اللغة العربية مدخل إلى فهم المصادر الإسلامية

إن اللغة العربية لها جذور تمتد عبر العصور، وإن تاريخ اللغة البشرية تشهد أن اللغة العربية إحدى بنات اللغة السومارية، إنها أول لغة نطق بها البشر على ظهر الأرض، وإذا نظرنا بمنظور الدين فإن اللغة العربية لغة لم تسبقها أية لغة، لأن أبا البشر آدم كان لا ينطق إلا بلغة عربية، سواء كانت اللغة العربية إحدى بنات اللغة السومارية أو غير ذلك فإن اللغة العربية لها جذور تنبثق في عمق الأزمان أو في أوساط العصور، أما ميزة هذه اللغة فإنها تمتاز عن اللغات الأخرى من حيث إعرابها و بلاغتها و هي غنية بمفرداتها، وقد أنجبت هذه اللغة علوما لم يسبقها جنين في تاريخ البشرية، وبعضها متعلقة باللغة نفسها كعلم النحو والصرف، و علم البلاغة تشمل علم البيان و علم المعاني و علم البديع، و أخرى متعلقة بالدين مثلا علم التفسير وعلم الحديث و علم الفقه و علم الأصول، وغيرها من العلوم كلها مرتبطة باللغة العربية ارتباطا قويا لأن هذه العلوم منبعها القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية، مادامت اللغة العربية لغة الوحي سواء كان الوحي متلوا أو غير متلو.

كما أن اللغة العربية وسيلة وحيدة  لفهم مصادر الديانة الإسلامية والتراث الإسلامي، يشهد التاريخ أن هناك علوما غير العلوم الإسلامية فمبادئها قائمة على اللغة العربية مثلا علم التاريخ مبادئه  تقوم على مقدمة ابن خلدون وكذلك علم الجبرا، و مبادئ علم الطب وغيرها من العلوم وضع مبادئها المسلمون باللغة العربية، وكذلك اللغة العربية تتمثل جسرا تربط بين الثقافة الإسلامية والثقافات العامة، وكل من يعتنق الديانة الإسلامية أول ما يجب عليه بعد الاستسلام هو تعلم اللغة العربية لأن تعاليم الشريعة الإسلامية و أحكامها لا تقوم إلا على صلب اللغة العربية، حيث قال الله تعالى (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [فصلت:3] وهذا سبب يجعل اللغة العربية تنتشر في كل مجتمع عربيا كان أو أعجميا، فلا تخلو ولا تفرغ بقعة من بقع الأرض إلا وفيها مسلم يمارس أوامر الشريعة و يطبق أحكام الدين عن هذه اللغة.

ومن ثم يتضح أن آفاق اللغة العربية آفاق لامعة رغم أن العالم في العصر الحديث ينطق باللغة الإنجليزية و الفرنسية، أما اللغة الإنجليزية فتفد الشعوب إليها أو تسعى إلى تعلمها لتطفئ لهب الجوع والعطش، وإن اللغة الإنجليزية أصبحت لغة العلم في العصر الحديث و لغة أصحاب حضارة زاهرة أو الدول التي تسيطر على العالم باقتصادها فلا تنطق هذه الدول إلا بلغة إنجليزية ثمة اللغة الإنجليزية أصبحت لغة عالمية لأن راية الاقتصاد تحمل من ينطق الإنجليزية  فلذا بدأت اللغة الإنجليزية تنشر في كل المجتمعات ثمة نقول أن اللغة الإنجليزية ترعرعت في حضن الاقتصاد حتى كادت تسود العالم.

أما اللغة العربية لبثت في حضن الديانة الإسلامية ويرجع إليها كل من يعتنق بالديانة الإسلامية أو يمارس أحكام الشريعة الإسلامية على ظهر الأرض، وبعد تعاقب الأزمان قد تفقد اللغة وجودها ولو كانت لها جذور تمتد عبر العصور البعيدة مثلا اللغة السنسكريتية واللغة العبرية و الآرامية و السومارية وغيرها من اللغات، لأنه مع تطور الأوان يتغير مذاق الأدب وينجب الدهر بعض كلمات جديدة ويمحو بعضا آخر من الكلمات التي لها قديم السن، وكذلك عند تبادل الحضارة بين الشعب والآخر تفقد اللغة نقاءها و ثمة تدخل كلمات من لغات أخرى، وكذلك حضارة زاهرة تجعل الناس ينطقون لغتها و يبتعدون عن لغات أمهاتهم، وأبرز مثال على ذلك في آسيا أن اللغة الإنجليزية  قد سادت على جميع الألسن التي لها ثبات في هذه الأرض منذ أوان بعيدة، وكذلك اللغة الفرنسية تسود على القارة الإفريقية، فتفنى اللغة أمام الاستعمار الاقتصادي و السياسي كما تموت حضارة ذات دولة متخلفة أمام حضارة ذات دولة متقدمة.

