بين الدين والعلم

يفترض طه حسين[1] في كتابه " من بعيد " الذي نشر عام 1935 ونشر فيه بحثا تحت عنوان " بين العلم والدين " حتمية الخصومة بين العلم والدين [2] وينطلق في تقريره  هذه الخصومة من منطلق علماني يشترط أن تكون نظرة الإنسان تجاه الكون والحياة نظرة يكون قياده في يد الأساليب العلمية المحضة التي تضبطه ما يعرف بـEmpirical Method   دون أن تتدخل فيها التصورات الدينية في شيء.[3]

وبما أن غريزة التدين متغلغلة في فطرة الإنسان بحيث لا يمكن استئصاله مهما بذلت من المحاولات[4] ، الأمر الذي جعل الغالبية العظمى من سكان العالم في التمسك بأهداب الدين، رغم تفاوت درجة التدين واختلافه، لذا أصبح القائلون بحتمية الخصومة بين العلم الدين يلينون في لهجاتهم فأصبحوا يقولون بفصل الدين عن العلم ، أي أن  العلم والدين لكل منهما مجالهما الخاص بحيث لا يدخل هذا في دائرة اهتمامات ذاك، ولا يحاول لإقحام مفاهيم ومقررات إحداهما في مجال مفاهيم ومقررات الآخر، فهناك فصل بين المجال العلمي والمجال الديني في الوسائل والنتائج على السواء.

يقول أميل بوترو في كتابه ( العلم والدين ) :" لقد ظن البعض في نهاية القرن التاسع عشر أن المشكلة بين الدين والعلم حلت بوضعهما في ثنائية حاسمة يصبح فيها كل منهما مطلقاً على طريقته ، ومتميزاً عن صاحبه تميز الذكاء والعاطفة ، أو تميز العقل والقلب .واستناداً إلى هذه الثنائية لاح إمكان وجودهما معا في صدر إنسان واحد ، بحيث يقومان جنبا إلى جنب ، على أن يتفادى  كل منهما بحث مبادئ الآخر ووسائله ونتائجه "[5] .

ولعل هذه الثنائية هي التي اضطرت المسيحية اللجوء إليها في ظل سيادة  العلم في العالم المعاصر، وتناقض الكثير من نصوص الكتاب  لمقرراته، فعلى سبيل المثال :

ويقرر العهد القديم ظهـور الليـل والنهـار والصبـاح والمساء  في اليـوم الأول  قبل خلق الشمس والنجوم في اليوم الرابع[6] ، وفي هذا تناقض صارخ مع ما قرره العلم. 

ويقرر أن الله خلق النبات في اليوم الثالث[7] قبل أن يخلق الشمس في اليوم الرابع   وأن خلق العالم يرجع إلى حوالي ستة آلاف عام لا أكثر، وهذا يتعارض مع العلم كذلك .

وهذه معارضات لا تحتمل التملص ، ولا التوفيق .ولكن رغم ذلك يذهب الكثير من المسيحيين  إلى الكنيسة ويستمعون إلى تلك  الروايات المتعارضة مع العلم في هدوء تام ثم يخرجون  منها ليقرروا  في الجامعة أو في المعمل أو في مراكز البحوث العلمية  أمورا تتعارض تماما مع ما استمعوا إليه هناك .[8]

وقد حدث أن كاتب هذه السطور قدم ذات مرة كتاب الدكتور موريس بكاي (دراسة الكتب المقدسة فى ضوء المعارف الحديثة ) إلى أحد المسيحيين من إنجتلرا، فكان رده بعد قرائته : أن هذا الرجل يريد أن يقوم الدين بالعلم ، و هذا خطأ، فللدين مجاله وللعلم مجاله، و لا تضر إيماني هذه الأخطاء العلمية في شيء. 

وقد لجأ الكثير من المثقفين في العالم الإسلامي إلى هذا الحل أيضا - الفصل التام بين العلم والدين – وذلك ليس لأن في الإسلام ما يناقض العلم بل بسبب خلفيتهم العلمية التي  استقاها من المصادر الغربية دون أن يتجشموا مشاق دراسة الإسلام في صورته الأصيلة أو بسبب التقليد المحض للتيار  المعارض للدين ، معتقدين أنه يمثل التخلف ويعارض التحضر، أضف إلى هذا تخوفهم من أن الدين سوف يقضي على حريتهم ، تلك الحرية العقلية المطلقة التي  استهوت قلوبهم فيتوجسون خيفة من أية  فكرة ربما تضع بعض القيود عليها. ولا شك أن هذا التيار سيعترض على خيار تنظيم القضايا الدعوية وفقا لقواعد التفكير العلمي السليم.

