دعوا بوتين يغرق في المستنقع الأوكراني

دعوا بوتين يغرق في المستنقع الأوكراني


 


في الكرملين لا يرتعدون خوفا من التصريحات الأميركية التي تقول إن التدخل في أوكرانيا سيكون له ثمنه، لأنهم يعرفون جيدا أن باراك أوباما الذي يعمل على سحب أميركا من العالم، لا يريد - كما أنه لا يستطيع - أن يفرض هذه الأثمان، وقد اختبروه جيدا في سوريا وفي إيران!


وفي الكرملين لا يخافون من التهديدات الأطلسية، فالزمن ليس زمن الأساطيل والانخراط في المواجهات العسكرية، فأوروبا منهكة اقتصاديا ولا تقاتل في غياب أميركا، وقد ثبت هذا أخيرا في ليبيا وغيرها.. ولكن في المقابل لم يعد الزمن زمن الستالينية وإن كان فلاديمير بوتين يحاول إحياء شيء من الهيبة المنهارة للستار الحديدي الذي صار من الماضي.


كل الذرائع التي قدمها الكرملين لتبرير تدخله العسكري الفظ تافهة ومرفوضة، فالروس في شبه جزيرة القرم لم يتعرضوا للتنكيل، وموسكو هي التي حرّكتهم لمعارضة إطاحة الثورة البرتقالية الثانية بفيكتور ياكونوفيتش، رجلها الذي وصل إلى السلطة مرتكبا لجريمتي قتل ثم انتهى رئيسا مكروها دفعه الكرملين إلى الهرب لتبرير تدخله في أوكرانيا.


إذا كانت موسكو تعارض كما تزعم كسر إرادة الشعوب وقد سمعنا طروحاتها عن هذا في ليبيا ثم في سوريا، فكيف لها أن ترسل قواتها إلى شبه جزيرة القرم لكسر إرادة الشعب الأوكراني، الذي استقل عام 1991 ثم قامت موسكو بقمع ثورته الأولى عام 2004 وها هي الآن تحاول كسر ثورته الثانية؟


ولكن رغم كل هذا تبدو موافقة بوتين السريعة على تشكيل «مجموعة اتصال» للبدء بحوار سياسي في شأن إنهاء الأزمة الأوكرانية مثيرة وذات دلائل، فالحكومة الألمانية أعلنت أن «بوتين وافق على اقتراح أنجيلا ميركل بتشكيل فوري لبعثة تحقيق، إضافة إلى مجموعة اتصال يمكن أن تكون برئاسة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا»، وهذا قد يعني ضمنا أن بوتين يعرف جيدا أن روسيا ليست في عام 1968 عندما سحقت دباباتها ربيع براغ وليست في عام 2008 عندما اندفعت إلى الحرب في جورجيا.


أوكرانيا التي طالما كانت روح روسيا ستتحول الآن مستنقعا يمكن أن يجرف الوضع الروسي إلى الرمال المتحركة على صعيدين:


- الصعيد الاقتصادي حيث تبلغ ديون أوكرانيا ما يقرب من 300 مليار يورو معظمها لمصلحة المصارف الروسية، بما يعني أن إعادة هيمنة روسيا على أوكرانيا ستفجر وضعها الاقتصادي وخصوصا مع العقوبات الغربية، ولأجل هذا كان التركيز الأميركي والأوروبي على الناحية الاقتصادية تحديدا في سياق الردود على التدخل الروسي، ومن المؤكد أن التدخل العسكري ستكون له نتائجه المدمرة على المسألة الأكثر حيوية التي يطمح إليها بوتين، وهي الاتحاد الجمركي بين منظومة دول أوروبا الشرقية التي يريدها أن توازن السوق الأوروبية المشتركة وتوقف مغرياتها التي تتوق إليها الشعوب في أوروبا الشرقية وحتى في روسيا!


- الصعيد السياسي المتمثّل في وجود جذوة متحركة على غرار «ثورة أوكرانيا» في كل دول منظومة الاتحاد الجمركي، الذي يريده بوتين وحتى في داخل روسيا، ويجمع الخبراء المهتمون بحطام الاتحاد السوفياتي على أن هذه الجذوة تثير القلق في الكرملين، كما لدى جميع الدول الاستبدادية المنضوية في إطار الشركة مع أوروبا الشرقية، بدءا بأذربيجان التي تنظر بعين الرعب والخوف من الرياح التي أطلقتها «ساحة الميدان» في كييف!


وبالنظر إلى حقيقة المشاعر في بولندا والمجر ورومانيا وبلغاريا وإلى الأبعاد السياسية والاقتصادية التي تبرز فوق رقعة البركان الأوكراني، يحتاج المرء إلى رؤية ما هو أعمق من رؤية المدرعات الروسية وهي تندفع في شبه جزيرة القرم، ذلك أن بوتين دخل إلى هناك حفاظا على ما تبقى من هيبة الكرملين كمرجعية روسية لها رأيها في الإقليم الذي كان فضاءً سوفياتيا، وليس لأنه مقتنع أن في إمكانه إعادة الزمن البائد، فهو يريد أن يوقف أو على الأقل أن يبطئ انزلاق أوروبا الشرقية وحتى روسيا في اتجاه الغرب!


وبإزاء هذا الواقع يمكن أن نفهم «موافقة بوتين الفورية» (لاحظ الفورية) كما أعلنت الحكومة الألمانية، على إنشاء لجنة اتصال برئاسة «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا» للبدء بحوار سياسي، ولكن ثمة ما يذكرنا بقول لينين ذات يوم: «أعط الأميركيين ما يكفي من الحبال وهم كفيلون بشنق أنفسهم في أفريقيا»، وهو تقريبا ما أشار إليه ديفيد إغناتيوس في أحد مقالاته الأخيرة، من أن الحكمة تفرض ترك بوتين يغرق في المستنقع الأوكراني، ففي النتيجة لن يتمكن من أن يفرمل من تراجع هيبة الكرملين الذي تنزلق أوروبا الشرقية من قبضته كحبات الرمل.. ورياح كييف لن تلبث أن تعصف في موسكو!


 


 (الشرق الأوسط)

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016