، فقد رسموا آنذاك قواعد اللغة العربية ووضعوها، ولكنَّ الناس – كما قال السيرافي- قد اختلفوا في أول مَن رَسَمَ النَّحو: فقال قا ئلون : أبو الأسود الدؤلي: وقيل :هو نصر بن عاصم . وقيل : بل هو عبد الرحمن بن هرمز. وأكثر النَّاس على أنَّه أبو الأسود الدؤلي. وتضطرب الرِّوايات في وضع  أبي الأسود للنَّحو، فمنها مايجعل ذلك من عمله وحده ،ومنها ما يصعد به إلى سيدناومولاناعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، إذ يروُون عن أبي الأسود نفسه أنَّه دخل عليه وهو بالعراق، فرآه مطرقاً مفكرًا، فسأله فيما يفكِّر؟ فقال له: سمعت ببلدكم لحناً، فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية ، فأتاه بعد أيام فألقى إليه صحيفةً فيها:

" بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ، الكلام كله اسمٌ ، وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمّى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، والحرف ماأنبأ عن معنى ليس باسم ولافعل".  ثم قال : "اعلم أنَّ الأشياء ثلاثةٌ : ظاهرٌ، ومضمَرٌ، وشيئٌ ليس بظاهر ولا مضمر، وإنَّما يتفاضل العلماء فى معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر".

وتمضي هذه الرِّواية فتذكر أنَّ أبا لأسود جمع لسيدناعلي رضي الله عنه أشياء وعرضها على حضرته.

وكما تضطرب الرِّوايات في السبب الَّذي جعل أبا الأسود يرسم النَّحو، فمن قائل أنه سمع قارئا يقرأ الآية الكريمة :( أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) (التوبة:3) بكسر اللام فى "رسوله" ،فقال : ما ظننت أمر النَّاس يصل إلى هذا ، واستأذن زيادًا والي البصرة في وضع القواعد النحوية.

وقيل : بل استأذن ابنه عبيد الله واليها من بعده فى أن يضع للناس رسم العربية، وقيل: بل وفد على زياد، وقال له: إنِّي أرى العرب قد خالطت الأعاجم وتغيَّرت ألسنتهم ، أفتأذن لي أن أضع للعرب كلاماً يعرفون أو يقيمون به كلامهم؟.

وقيل: بل أنَّ رجلاً لحن أمام زياد أو أمام ابنه عبيد الله، فطلب زياد أو ابنه منه أن يرسم للنَّاس العربية.

وقيل: بل إنه رسمها حين سمع ابنته تقول: " ماأحسنُ السَّمَاءِ" وهي لاتريد الاستفهام، وإنَّما تريد التعجب، فقال لها: قولي: " ماأحسنَ السَّماءَ".

وفي رواية أنه شكا فساد لسانها لابن أبي طالب- رضي الله عنه- فوضع له بعض أبواب النَّحو، وقال له: انح هذا النَّحو، ومن أجل ذلك سمي العلم باسم " النَّحو" .

ففيما بعد شمَّر العلماء عن ساق الجدِّ بعناية هذا العلم وانتشاره كأمثال عبد الله بن أبي الحضرمي، الَّذي يُعد من أوائل النُّحاة البصريين، ومن تلاميذه: عيسى بن عمرو بن العلاء، ويونس بن حبيب، وغيرهم من العلماء الأفذاذ الَّذين بذلوا فيه جهدًا مستميتًا، وصنَّفوا فيه كتباً شتى مجملةً ومفصَّلةً، ممتعةً كافيةً ووافيةً:

ک"ألفية ابن مالك"، و"شرح الجمل" لابن عصفور، و"شرح قطر الندى وبلُّ الصدى" لابن هشام الأنصاري، و"نتائج الفكر" للإمام السُّهيلي،و"كافية" لابن الحاجب، وغيرها من الكتب المتقدمة والمتأخرة.

ومن تلك الكتب كتاب "نحو مير" ، للشيخ أبي الحسن علي بن محمَّد الحنفي، المعروف ب"مير السيدالشَّريف الجرجاني" رحمه الله، المتوفى سنة816هـ ، كتابٌ نال شرفاً عظيماً، وأخذ قبولاً حسنًا في المنهج النِّظامي المتداول في جامعات ومدارس شبه القارَّة الهندية والباكستانية، ولكنَّ أصل الكتاب صنَّفه السَّيد الشَّريف الجرجاني باللُّغة الفارسيةلأهلها، فجزى الله تعالى الشَّيخ عبد الوحيد بن ملك عبد الحق المدني –حفظه الله- حيث نقله إلى العربية بأسلوب أنيق ممتع، فأجاد وأحسن إلى أهل العلم وطلابه إحساناً، وسمى الكتاب بـ"إقناع الضمير".

ثم لما لم يكن يُذكر فيه من الأسئلة والتَّمارين، - والحاجة ماسَّةً إليها- فتوجَّه إليها أخونا الفاضل الشَّيخ عبد الرَّشيد بن مقصود الهاشمي حفظه الله- خرِّيج جامعة العلوم الإسلامية العلامة بنوري تاؤن، بكراتشي،باكستان- وهو كأستاذ حاذق في النَّحو ، حيث إنَّه لايزال يدرِّسه منذ سنوات عديدة، فأدرج فيه الأسئلة والتَّمارين، إضافةً إلى أنَّ الأخ الفاضل قسَّم كلَّ الكتاب على خمسين درساً، وعنوان كلَّ درس بما يلائمه من المباحث فى الدُّروس.

فتقبَّل الله منه ومن الدَّارسين والمدرِّسين بقبول حسن، والله أسأل أن ينفع به الطلاب،وأن يجعله عنده كزلفى وحسن مآب.

كتبه ولي خان المظفَّر

8 رجب 1428هـ

                            أستاذ الحديث ومشرف قسم التَّخصص في الأدب العربي

                             بالجامعة الفاروقية بكراتشى باكستان

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016