التعبير عن العلو والارتفاع

التعبير عن العلو والارتفاع

(رحلة إلى مقربة من قمة إيفرست)

الأب: حسان، هيأ أسرع، لقد تأخرنا كثيراً.

الابن: نعم يا أبي، لحظات وسأكون جاهزاً.

الأب: حسنا.

الابن: أبي، قلت بأننا سنرى اليوم قمة إيفريست ولو من بعيد؟

الأب: بالتأكيد يا بني، ولكن يجب عليك أن تسرع وإلا فلن ندرك القافلة.

الابن: ها أنا جاهز يا أبي.

الأب: بارك الله فيك وجعلك من السباقين فيما يعود بفوائد على نفسك وعلى الأمة الإسلامية جمعاء.

الابن : آمين يارب العالمين.

الأب : بسم الله، توكلت على الله.

الابن: بسم الله، توكلت على الله.

الأب: هل رأيت هذا السور الذي يحيط ببيت عمك شفيق؟ إنه بارتفاع عشرة أقدام.

الابن: عشرة أقدام... إذن هذا السور عال جدا يا أبي!

الأب: صحيح. لقد أقامه صاحبه لتحصين بيته من اللصوص.

الابن: عجيب. هل اللصوص يتسلقون السور ليدخلوا بيوت الناس يا أبي؟

الأب: نعم يتسلقون، ولذا أقام هذا السور بهذا العلو والارتفاع.

الابن: أبي! هل رأيت تلك العمارة التي تطل على الشارع الرئيس، إنها عمارة شاهقة.

الأب: نعم يا ابني. هذه العمارة بناها أحد الأثرياء بهذا العلو الشاهق ليتبجج بها أمام أقرانه.

الابن: سبحان الله! هل يجوز التبجج ببناء ناطحة سحاب كهذه؟

الأب: لا أبداً. فالكبرياء رداء الله، ولا يجوز لأحد أن ينازع الله في ردائه.

الابن: بارك الله فيك يا أبي، ولكن قل لي، من أين حصل هذا الرجل على هذا الكم الهائل من الفلوس ليبني مثل هذه العمارة المرتفعة التي تسمى ناطحة سحاب.

الأب : العلم عند الله يا ابني، غير أنه تاجر كبير وله سمعة تجارية عالية في عرض البلد وطوله، لعله بناها من كسب الحلال، والله عليم بالسرائر.

الابن : حسنا يا أبي. ولكن ما كان ينبغي عليه أن يصل إلى هذه الدرجة من الارتفاع، فأنا لا استطيع أن أراها عن قرب إلا إذا ضغطت على عنقي لأجعل وجهي قبالة السماء.

الأب: هههه. ليس من الضروري أن تنظر إلي جزئها العالي، وإنما يكفيك أن ترى ما يسهل عليك رؤيته. وتذكر دائما بأن الله تعالى أعلى وأكبر، وأن الإنسان مهما بلغ من قوته وأمواله فإنه لن يبلغ الجبال طولا.

الابن : الحمد لله العلي القدير الذي أخرجني من صلب إنسان مثلك. فأنت أب ليس كأي أب.

الأب: شكراً لك على هذا الثناء. ولكن يجب عليك أن تفهم بأني سموت على أقراني في العلم والحكمة بعد كفاح اذا قسته بالأمتار فسيكون طوله أكثر مما سما إليه هذه العمارة.

الابن: أفهم هذا يا أبي، وقد قالت لي أمي بأنك رغبت عن مناصب عالية مخافة أن يضيغ منك سموك الخلقي الذي وصلت إليه بعد كد وجهد غير مسبوقي المثيل.

الأب: أمك تعبت معي كثيراً، وكانت دائما قمة في الصبر والتحمل، وإلا ما كان بوسعي أن أرتفع إلى ما ارتفعت إليه.

الابن : بارك الله فيكما ومتعكما بحياة مديدة.

الأب: ها قد أدركنا القافلة، هيا نركب الحافلة.

الأب: حسان، أنت أطول أم صديقك هشام؟

الابن: هو أطول مني قامة، ولكني أطول منه علما. فأنا تعلمت منك الكثير والكثير، أما والده فلا يجالسه ولا يهتم بجوانب تربيته، همه الأكبر الضرب في الأسواق وتكديس الفلوس.

