عَولمة المرأة

عولمة المرأة


 


إحدى محاضرات فضيلة الشيخ الدكتور المحدث / موسى أباظة حفظه الله تعالى ورعاه التي ألقاها في مركز بن تيمية للدراسات العليا والبحوث بمناسبة يوم المرأة العالمي .


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: { ياأيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } أل عمران : 102 . { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تسالون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } النساء :1. { يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما } الأحزاب : 70-71أمابعد:


فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار . ثم أما بعد:


مرحباً بكم أحبتي في الله، نلتقي وإياكم اليوم مع هذه المحاضرة الهامة جداً والله أسأل للجميع المزيد من العلم والفقه وأن يثبتنا على ذلك .


فيا أيها المسلمون والمسلمات: اتقوا الله تبارك وتعالى رب البريات، فإنها خير ذخر يدخر في الحياة وبعد الممات، وبها تحصل البركات، وتنال الكرامات، وترفع الدرجات، وتقال العثرات، وتكفر السيئات: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً } [الطلاق:5].


عباد الله! من محاسن ديننا الإسلامي الحنيف ومميزات شريعتنا الغراء أنها جاءت بالشمول والكمال، فلم تترك جانباً من جوانب الحياة إلا نظمته أحسن نظامٍ وأكمله، وأتقنه وأشمله، ولله الحكمة البالغة فيما يخلق ويختار: { أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [الملك:14].


معاشر المسلمين! ومن الجوانب الرئيسة التي تولاها الإسلام بالعناية والرعاية، وأحاطها بسياجٍ منيع من الصيانة والحماية، ورسم لها خير منهجٍ لما لها من الأهمية والمكانة الجانب المتعلق بالمرأة وشؤنها، ومكانتها في المجتمع، ومسئوليتها في الأمة، وما لها من حقوق وما عليها من واجبات، كل ذلك لأنها اللبنة الكبرى، والنواة الأولى، والبنية الأقوى التي يرتكز عليها عمود الأسرة، وبناء المجتمع، وبالتالي نهضة الأمة، وإعلاء صرح حضارتها، ولأنها الأم الرحوم، والزوج الحنون، والأخت الكريمة، والبنت اللطيفة، بل هي المدرسة الحقيقية لإعداد الأجيال وصناعة الرجال.


معاشر الإخوة والأخوات: لقد جاء الإسلام والمرأة مهضومة الحقوق، محل الشؤم والعقوق، مهيضة الجناح، محملة الجُناح، مسلوبة الكرامة، مهانة مزدراة، محل التشاؤم وسوء المعاملة، معدودة من سقط المتاع وأبخس السلع، تباع وتُشترى، توهب وتكترى، لا تملك ولا تورث، بل تقتل وتوأد بلا ذنبٍ ولا جريرة، فلما أشرق على المعمورة نور الإسلام بحكمته وعدله، رفع مكانتها، وأعلى شأنها، وأعاد لها كرامتها، ومنحها حقوقها، وألغى مسالك الجاهلية نحوها، واعتبرها شريكة للرجل، شقيقة له في الحياة، وقد ذكرها الله في كتابه الكريم مع الرجل في أكثر من موضع، يقول سبحانه: { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } [آل عمران:195] ويقول عز وجل: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى } [الحجرات:13] ويقول جل وعلا: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } [الأحزاب:35] وأوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم خيرا، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { استوصوا بالنساء خيراً } ولـ أحمد و أبي داود و الترمذي عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم } وأعلن عليه الصلاة والسلام حقوقها، وواجباتها ومالها وما عليها في المجمع العظيم يوم عرفة في خطبة الوداع . المساواة الإسلامية بين الرجل والمرأة.


إخوة الإيمان: كما ضمن الإسلام للمرأة الكرامة الإنسانية، والحرية الشرعية، والأعمال الإسلامية، التي تتفق مع طبيعتها وأنوثتها، فيما لا يخالف نصاً من الكتاب والسنة، ولا يعارض قاعدة ومقصداً من مقاصد الشريعة الغراء، في محيط النساء المصون، كما ساوى بينها وبين الرجل في عدد من المجالات.


إلا أن هذه المساواة قائمة على ميزان الشرع، ومقياس النقل الصحيح والعقل الصريح، فقد جعل الله لكل من الرجل والمرأة خصائص ومزايا ومقومات ليست للآخر، فأعطى الرجل قوة في جسده ليسعى ويكدح، ومنح المرأة العطف والحنان لتربية الأجيال وتنشئة الأبناء، وبناء الأسرة المسلمة.