وردي عليهم أن مسألة الفصل بين العلم والدين مما يستحيل تصوره في محيط الفكر الإسلامي النقي وذلك نظرا إلى خلو القرآن الكريم من التناقضات العلمية التي اضطرت التيارات المسيحية إلى اللجوء إلى  الثنائية الغريبة.

ثانيا : أن القرآن الكريم يعتمد في دعوته على المنهج الاستدلالي عينه الذي يعتمده العلم الحديث( Modern Science  ) في التوصل إلى ما يسمى بالحقائق العلمية، فعلى سبيل المثال فإن المنهج الاستدلالي الذي تعتمده العلوم المعاصرة له أربع درجات كلها توصف بالعلمية، وهذه الدرجات هي :

1-    أن يكون الأمر المراد مشاهدته وتجربته في متناول يدنا مباشرة، كرؤية الكائنات الحية الصغيرة في الماء بالمكبر.

2-    أن لا تكون قابلة للمشاهدة جملة وتفصيلا، بل يمكن مشاهدة بعض أجزائها فقط ككروية الأرض التي تصور بالمنظار من علو، حيث تقع الصورة على جزء منها.

3-    أن تؤكد التجارب على وجود حقيقة ما، على الرغم من عجزنا عن مشاهدة تلك الحقيقة بكامل جوانبها في تلك التجربة، كالإليكترون الذي لا يوزن ولايشاهد، وغير أن  التجربة قد أثبتت وجوده بناء على آثار محددة.

4-    التجارب والمشاهدات، حتى و إن لم تكن مرتبطة بالقضية المطروحة — بالمعنى العلمي— إلا أنه إذا كانت هناك قرينة جائزة لتأييد تلك القضية — وذلك في ظل عدم وجود نظرية أقوى لتفسير تلك المشاهدات —في مثل هذه الحالة فإن الاستدلال بهذه القرينة على تلك القضية هو الأسلوب العلمي عينه.[9]

ويضاف إلى هذا أن المدافعين عن الفصل بين الدين والعلم يعتمدون على الظن القائل إن العلم هو الذي يتجاوب مع العقل ويغذيه بينما الدين يخص العاطفة وهذا مجرد وهم أو جهل بالتطور الذي صار إليه العلم في العصر الحديث ، فالعلم ، كما يقول  فيليب فرانك: " وضع مبادئ نستطيع أن نستنبط منها تطبيقات وحقائق مشهودة هو ما نسميه اليوم " علما " والعلم لا يهتم كثيرا بما إذا كانت هذه المبادئ معقولة أم لا . فهذا أمر لا يعنى العالـِم كعالـِم [10]. وفى كثير من الكتب الدراسية نجد ما ينص على أنه ليس من المهم إطلاقا أن تكون هذه المبادئ معقولة ، وتذكر هذه الكتب أن مبادئ علوم القرن العشرين كالنسبية ونظرية الكم ليست معقولة على الإطلاق ، وبل إنها متناقضة فى ظاهرها ومشوشة، وعندما ظهرت مبادئ النسبية وميكانيكا الكم قال بعض الناس : ربمــا  أمـكن استنباط نتائــج مفيــــدة مــن هــذه المبادئ ، ولكن المبادئ نفسها غامضة ، بل هي في ظاهرها متناقضة  إنها تخدم غرضا معينا إلا أنها ليست جلية .[11]

دراسات جديدة تزاوج بين الدين والعلم

 ولعلي لا أخطئ إذا قلت بأن التركيز القرآني على العقل ومتعقلاته والدعوة المتكررة لاستخدامه لا يفصح أي مجال للقول بأن الدين لا يتجاوب مع العقل و إنما الذي يتجاوب معه هو العلم وحده.

خلاصة القول إن التيار الذاهب إلى فصل العلم عن الدين لم يعد له أي أساس من الصحة    في ظل التطورات التي حدثت في العصر الحديث ، وبناء عليه فإن محاولة ربط التفكير العلمي بالعمل  الدعوي لا أظنها تستحق أي اعتراض من هذا القبيل.

ثم إنني حين أقوم  بتطبيق مبادئ التفكير العلمي في المجال الدعوي لا أقوم بهذا من منطلق أن العلم  لهو سيد الميدان فيجب التوفيق بينه وبين ما يدخل في المجال الديني بغية إحداث الاستجابة المطلوبة لدى الناس بحكم أن المتعلمين منهم يفكرون وفقا للمصطلحات العلمية ، إذ أن ذلك يعني الإقرار بالسيادة للعلم والدين تبعا له ، وهذا بخس بحق الدين و مجانبة وضعه  الجوهري المتسم  بالصدق الأبدي الذي لا يعتريه أي شكوك، فهو يعلو ولا يعلى عليه.