الأب : هذه آفة كبيرة يا بني. يجب على كل إنسان ألا يجعل الدنيا أكبر همه، بل يأخذ منها قدر الكفاف ثم يصرف قدراً كبيراً من وقته في تربية الأولاد، ورعاية الأسرة، وعبادة الله تعالى.

الابن: نعم يا أبي. أبي انظر إلى الأمام، شخص يلبس قبعة عالية تبلغ في الطول ربع متر على أقل التقدير.

الاب: يا ابني هؤلاء سياح من مختلف الجنسيات، وكل واحد منهم يحمل ذوقا خاصا فيما يلبس. ولكن هل لاحظت أن طول هذا لايناسب طول قبعته؟

الابن: نعم، لاحظت. ولذلك طلبت إليك أن تنظر إليه.

الأب: حسان! إذا أمعنت النظر في وجوه الناس الذين معنا في السيارة وفي هندامهم ستلاحظ أن بعضهم يحتلون رتبا عالية في أوطانهم.

الابن: ولكن يا أبي! بعضهم قد خلعوا ملابسهم ولم يبق على أجسادهم إلا البنطلون!

الأب: هم جاءوا من أوروبا، فعندما تكون درجة الحرارة عالية لديهم، يخلعون ملابسهم بهذه الصورة. أما نحن فقد منحنا الله الحياء الذي هو شعبة من شعب الإيمان. فنحن لا نخلع الملابس أمام الناس مهما علت الحرارة واشتدت وطأتها.

الابن: أبي انظر إلى هذا الرجل، إنه يتصبب عرقا أكثر من أي أحد آخر، وصاحبه يرشح على رأسه الماء.

الأب: لعله مصاب بارتفاع ضغط الدم. ادعو له بالشفاء.

الابن: حسنا يا أبي. ولكن ألا تلاحظ يا أبي أن صاحبه يلبس حذاء بكعب عالِ كالنساء.

الأب: ههههه.. أنت تلاحظ كل شيء يا حسان.

الأبن: أما هذا الشخص الذي على يسارنا فقد لبس ساعة رولكس الغالية.

الأب: لعل دخله عالٍ فأراد أن يجمل نفسه بها. ولكن هذا إسراف ولا شك. والسبب الذي يدفعهم إليه هو فقدهم للمثل العليا في مجتمعاتهم، فالشخص هناك يكون غارقا في الدنيا من أخمص قدميه إلى أعلى ناصيته.

الابن : عجيب.

الأب: لقد مضت علينا ساعتان ونحن في الطريق إلى سلسلة جبال همالايا، ولعلنا نصل قريبا.

الابن: انظر يا أبي، لقد وصلنا إلى مقربة من الجبال، والحمد لله.

الأب: يا بني أنت ترى الجبال قريبة ولكنها لا تزال بعيدة. فهذه الجبال بسبب ارتفاعها وعلوها تراها وكأنها على مقربة منك.

الابن : سبحان الخالق الذي خلق الجبال بهذا العلو وبهذه القوة حتى لا تميد بنا الأرض.

الأب: ماشاء الله عليك يا ابني! أنت ذكي حقا، وأحمد الله على أنه وهبني ابنا مثلك.

الابن: هذا من فضل الله تعالى وفضل تربيتك لي.

الأب : حمدا لك يا رب.

الابن: أبي، هيا قد وصلنا، لننزل من الحافلة.

الأب : هيا ننزل، ولاتنس حقيبتك.

الابن: الحمد لله، وصلنا بخير، وكانت السيارة عالية الأداء.

الأب : وسائقها أيضا كان عالي الأداء.

الأب: حسان، ضع حقيبتك على ظهرك وإلا ستتعب في اعتلاء ذلك التل الذي منه نشاهد قمة إيفرست.

الابن : حسنا يا أبي، سأفعل.

الأب: حسان، هناك على التل ستجد مصورين يلتقطون الصور فيبيعونها بثمن مرتفع. فإن هم جاءوك قل لهم بأنك لا تريد التقاط الصور. أفهمت؟

الابن: نعم، فهمت، وسأفعل كما أمرتني به.

الأب: وستجد على التل أيضا رجلا يتكلم بصوت عالي النبرة وهو يشرح مختلف جوانب قمة إيفرست. أصغ إليه جيدا وحاول أن تسجل أهم ما يشير إليه.

الابن: بارك الله فيك يا أبي، سأفعل كما قلت. ولكن أخبرني يا أبي! هل هذه المنطقة ذات ضغط جوي مرتفع؟

الأب : نعم، هي كما قلت. ولكن لا تهتم بهذا الأمر، فمعنا كل ما يلزم في مثل هذا الجو.