أمة الإسلام! أي شيءٍ بعد هذا التكريم تريده النساء؟ وأي شيء بعد هذه الرعاية والعناية تنشده بنات حواء؟ أيستبدلن الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ أيؤثرن حياة التبرج والسفور والتهتك والاختلاط على حياة الطهر والعفاف والحشمة؟ أيضربن بنصوص الكتاب والسنة الآمرة بالحجاب والعفة عرض الحائط، ويخدعن بالأذواق الماكرة والأصوات الناعقة، والأقلام الحاقدة، والدعايات المضللة، والكلمات المعسولة الخادعة التي تطالعنا بين الفينة والأخرى، وتثار بين حينٍ وآخر؟ أيتركن التأسي بأمهات المؤمنين الطاهرات، وأعلام النساء الصالحات، ويقلدن الماجنات، ويتشبهن بالفاجرات عياذاً بالله؟!


المكانة الحقيقية للمرأة في الإسلام أخواتي المسلمات! إنكن لن تبلغن كمالكن المنشود، وتعدن مجدكن المفقود، وتحققن أملكن المعقود، وطموحكن المشهود، إلا باتباع تعاليم الإسلام والوقوف عند حدود الشريعة، فذلك كفيلٌ أن يطبع في قلوبكن محبة الفضائل والتخلي عن الرذائل.


أختي المسلمة الطاهرة العفيفة، الحرة الكريمة الشريفة! مكانك والله تُحمدي، وبيتك بالله تسعدي، وحجابك تالله تصلُحي، وعفافك ورب الكعبة تريحي وتستريحي: { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى } [الأحزاب:33] { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ } [الأحزاب:59].


أيتها الأخوات في الله! أنتن في الإسلام دررٌ مصونة، وجواهر مكنونة، أنفس لآلئ في أحكم صدف، وأغلى وأجل من كل الأثمان والتحف، وبغير الدين دمن في يد كل فاجر، وسلعٌ يتاجر بها ؛ بل يلعب بها ذئاب البشر الجائعة، وثعالبها الخادعة، فيهدرون عفتها وكرامتها، ثم يلفظونها لفظ النواة، ويرمونها رمي القذاة، فمتى خالفت المرأة آداب الإسلام، وتساهلت بالحجاب، وبرزت للرجال مزاحمة متعطرة، غاب ماؤها، وقل حياؤها، وذهب بهاؤها، فعظمت بها الفتنة، وحلت بها الشرور والنقمة.


الحرب على المرأة في العصر الحديث .       فيا أيتها المسلمات المعتزات بشرف الإسلام! ويا أيتها الحرائر العفيفات المصونات! أنتن خير خلف لخير سلف، تمسكن بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكن على حذرٍ من الأيدي الماكرة، والعيون الفاجرة، التي تريد إنزالكن من علياء كرامتكن، وتهبط بكن من سماء أمجادكن، وتخرجكن من دائرة سعادتكن، وإياكن والخديعة والانهزام أمام الحرب السافرة بين الحجاب والسفور، والعفاف و الإباحية ، فلم يعد خافياً أن التبرج والسفور مطية الفساد وطريق الفجور.


إن أعداء الإسلام قد ساءهم وأقض مضاجعهم ما تتمتَّع به المرأة المسلمة من حصانة وكرامة، فسلطوا عليها السهام، ونصبوا لها الفخاخ، ورموها بنبلهم عن قوسٍ واحدة، ومن الغريب أن يسير في ركابهم، ويسعى في نشر أفكارهم أناسٌ من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، فيشنون الحرب الفكرية الشعواء على أخواتنا المسلمات، ماءِ وجوهنا، ومقلِ عيوننا؛ عبر العناوين الخادعة، والمقالات الساحرة هنالك وهناك، فينادون زوراً وخديعة، بتحرير المرأة، ويشيعون الشائعات المغرضة، والشبه الداحضة عن المرأة المسلمة، يقولون عن المجتمع المسلم المحافظ: إن نصفه معطل، ولا يتنفس إلا برئة واحدة، وكيف تترك المرأة حبيسة البيت ورهينة المنزل؟ وما إلى ذلك من الأقوال الأفاكة، والعبارات المضللة.