وفي العصر الحديث نلاحظ أن أمريكتين و بريطانيا و اليابان وصلت إلى ثروة التطور العلمي حيث بدأت تسود العالم باقتصادها، أما الصين قد بدأت تدب على طريق التطور العلمي والاقتصادي وبدأت تسيطر على العالم وليس الصبح بعيدا أن راية الاقتصاد تحملها الصين ثمة تنتشر اللغة الصينية في العالم كما انتشرت اللغة اللاتينية.

 أما اللغة التي لا تقوم على دعائم الاقتصاد وإنما تقوم على دعائم الشريعة وتظل مرتبطة بقلوب الناس، إنها لغة ذات حياة لا تنقرض عن سطح الأرض، واللغة العربية إنها الوحيدة التي تتسم بالسيمة الدينية وهي تمثل لغة الديانة الإسلامية وتكفل الله على حفظها بنفسه حيث يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }[الحجر: 9]ويقول: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }[ يوسف: 2].

 فالقرآن رسالة خالدة إلى يوم القيامة، واللغة العربية لغة يتعبد بقرائتها عند تلاوة القرآن، فلذا تظل هذه اللغة تعيش في قلوب المسلمين حتى تقوم القيامة، أما العرب ولو أصبحت لا تهتم بألسنهم إلا بلهجتهم غير أن المناهج الدراسية في الدول العربية لا تقوم إلا على اللغة  الفصحى ولا تصدر الكتب إلا بالفصحى وكذلك الجرائد و الصحف.

وكل لغة تفقد الكلمات والمفردات مع تعاقب الأزمان و تستقبل المفردات الجديدة من لغات أخرى أو أهلها تبتعد عن استعمال بعض الكلمات لصعوبة نطقها أو لقلة استعمالها في ذاك العصر، ولا تفرغ اللغة العربية من هذه الصفة، فشهدت اللغة العربية عصرا لا يحب الناس فيه إلا كلمات مألوفة متبينة بيان الشمس، ولا يحبون الكلمات المألوفة في عصر ما قبل الإسلام، فلذا يزعم بعض من الأناس أن اللغة العربية في العصر الحديث أنها لغة لا قرابة لها بين لغة القرآن و لسان العصر الذي ما قبل الإسلام، فلذا يحاول أن يفهم الإسلام بلغة أجنبية مثلا اللغة الفارسية و الأردية و البوشتوية  وغيرها من اللغات التي لا أصالة لها بنزول الوحي أو بأحكام الشريعة التي لها رابط بقواعد اللغة العربية، فهذا الزعم أو الدعاية كزعم الأعمى في رؤية الفيلة، لأن اللغة العربية لازالت تحتفظ قواعدها وكلماتها ودلالة معانيها، إلا أن أسلوب الأدب العربي قد تغير كما تغير في مجتمعات الأجانب، وكان الأدب العربي يسلك مسلكا فيه نوع من الغموض لأن الأدب العربي كانت تهتم بالشعر أكثر من النثر في العصر الذي ما قبل الإسلام وفي فجر الإسلام، والشعر له أسلوب في كتابته لا يتبين إلا في أبصار أهله، ولما بدأت اللغة العربية تضم النثر والقصائد المنثورة ثمة بدأ الأدب العربي يخرج من عنان أو ضباب، حتى أصبح الأدب العربي يتصف بصفات الوضوح كما هي حالة لغات أخرى، ولكن لم تبتعد اللغة العربية عن جذورها و جذولها ولبثت لغة العلم و العلوم الإسلامية، فكل من يروم أن يتعمق في العلوم الإسلامية فلا غنى له عن اللغة العربية ، لأن العلوم الإسلامية مصادرها مكتوبة بلغة عربية، ومن يتخذ لغة الأردية أو الفارسية أو غيرها من اللغات وسيلة إلى فهم المصادر الإسلامية فكأنه اتخذ السفينة المصنوعة من ورقة وسيلة إلى عبور المحيطات.

 فاللغة العربية وسيلة وحيدة إلى فهم القرآن، فمن يتعمق في اللغة غير العربية و يبادر إلى فهم القرآن عن طريق الكتب المترجمة من اللغة العربية فلا يصل إلى معاني القرآن إلا إلى قشرتها دون لبها.

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016