الابن: هذا التل مرتفع إلى حد كبير، فكيف نصعد إليه؟

الأب: هناك سلم سيساعدنا على الصعود، فلا تخف يا ولدي. سنصل إلى القمة بسلام إن شاء الله.

الابن : ساعدني يا أبي، فقد تعبت رجلاي من صعود هذا المنحدر.

الأب: حسنا، أمسك بيدي ولاتتنفس بفمك. ولعلنا نجلس على تلك الصخرة لنستريح قليلا.

الابن: طيب يا أبي، جزاك الله.

الأب: وإياك.

الابن: أبي ما قصة جبل إيفرست، ولماذا السياح يأتون بهذه الكثرة ليرنوا إلى قمتها؟

الأب: سؤال وجيه يا بني! جبل إيفرست يعد أعلى جبل في الأرض، حيث يرتفع إلى حوالي تسعة كيلومترات فوق سطح البحر.

الابن: تسعة كيلومترات..... هذا ارتفاع شاهق جدا.

الأب: نعم يا ولدي. وهذا الجبل هو أحد الجبال التي تتكون منها سلسلة جبال همالايا ويقع على حدود التبت ونيبال وشمالي الهند. ونحن الآن في نيبال كما تعلم.

الابن: ولكن من الذي قاس طول هذا الجبل حتى قدره بتسعة كيلومترات؟

الأب: الإنجليز يا بني. الإنجليز هم الذين قاسوا ارتفاع هذا الجبل في أوائل القرن التاسع عشر وقدروا أن ارتفاعه 8,848 متراً. ولكن التقدير غير الرسمي الشائع لارتفاع الجبل هو 8,882 متراً. أما هذا التل الذي نحن نصعد إلى قمته الآن فترتفع عن سطح البحر 800 متر. وقد قطعنا معظم المسافات عن طريق السيارة التي أقلتنا إلى هنا. ولعلك لاحظت بأنها اتخذت طريقا تمر بحوافي المرتفعات.

الابن: نعم، لاحظت، وكنت خائفا أحيانا، غير أني تظاهرت بأني لا أخاف حتى لا أسبب في قلقك علي.

الأب: بارك الله فيك يا ولدي، هكذا يكون الرجال.

الابن: لنصعد إلى قمة التل، فقد سبقنا إليها الآخرون، وقد أخذنا ما يكفينا من الراحة.

الأب: حسنا يا بني! هيا امسك بيدي حتى لا ترهق نفسك في الصعود.

الابن: أبي، أخبرني كيف تشكل هذا الجبل الذي ليس كأي جبل في علوه وارتفاعه.

الأب: إنه صنع الله يا بني. ولكن الذين حاولوا فهم هذا الصنع الإلهي العظيم قالوا بأنه قد تشكل من طبقات الحجر الجيري التي ما زالت تندفع إلى أعلى بسبب تحركات الكتلة الأرضية أسفلها.

الابن: سبحان الله الذي أتقن كل شيء صنعا.

الأب: نعم يا بني. لقد خلق الله هذا الجبل كأعلى جبل في العالم والذي ارتفع من البحر وسما شامخا فوق السحاب. وهذا ما جعله هدفا مغريا للمغامرين.

الابن: أبي، انظر إلى الأمام، أنا استطيع رؤية القمة من مكاني هذا وكأنها قبالة وجهي، سبحان الله العلي القدير.

الأب: نعم يا ولدي. ولكن هل لاحظت تلك الطبقات من الثلوج التي تغطي جوانب هذا الجبل؟

الابن: نعم لاحظت. وقد زادها ضوء الشمس جمالا وبهاء، ما أروع المنظر يا أبي وما أجملها. أشكرك يا أبي على هذه الرحلة الممتعة وإعطائي الكثير من وقتك الغالي.

الأب: وقتي كله لك يا ولدي. فقط أريدك أن تكون شامخا مثل هذا الجبل في العلم والعمل.

الابن: سأبذل قصارى وسعي لتحقيق حلمك الغالي إن شاء الله تعالى.

الأب: وفقك الله وسدد خطاك. هيا نذهب فقد حان وقت المغادرة.

 

مع تحيات / محمد شمس الحق صديق

دار العلم والفكر الإسلامي، ميربور، داكا.

 

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016