فماذا يريد هؤلاء؟ وما يروون؟ وإلى أي شيء يهدفون؟ نعم. إنهم يهدفون إلى تحرير المرأة من أخلاقها وآدابها، وانسلاخها من مثلها وقيمها ومبادئها، وزجها في أتون الشر والفساد، يريدونها عارضة للأزياء، وسلعة للسذج والبسطاء، تزين بها أغلفة المجلات، وتروج من خلالها لسوق الدعايات والإعلانات، فمن لصلاح البيوت وسعادة الأهل وتربية الأجيال؟ خبرونا بربكم أي فتنة تقع وأي بلاءٍ يحدث إذا هتك الحجاب، ووضع الجلباب، وافترس المرأة الذئاب، نتيجة السفور والاختلاط في الدوائر والمكاتب والمدارس والأسواق؟ أما يكفي زاجراً يا عباد الله، ويشفي واعظا ما وقعت فيه المجتمعات المخالفة لتعاليم الإسلام من الهبوط في مستنقعات الرذيلة، ومهاوي الشرور وبؤر الفساد، حين أهملت أمر المرأة حتى انطلقت الصيحات المجردة، والنداءات المتكررة، مطالبة بعودة المرأة إلى حصنها وقرارها؟ هل يرضى من فيه أدنى غيرة ورجولة، ومسكة عقلٍ ومروءة، أن تصير امرأته وموليته مرتعاً لأنظار الفساق؟ وعرضة لأعين الخونة؟ وماردة مكشوفة، ولقمة سائغة أمام عديمي المروءة؟ وضعاف النفوس وقليلي الديانة؟ لقد أفادت الأوضاع السائدة إقليمياً وعالمياً أن خروج المرأة من بيتها هو أمارة الخراب والدمار، وعلامة الضياع والبوار، وعنوان انقطاع وشائج الألفة والمحبة والفضيلة، وانتشار غوائل الشرور والفساد والرذيلة بين أبناء المجتمع .


شعار عولمة المرأة أمة الإسلام! أمة الطهر والعفاف والحياء والاحتشام! لقد نحا الهجوم على المرأة في الآونة الأخيرة منحى خطيراً، واتخذ منعطفاً كبيراً، يوم أن تبنته مؤتمرات دولية، ومنظمات عالمية، تحت شعار ما يعرف بعولمة المرأة، بث فيها سدنة الجريمة، وسماسرة الرذيلة سمومهم ضد المرأة المسلمة، ومن حق المسلمين الغيورين أن يتساءلوا: أمن شكٍ في ثوابتنا ومبادئنا حتى تثار قضايانا الكبرى بين الفينة والأخرى للجدل العقيم؟! والطرح الهزيل، والنقاش الذميم؟! ومنها قضية المرأة.


بأي حقٍ يجعل من المرأة شماعة تعلق عليها زبالات الأفكار والأهواء، وعفن الثقافات والآراء؟ هل من الإنصاف أو من الإسفاف أن تجعل المرأة الحرة الكريمة سلّماً لذوي المآرب المشبوهة، وجسراً يصل من خلاله ذوو الاتجاهات المغرضة، إلى جر المجتمعات المحافظة إلى مستنقعات الرذيلة والتخريب، وشرور العلمنة والتغريب، ومن ثم إلى مهاوي العدم وبؤر الفناء؟ هل من العقل والرحمة ومراعاة حقوق الإنسان أن تجعل التجارب الغربية الخاطئة أنموذجاً يقتفى، وميزاناً توزن به النماذج الاجتماعية الإسلامية؟ هل من الحوار الحضاري المزعوم أن تفرض على الأمة الإسلامية أطرٌ اجتماعية وأسرية مخالفة لمبادئها وثوابتها؟ مؤامرات تسمى مؤتمرات لقد طالعتنا منظمات مشبوهة تدعي مراعاة حقوق الإنسان، في الأيام القليلة الماضية بعقد مؤتمر عن المرأة والأسرة عام (2000م) وقد سبقه عدة مؤتمرات هي في الحقيقة مؤامرات، وقد صدرت عنه وثيقة دولية عن المرأة والأسرة عام (2000م) من أوراق عمل لتحرير المرأة والأسرة، الحرية، الإنجاب خارج الشرعية الأسرية، تجريد الزواج، الإجهاض، إباحة الشذوذ، تبادل الأدوار بين الرجل والمرأة، الاتجار العلني بأجساد النساء، وغير ذلك من تحسي السموم، واللهف المحموم، في تحولٍ عجيب من هذه المحافل الدولية، والمنظمات العالمية، إلى فرض آليات تمثيلية على البلاد الإسلامية.