فالدين — وأقصد به الإسلام طبعا— مصدره الوحي المقدس ، فهو بهذا معصوم من   الخطأ والذلل،  بينما العلم مصدره التجارب والمشاهدات البشرية التي تتسم بالنقص والقصور وتتدخل فيها  المواقف الشخصية والوصول إلى الصدق المطلق عن طريقها  متعذر، كما يذهب إليه الكثير من العلماء [12]  وبناء عليه فالدين  عندي هو الأصل والأساس ، وفله السيادة والكلمة العليا، بينما العلم  مجرد وسيلة إلى فهمه، ومطية إلى تنفيذ مقرراته فهو يخدم الدين ويتبعه وليس العكس.


 

[1] - وهو أديب وناقد مصري كبير لقب بعميد الأدب العربي، ولد في الصعيد 14 نوفمبر1889ودرس في الجامع الأزهر ثم بجامعة سوربون بفرنسا، فقد بصره فيما كان عمره 3 سنوات، تولى إدارة جامعة الاسكندرية سنة 1943ف ثم أصبح وزير المعارف سنة 1950ف ومن أشهر كتبه : الشعر الجاهلي ، والأيام ، و مستقبل الثقافة في مصر  أنظر :  http://www.alshamsi.net/man/edu_arab/taha_hussain.html

[2] - انظر http://www.alarabnews.com/alshaab/2004/20-08-2004/yehia.ht

[3] - (http://www.alarabnews.com/alshaab/2004/20-08-2004/yehia.ht )  

[4] - انظر عبد الله دراز : الدين ( بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، ص 82-83، ( د.نا) ط ( د.ت)

[5] - نقلا عن يحيى هاشم حسن فرغل ( العلمانية ودورها في تشويه العلاقة بين الدين والعلم ) مقالة في الانترت : (http://www.alarabnews.com/alshaab/2004/20-08-2004/yehia.ht     )

[6] - انظر الكتاب المقدس ، سفر التكوين، الإصحاح الأول : 3-6 

[7] - المصدر السابق : 11-13

[8] - حسن فرغل ( العلمانية ودورها في تشويه العلاقة بين الدين والعلم ) مقال في الانترت (http://www.alarabnews.com/alshaab/2004/20-08-2004/yehia.htm)

[9]-  الدكتور عبد الرحمن بن زيد الزبيندي، مناهج البحث في العقيدة الإسلامية في العصر الحديث، دار أشبيليا، الرياض ، ط /1  1418هـ

[10] - فليب فرانك، فلسفة العلم، ص 33 ( نقلا عن : يحيى هاشم حسن فرغل ( العلمانية ودورها في تشويه العلاقة بين الدين والعلم ) مقالة في الانترت(http://www.alarabnews.com/alshaab/2004/20-08-2004/yehia.htm    )

[11] -  انظر يحيى هاشم حسن فرغل، مقالة في شبكة أخبار العرب (http://www.alarabnews.com/alshaab/2004/20-08-2004/yehia.htm    ) 

[12] - فالتثبت اليقيني متعذر عند بوبر ( 1902 - 1994) ويذهب  كارل جي همبل ( Karl G. Hempel  ) إلى القول باستحالة  مبدأ التحقق التام لارتباطه بالا ستقراء والبحث عن التحقق للفروض التي يضعهاالعالم وهذا يتطلب منا ان ننتظر نهاية العالم، والقول نفسه يؤيده أير (1910) الذي يرفض مبدأ التحقق القوي للاسباب التالية :1- انه مهما ازداد عدد الحالات المؤيدة للقضية التجريبية التي تاتي بها الخبرة فلا يمكن اقامة الصدق الكلي للقضية .2 - ان هناك عددا لامتناهيا من الامثلة الجزئية يندرج تحت القضية لايمكن للخبرة ان تطلعنا عليه سواء ماكان منها في الماضي او في الحاضر او في المستقبل . (أنظر : سدير طارق علي، ( نبذة تاريخية عن تطور الوضعية المنطقية الاتجاه الفلسفي في قبول النظريات العلمية ) مقالة في الانترنت ورابطها :

http://www.alefyaa.com/print.asp?fname=news%5C2006%5C02%5C10-02%5C615.htm&storytitle=

 

 

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016