أين مراعاة حقوق الإنسان المتمثل في المرأة التي يراد لها الاستغلال والابتذال في أسوأ صوره، وأحط معانيه؟ وبالأمس القريب شنت هذه المنظمات المشبوهة هجومها على بلاد الحرمين الشريفين -حرسها الله- زاعمة زوراً وبهتانا انتهاكها لحقوق الإنسان لتنفيذها شرع الله المطهر، تكريماً للإنسان وحفاظاً على بني الإنسان.


واليوم تتجه سهامها ضد المرأة المسلمة، الإنسان المكرم، والعنصر المحترم، هل يريدون من المرأة عام (2000م) أن تكون سلعة إعلامية، وملهاة جنسية؟ أين هذه المنظمات إن أرادت إنصاف المرأة ومراعاة حقوقها عن آلاف المغتصبات، وعشرات الألوف من المستحوات؟ أين هي من المرأة المنكوبة في البوسنة و الشيشان ؟ وفي بقاعٍ كثيرة من العالم؟ بل أين دموع تماسيحها على المرأة الغربية حيث التفكك الأسري، والتحطم الاجتماعي؟ لكنه الكيد والمؤامرة { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [الأنفال:30].


لقد طفح كيل القوم، وضاق عطنهم، وأخرجوا مكنونهم، ولم يعد خافياً على الغيورين حملاتهم المسمومة، وتحدياتهم المحمومة ضد المرأة المسلمة وحجابها، وعفافها وحيائها، فهل تعي المرأة المسلمة ما يخطط لها، ويكاد ضدها، ويدبر حيالها، من وسائل الفتنة بها ولها، فلا يزيدها ذلك إلا استمساكاً بشخصيتها الفذة، واعتزازاً بأصالتها الفريدة، وعدم الانسياق مع الانفتاح والمتغيرات، على حساب الثوابت والمبادئ واليقينيات؟ يجب ألا تزعزع هذه التحديات السافرة ثقة المرأة المسلمة بنفسها، وتمسكها بدينها، واعتزازها بثوابتها، في خضم هذه الزوابع المتكررة، والحملات المسعورة المتتالية. فتنة النساء وواجب المسلمين تجاه الحملة العالمية فيا أيها العقلاء! اعتبروا واحذروا، وعوا ولا تنخدعوا، فالسعيد من وعظ بغيره، واعلموا أن نكبة الأمة اليوم في مجتمعاتها، وإخفاقها في أخلاقها، وانتكاسها في سلوكياتها، لم تكن إلا بعد أن نكبت في نظام أسرها، وفساد تربيتها لنسائها.


وقد قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: { ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء } متفقٌ عليه من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال صلى الله عليه وسلم: { فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء } أخرجه مسلم في صحيحه .


فهل تعمل البلاد الإسلامية والمؤسسات والمنظمات الخيرية على تبني قضايا المرأة المسلمة، ومواجهة التحديات بمزيدٍ من الدراسة والتنسيق، والتأصيل والتحقيق الدقيق، والبرامج العملية الناجحة التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن النظم الاجتماعية المحافظة، هي القلعة الحامية بإذن الله من السقوط والانهيار؛ لأن الارتباط بها ارتباط وجودٍ وهوية، وهو ما يتطلب وعياً عميقا، ويقظة دائمة، ونوايا مخلصة.


وحفظ الله نساء المسلمين من كيد الكائدين، وعدوان المعتدين، وكان سبحانه في عون العاملين لنصرة دينهم، وخدمة قضايا أمتهم، إنه خير مسئولٍ وأكرم مأمول.


{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم:6].


بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيد الثقلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان للأوابين غفوراً.


نداءات بشأن خطورة قضايا المرأة


الحمد لله مسدي النعم والآلاء، وكاشف النقم واللأواء، أحمده تعالى وأشكره وهو ذو العز والعظمة والكبرياء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا أنداد ولا شركاء، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله إمام الحنفاء، وسيد الأصفياء، وخاتم المرسلين والأنبياء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الشرفاء، وصحبه الأوفياء، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ من الرجال والنساء، صلاة وسلاماً متعاقبين تعاقب الصباح والمساء، دائمين ما دامت الأرض والسماء.


أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، اتقين الله إماء الله، تمسكوا جميعاً بكتاب ربكم وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، فخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها.


أيها الإخوة والأخوات في الله: إن قضية المرأة من الخطورة بمكانٍ كبير، وتحتاج إلى عرضٍ متجددٍ مركَّز؛ لأنها اتخذت مطية وغرضاً من أعداء الإسلام وأذنابهم، يبثون من خلاله شبههم، وينشرون أباطيلهم وسمومهم في غفلة من المسلمين، وانشغالٍ من كثيرٍ من المصلحين.


ولكي لا ينخدع بعض الدهماء والدهماوات؛ فإن على المسلمين في مختلف ثغورهم ومجالاتهم العناية بهذه القضية، وبيان منهج الإسلام فيها لنثبت للعالم بأسره أننا ولله الحمد في يقظة من أمر ديننا، وأن فتياتنا المصونات عزيزات بإسلامهن، متمسكات بدينهن، لا تنطلي عليهن أقوال الناعقين أعداء المثل والقيم والمبادئ السامية . نداء إلى المسلمات والجمعيات النسائية فإلى أخواتنا المسلمات في عالمنا الإسلامي، وإلى نصف أمتنا الثاني، يوجه هذا النداء الحاني، من هذه البقعة الطاهرة بالتمسك الحقيقي بكتاب الله، والعض بالنواجذ على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتباع تعاليم الإسلام وآدابه، وإلى الجمعيات النسائية في كل مكان يوجه التحذير من مغبة مخالفة المرأة لهدي الإسلام، ويدعى بإخلاصٍ وإشفاق إلى الحذر الشديد من الانسياق وراء الشعارات البراقة، والدعايات الخلابة، والمصطلحات الأخاذة المسمومة المظللة ضد أخلاق المرأة ومثلها وقيمها. نداء إلى أولياء الأمور أما أولياء أمور النساء من آباء وأزواج فإننا نذكرهم بواجب القوامة على المرأة امتثالاً بقوله سبحانه: { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ } [النساء:34] فعليهم أن يتقوا الله عز وجل، ويقوا أنفسهم ونساءهم وأبناءهم عذاب الله سبحانه، وذلك بالقيام بتربيتهم، ومتابعاتهم، ومراقبتهم، وأطرهم على تعاليم الإسلام، إننا نناشد فيهم غيرتهم على نسائهم، ونخاطب فيهم شهامتهم ورجولتهم ومروءتهم، ذباً عن أعراضهم، وصوناً لمحارمهم، فضلاً عن ديانتهم وأخلاقهم. التزام النساء في الجزيرة وبلاد الحرمين ألا وإن من الإنصاف المتأصل، وشكر المنعم المتفضل، ما تتميز به بنات الجزيرة المحافظات، وفتيات بلاد الحرمين المصونات، من خصائص وميزات، أهَّلتها لأن تكون فريدة من نوعها، متميزة عن غيرها، شامة بين بنات جنسها تحلياً بالسير على المنهج الإسلامي الصحيح، في وقتٍ تقاذفت فيه المرأة في العالم أمواج الفتن وأعاصير المحن، وما ذاك إلا بتمسك ولاتها وفقهم الله بتعاليم الإسلام، وتأكيدهم التزام المرأة في هذه البلاد المباركة بالمنهج الشرعي، ومنع ما يخالفه من المظاهر والسلوكيات، فهل يعي ذلك كل دعيٍ يخالف منهج شريعتنا، ويصر على الخروج على سياسة ولايتنا وفقها الله، ونصر بها الحق وأهله؟ وأخيراً يا رعاكم الله: هل تجد هذه الكلمات المشفقات آذاناً صاغية، وقلوباً واعية؟ هذا الرجاء والأمل، وعلينا الإخلاص والعمل، ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، والحبيب المرتضى، كما أمركم بذلك جل وعلا، فقال تعالى قولاً كريما: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } [الأحزاب:56].


اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، وأفضل الأنبياء والمرسلين، نبينا وحبيبنا وقدوتنا، وسيدنا محمد بن عبد الله رسول رب العالمين وقائد الغر المحجلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الرحمين.


اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.


اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين.


اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن.


اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا هذه خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.


اللهم انصر إخواننا المجاهدين والمستضعفين في دينهم في كل مكان، اللهم انصرهم في الشيشان ، اللهم انصرهم في كشمير ، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين.


ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الرحمين.


سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016